ازدهار سوق سوداء للمعقمات الطبية

مخاوف من جولة ثانية من الغش التجاري أشد فتكاً
محمد شرف
October 12, 2020

ازدهار سوق سوداء للمعقمات الطبية

مخاوف من جولة ثانية من الغش التجاري أشد فتكاً
محمد شرف
October 12, 2020

 ساهم فيروس كورونا في خلق رواجٍ كبيرٍ في سوق المعقمات الطبية والمطهرات في اليمن، ازدهرت فيها عمليات الغش لتشمل الأسواق الرئيسية في العاصمة صنعاء والمحافظات اليمنية الأخرى. ومع تزايد التحذيرات من عودة تفشي الجائحة في جولة ثانية، يخشى المستهلك اليمني من جولة ثانية من الغش في المعقمات أشد فتكاً من الأولى، فيما لا يزال إنتاج وتسويق المعقمات في اليمن غير خاضع لرقابة رسمية صارمة.

    مُعقمات مجهولة المصدر، تفتقد لتقارير فحص من هيئة المواصفات والمقاييس، وأخرى خطيرة تم سحبها من أسواق الدول المجاورة، فيما هناك ما يتم إنتاجها داخل أقبية البنايات في ظل رقابة خجولة.

    كما أدّى نقص المعقمات في الصيدليات إلى خلق سوق سوداء، مع رفع أسعارها ثلاثة أضعاف السعر الحقيقي، وارتفاع أصوات تُطالب بمراقبة سوق الأدوات الطبية ذات الصلة بالوقاية من العدوى الفيروسية وضبط المخالفين.

    طرق الغش تبدأ بـ"صبغة ونكهة ورغوة"، ليقع المستهلك ضحية هذه المنتجات، كونه لا يتمتع بأي معرفة عن المعقمات الطبية الآمنة، ولا يتحقق من بطاقة البيان الإيضاحي الخاص بها.

     أشكال وطرق الغش التجاري كثيرة؛ تتمثل بإعادة تدوير كميات من المعقمات وتسويقها من جديد رغم انتهاء صلاحيتها، ثم ما تلبث أن تجد طريقها إلى الصيدليات والمحلات التجارية وعلى الأرصفة.

وضعت الهيئة اليمنية للمواصفات والمقاييس وضبط الجودة؛ "قائمة سوداء" بأكثر من 16 صنفًا من المعقمات الطبية والمطهرات والمنظفات في السوق المحلية مخالفة للمواصفات القياسية المعتمدة

  يلجأ بعض المنتجين لاستخدام مكونات بديلة عن المكونات الأصلية، كما في معقم الجلّ الخاص باليد، من خلال استخدام الكحول الميثيلي بدلًا عن الكحول الإيثيلي في مادة الجل، الذي له القدرة على قتل الفيروسات ومنها كورونا، وهنا يفتقد المعقم فعاليته، أو من خلال صناعة مادة الجل دون إضافة الإيثانول إليها، وهي المادة الرئيسية في التعقيم.

    وفي حال احتوى المعقم على كحول إيثيلي، فإن نسبة تركيز الكحول فيه لا تتعدى 20%، وهي نسبة أقل بكثير مما تنصح بها منظمة الصحة العالمية (60%).

معقمات مضللة

    الدكتور الصيدلاني أسامة هاشم، قال لـ"خيوط"، إن أكثر من 60% من المعقمات والمنظفات التي تُباع في السوق المحلية، يتم تصنيعها في معامل غير مسجلة في هيئة الأدوية ووزارة الصناعة، وأن بعضها "تُمارس عملها من داخل البدرومات". ولفت إلى أن العديد من هذه المعقمات والمطهرات مجهولة المصدر ولا تحمل أسماء لماركات معروفة.

    في حين لا تثق الدكتورة منى عبدالله، وهي أخصائية مختبرات، بالمعقمات الطبية والمطهرات الموجودة في السوق، في ظل انتشار "هذه الفوضى" في إنتاجها وتسويقها، إذ أن "منتجات التعقيم الأصلية كادت تختفي، وإذا ما حالفك الحظ في الحصول على معقمات معروفة، فإنك تصطدم بأسعارها المرتفعة". لذا لجأت الدكتورة منى إلى استخدام الكلور والماء كمادة تعقيم تستخدمها في المنزل والعيادة على حد سواء.

قائمة سوداء

    الهيئة اليمنية للمواصفات والمقاييس وضبط الجودة؛ كانت أصدرت "قائمة سوداء" بأكثر من 16 صنفًا من المعقمات الطبية والمطهرات والمنظفات في السوق المحلية مخالفة للمواصفات القياسية المعتمدة، 14 منها لا توجد عليها اسم الشركة المصنعة، وأخرى تعبئة محلية، وفيها نقص في المادة الفعالة، فيما ستة من هذه الأصناف غير مدون عليها بلد المنشأ، وعدد آخر من هذه المعقمات والمطهرات المخالفة، جاءت من السعودية وتركيا والإمارات والأردن.

    محمد السبئي، مدير العمليات بالهيئة اليمنية للمواصفات والمقاييس وضبط الجودة، شدد بدوره على أهمية الوعي الذي يجب أن يتحلى به المواطن، خاصة مع تفشي الجائحة الفيروسية وشحة توفر معقمات آمنة في السوق، مؤكداً لـ"خيوط" أن الهيئة وضعت قائمة سوداء بـ16 صنفًا من المعقمات الطبية والمطهرات المخالفة.

    بدورها أكدت الجمعية اليمنية لحماية المستهلك تلقيها الكثير من الشكاوى من قبل المواطنين بهذا الخصوص نتيجة ضعف الرقابة، وهو ما يُشكل خطرًا على صحة الإنسان وسلامته، فالكثير من المعقمات المعروضة في السوق غير صالحة للاستخدام؛ لاختلال في تركيبها أو انتهاء فترة صلاحيتها، وفقًا لرئيس الجمعية فضل منصور. 

    حسب حديث منصور لـ"خيوط"، فإن هناك معقمات ومطهرات ترش على مداخل الأسواق لا تعدو عن كونها ماء، ومعقمات إما زائدة بالكميات المسموحة من مكوناتها أو ناقصة. هذا التناقض والاختلال في التراكيب يصيب مرتادي الأسواق بأمراض جلدية وغيرها، لافتاً إلى أنه "يتم تضليل المواطن بأنها مواد مطهرة أو معقمة، وهي ليس كذلك".

    يضيف منصور: "طالبت الجمعية بتشديد الرقابة على هذه المحلات التي يتم استخدام منتجاتها في الأسواق وغيرها، ومن خلال ما وصلها من شكاوى، فما زال هناك الكثير من الانتهاكات التي يتعرض لها المستهلك من حيث ارتفاع أسعار هذه المعقمات والمطهرات وانتشار الغش والتقليد فيها، سواء في الحجم أو في المكونات، وما زالت الرقابة ضعيفة جدًّا ولا ترقى إلى مستوى خطورة الوضع الذي يجب أن يحتاط له الجميع".

على الرغم من فوضى سوق المعقمات الطبية، إلا أن الإجراءات الرقابية توصف بالخجولة؛ ولا ترتقي إلى المستوى المطلوب

   كما أن الكثير من المعقمات والمطهرات اختفت من الأسواق، وإن وجدت فتكون بأسعار تصل إلى 500%، أي خمسة أضعاف سعرها، وبعضها تتجاوز هذا الحد إلى أرقام خيالية، خاصة مع بداية فترة تفشي جائحة كورونا.

رقابة خجولة

   على الرغم من فوضى سوق المعقمات الطبية، إلا أن الإجراءات الرقابية توصف بالخجولة؛ ولا ترتقي إلى المستوى المطلوب؛ فاللجنة المشتركة التي تم تشكيلها من قبل اللجنة العليا لمكافحة الأوبئة، لتنفيذ حملات ميدانية على معامل إنتاج المعقمات والمطهرات ومحلات بيعها، يوصف أداءها بالضعيف؛ في ظل نزول ميداني محدود ومخالفات لم تصدر بحقها أحكام قضائية، ولم تحد من الاختلالات والمخالفات في الجودة والأسعار.

    ومع ذلك، فخلال الفترة من مارس/ آذار حتى مايو/ أيار 2020، ضبطت وزارة الصناعة والتجارة التابعة لحكومة صنعاء بالتنسيق مع الهيئة العليا للأدوية، خمسة محلات ومعملًا لبيع وإنتاج المواد المعقمة لمخالفتها للمواصفات وللأسعار، كما تم إغلاق معملين لإنتاج المنظفات والمطهرات جميعها بالعاصمة صنعاء، تقوم بإنتاج منتجات مخالفة.

    ولا تتوقف ألغام المعقمات عند ذلك فقط؛ فقد علمت "خيوط" من مصادر مطلعة بوجود مُعقمات خارجية في السوق المحلية، وصفها مصادر طبية بالخطرة.

    من هذه المنتجات مستحضر جل "سعودي" المنشأ معقم لليدين يحمل اسم «Shield»، يُشكل خطرًا على سلامة الإنسان لاحتوائه على نسبة عالية من مادة الميثانول السامة، ورصدت "خيوط"، قيام الهيئة العامة للغذاء والدواء السعودية بالتحذير منه على صفحتها الرسمية، ليتم سحبه من السوق السعودية في مارس/ آذار 2020.

    وفقًا لأطباء؛ فإنه في حال زيادة نسبة الميثانول أو الكحول الميثيلي، يُسبب المعقم حروقًا في الجسم وتآكلًا وتلفًا للجلد. وهي مادة شديدة السمية إذا تم استنشاقها، أو من خلال ملامسة الجلد بشكل مباشر، كما يؤدي إلى الغثيان والدوار والضعف العام والصداع، وعلى المدى الطويل يتسبب بالعمى بسبب إتلاف العصب البصري، ويؤدي التسمم به إلى الفشل الكلوي، وموت خلايا المخ، ثم الوفاة.

تحديَات في الإنتاج والاستيراد

    وفقًا للمعلومات التي حصلت عليها "خيوط"؛ فإن هناك نحو 65 معملًا ومصنعًا خاصًّا بإنتاج المعقمات والمطهرات والمنظفات، مُسجلة في وزارة الصناعة والهيئة العليا للأدوية بصنعاء، معظم هذه المعامل تواجه صعوبات كثيرة بفعل الحصار وإحجام عدد من الدول عن تصدير الأدوية والمستلزمات الطبية والمواد الخام لصناعة مواد التعقيم والمطهرات، إلى اليمن. مثال على ذلك، التوقف الكبير في واردات الصين من الأدوية والمحاليل والمستلزمات الطبية والتشخيصية مع تناقص واردات المصادر البديلة، خصوصًا في الدول التي تفشى فيها وباء كورونا، مع قرار السلطات الهندية بإيقاف تصدير 13 صنفا من المواد الخام للمصانع المحلية ووضع أكثر من 20 مادة دوائية أخرى في قائمة الملاحظة للمنع.

    وفي محاولة لتوفير الطلب المتزايد من المعقمات والمطهرات من قبل السكان؛ رصدت "خيوط"، عددًا من المبادرات في هذا الجانب؛ فقد قامت وزارة الصحة في حكومة صنعاء في يناير/ كانون الثاني 2020، بافتتاح المعمل الصيدلاني لإنتاج المطهرات والمعقمات الطبية بهيئة مستشفى الثورة، الذي ينتج 24 صنفًا من المطهرات والمعقمات بأيادٍ وخبرات وخامات يمنية.

    وفي شهر مارس/ آذار 2020، تم افتتاح الخط الإنتاجي الجديد لتصنيع مستحضرات التعقيم والتطهير بالمصنع الوطني للأدوية "يدكو"، بطاقة إنتاجية تُقدّر بنحو 20 ألف قارورة مطهرة حجم صغير و500 قارورة حجم كبير في اليوم الواحد.

    وفي السياق نفسه، أعلنت هيئة المساحة الجيولوجية والثروات المعدنية بصنعاء في شهر إبريل/ نيسان 2020، خطة عمل وصفتها بالشاملة، تتضمن توفير متطلبات التعقيم والوقاية من خلال البدء بإنتاج 10 أطنان من المعقمات التي تضم ثلاثة أصناف: «صنف الكلور ويستخدم لرش الأسطح والأرضيات بنسبة تركيز 1,0% بالإضافة إلى مطهر ماء الأكسجين لرش الأسطح والأرضيات بنسبة 0.3%، وكذلك إنتاج 5 أطنان من معقم ومطهر للأيدي والجسم من ماء الأكسجين بنسبة تركيز 0.5 %، والبدء بالبحث والتجارب لإنتاج معقمات من خامات المعادن المحلية، مثل الكبريت على المدى المتوسط.
    في ذات الخصوص، أعلنت كلية الطب والعلوم الصحية بجامعة حضرموت، في إبريل/ نيسان 2020، عن إنتاج الدفعة الأولى من مستحضرات تعقيم الأيدي بمواصفات عالية، تتضمن 500 عبوة، تتسع الواحدة منها لألف ملي لتر من مستحضرات تعقيم الأيدي.

    كما شهدت جامعة الحكمة بصنعاء الإعلان عن انطلاق مشروع إنتاج المعقمات والمطهرات للمحاجر الصحية. 

   الدكتور ماجد القطوي نائب رئيس الجامعة أشار لـ"خيوط"، إلى أن المشروع يعتبر نواة تجربة ناجحة، ومن أول المساهمات النوعية الإنتاجية على مستوى الجامعات اليمنية، بعد أن تم التدرج في تنفيذه على ثلاث مراحل، بَدءًا من تنظيم يومٍ طلابي مفتوح للتوعية بمخاطر الفيروسات، ونشر الوعي الصحي المجتمعي حول الإجراءات الاحترازية لمواجهة كورونا، تلاها تدريب وتأهيل 70 مشاركة من مختلف مديريات أمانة العاصمة صنعاء، على طرق الوقاية وكيفية إنتاج المعقمات والمطهرات والمنظفات، طبقًا للمواصفات والمقاييس المعتمدة لدى الهيئة اليمنية للمواصفات والمقاييس وضبط الجودة.

    وتابع القطوي: "تنتشر حاليًّا أصناف محلية متعددة من معقمات ومطهرات في السوق غير مطابقة للمواصفات والمقاييس نتيجة استغلال زيادة الطلب على المعقمات والمطهرات، الأمر الذي تسبب بأضرار صحية كبيرة، وضعف الرقابة على النحو المطلوب بضبط من ينتجون تلك الأصناف دون أدنى معايير الجودة".


•••
محمد شرف

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English