صنعاء حَوَت كل فنّ!

كلهم قالوا، ماذا قلنا نحن؟
عبدالرحمن بجاش
January 17, 2021

صنعاء حَوَت كل فنّ!

كلهم قالوا، ماذا قلنا نحن؟
عبدالرحمن بجاش
January 17, 2021

قال بازوليني عنها، وقال ألبرتومورافيا، وقال فرنك ميراميه، وقالت كلوديا فايان صاحبة "كنت طبيبة في اليمن"، وقال وقال وقال وقلنا...، وكل ما قيل مكتوبًا ومبثوثًا لم يشفع لها، وإلى اللحظة لم تجد التوجه الجاد ولا المسؤول الذي يدري ماذا تعني: "صنعاء حَوَت كل فن"!
ماذا قلنا نحن؟
تحضرني اللحظة نادرةٌ، بطلاها الأستاذ نعمان، والشاعر الأغزر؛ فضولنا الذي ملأ حياتنا حبًّا. قيل إن الرجلين كانا يتناكفان دائمًا بمحبة، كما سمعتها ممن نقلها إلي: كان الأستاذ يتحدث، والفضول بقلق الشاعر يستمع، ربما لم يعجبه شيء في حديث الأستاذ، أو قد يكون استفزه بكلمة، على السيارة بادره الأستاذ: قال تعالى، رد الفضول ببديهيته المعروفة: "تعالى، قد نحنا داريين ماذا قال، ماذا قلت أنت؟".
 في هذا المقام، كلهم قالوا عن صنعاء، ولأجلها ماذا فعلوا! إذ لا يكفي التغني بـ"صنعاء حوت كل فن"، وهي تتعرض كل لحظة للتشويه.
كثيرون يرددونها نكاية بمن يدعي أن مدينته أحسن وأحلى، وهي طبيعة يمنية بالتأكيد ليس لها مثيل في العالم، لكن وبسبب قصر النظر تفسر بقصر النظر!
لن نأتي بجديد إذا كررنا هنا تاريخيتها، وإن من باب الظهور بمظهر العارف، لكن الدعوة لأن تعرف الأجيال اللاحقة تاريخها مسألة أهميتها قصوى، حتى لا نواصل رحلة التيه وندمر بجهلنا ما تبقى.


عندما أتحدث عن صنعاء، فأنا أتحدث عن المدينة القديمة، التاريخية التي كان السور يحتضنها، فجاء من فك الارتباط بينه وبينها من أكثر من جهة، وتركت الأجزاء المبعثرة عرضة للإهمال، وقصر السلاح خير دليل! وتخنقني الغصة وغيري، عندما أتذكر أبوابها التي أزيلت باستثناء باب اليمن، وكان بالإمكان بل من الضرورة أن تبقى شاهدة على تاريخ مدينة هي بابه التاسع الذي لم يغلق في وجه أحد. أبواب ليست ثمانية كما رسخ في الأذهان، بل إننا وفي عيد ثورة سبتمبر عام 2012 أظهرت عدسة "الثورة" الصحيفة الباب التاسع شرق قصر السلاح، الذي منه كانت تدخل قوافل الحبوب القادمة من الشرق.
لا حاجة بنا لأن نظل طوال الوقت نحلف أغلظ الأيمان بأننا نحبها، وبأنها حق اليمنيين كلهم، وبأنها "قبلتكم وانتم ماشي"، الحاجة الماسة التي نحن بصددها: كيف ننقذ ما يمكن إنقاذه؟ فصنعاء يجري تشويهها على قدم وساق، والتشويه يجري بيد الإنسان الذي يفترض أنه أكثر حرصًا عليها، وغياب الدور المفترض لجهاز رسمي هو غائب، كما هي الرؤية غائبة، كما هي الدولة هائمة في اللاشيء.
عبد الرحمن الحداد، الرجل الذي حنّ على صنعاء، وعبدالعزيز عبدالغني يحسب له أنه كان وراء الحدّاد في تحسين وجهها، رصف الشوارع، تجديد السماسر، وسُبُل الماء، ومصارف المياه، والمقاشم، ومنارات المساجد، وتجديد خشب النوافذ، والأبواب الجميلة التي اندثرت معالمها بسبب الإهمال الشخصي وغياب الوعي بجمالية مكونات المدينة.


المدينة كالمرأة، فالمرأة التي تعرف كيف تتزين وتلبس، تظهر جمالها الإضافي للعيان، وهناك امرأة جميلة تشوه نفسها لجهلها، وهنا مدينة لم تحظَ بفنان قدير يكمل زينتها، ودولة لم تعر المدينة الجوهرة اهتمامًا استثنائيًّا هو من حقها


 جرى لاحقًا تغيير خشب النوافذ بالألمنيوم، والأبواب بالحديد، ما أدى إلى مسخ كثير من البيوت، وعمل الناس لوحدهم، مع غياب من يمنعهم، على استحداث طوابق جديدة، وأسوار من "البُلُك" (الطوب الخرساني) الذي شوه البلاد كلها، حتى البيوت في الأرياف، والتي ظل الإنسان اليمني يبنيها بالأحجار.
البيت الصنعاني جرى لاحقًا إهماله وتشويهه، فقد ظل وحدة متكاملة من الجمال والبعد الثقافي وتوافر فيه البعد الأمني والجمالي من الباب حتى الطيرمانة.


المدينة كالمرأة، فالمرأة التي تعرف كيف تتزين وتلبس، تظهر جمالها الإضافي للعيان، وهناك امرأة جميلة تشوه نفسها لجهلها، وهنا مدينة لم تحظَ بفنان قدير يكمل زينتها، ودولة -إذا صح التعبير- لم تعر المدينة الجوهرة اهتمامًا استثنائيًّا هو من حقها، ولن أنسى ما حييت ما تابعته، فصلًا يليق بجهلنا، سمعت تلك الألمانية وهي تصرخ في وجه مسؤول كبير يفترض أنه يحافظ على ديمومة صنعاء القديمة، قالت له: "أنتم لا تستحقون هذه المدينة". برغم أنني ذهبت في غرض معين، فقد انسحبت من هيئة الحفاظ على المدن التاريخية، فقد أحسست أنها وبحب صفعتنا جميعًا من الباب حتى الطيرمانة المهملة! وعلى ذكر ألمانيا فقد قدمت مساعدات للحفاظ على المدينة كالسيل، لا تدري إلى أي جيوب ذهبت، وفي برلين سمعت تلك النبيلة من كانت سفيرة في صنعاء، رفعت صوتها تقول لمن أمامها: "صنعاء التاريخية لوحدها توفر لليمن ليس المال، بل الذهب". هز الجميع رؤوسهم، ولما عادوا نسوا ما قالت! والألمانية الأجمل حولت ذلك البيت الصغير في "الأبهر" بجانب مقهى "النبوس" إلى آية من الجمال، ولا تدري الآن كيف حاله وبأي لغة تبكي تلك العاشقة لصنعاء. أما "كلوديا فايان" فلا يزال صوت نشيجها يصم الأذان، قالت في آخر زيارة إلى صنعاء: "رأيتهم يوم أن نهبت صنعاء يرمون الكتب حول المسجد الكبير، كنت أبكي وأصرخ: هذا تاريخكم، كان الصمم لحظتها يطغى على سمع البلاد كلها!".
لاحقًا، وأيام القاضي الأرياني، زارت صنعاء، وإليه ذهبت، لتقول له، وكانت ابنتها مرافقة لها: جئت وفي جيبي عشرون ألف دولار، وجه أمرك بتخصيص مكان لأحوله إلى متحف لصنعاء واليمن، فوجه القاضي بمبنى المتحف الوطني الذي أنشأته تلك العظيمة، ومن يومها ظل كما هو، فقيرًا! أفضل ما فعلناه حفل عرس شخصي في ساحته كان غطاءً لتهريب قطع لا تدري هل أعيدت أم لا!
د. عبدالرحمن الحداد سيظل الوحيد من عمل شيئًا؛ لأنه كان يتعامل معها بعين فنان، وانظر فمدينة جدة قديمها وإلى جديدها تحولت إلى لوحة من الجمال على يد المهندس محمد سعيد فارسي الذي أنهى تحويلها إلى لوحة جميلة، وذهب يقدم تجربته، رسالة دكتوراه في كلية الفنون الجميلة في الإسكندرية.

عندما رصفت سائلة صنعاء لم يصغِ من كان يفترض أن يصغي إلى نصائح مهندسين يمنيين إلى ضرورة استحداث حفرة بعد كل كيلومتر، لتغذية المياه الجوفية لتلك الآبار! حيث كل بيت له بئر ماء داخله


جمال الغيطاني الأديب المعروف، جاء للمشاركة في ندوة الفكر والفن والأدب في الثمانينيات، ظللت ساعات أسأل نفسي: لماذا بعد أن تنتهي الجلسات ترى الغيطاني يذهب إلى صنعاء؟ ليس الأمر بغريب، لكن الغريب ما رأيته، فقد رافقته ذات مساء، لاحظت أنه يفتح مفكرته وفي الأزقة وأمام البيوت الصنعانية يظل يكتب، لم أجرؤ على سؤاله، لكنني ذهبت ليلًا إلى الأستاذ المساح وحكيت له مستفسرًا، أوضح لي: الغيطاني يسجل معالم البيوت من قمريات وأحزمة وكل ما يلفت نظره في واجهة البيت الصنعاني وترى ذلك في رواياته، حتى إنني ضمنت حوارًا لم يتم معه سؤال عما أدهشني وفك لغزه المساح الصحفي والأديب والكاتب المعروف. أتذكر أني قلت للغيطاني عرضًا إن في كل بيت صنعاني بئرًا للمياه، فاستغرب كثيرًا، لكن الحديث دار في المطار، فأبدى أسفه لعدم قدرته على العودة. البيت الصنعاني مصمم ومبني كقلعة يستطيع ساكنها أن يعيش فيها أيامًا كثيرة معتمدًا على توفر كل ما يحتاجه كاكتفاء ذاتي.
عندما رصفت سائلة صنعاء لم يصغِ من كان يفترض أن يصغي إلى نصائح مهندسين يمنيين إلى ضرورة استحداث حفرة بعد كل كيلومتر، لتغذية المياه الجوفية لتلك الآبار! حيث كل بيت له بئر ماء داخله، صنعاء أيضًا ظلمت أو نهبت عندما قالوا يومًا إنهم سيحولون السائلة إلى بحيرة، وأتذكر أيامها أن الملك فيصل تبرع بخمسة ملايين ريال سعودي للمشروع، لنكتشف في الأخير أن دولة الفساد المتسلسلة أضاعت الخمسة والبحيرة والآبار وصنعاء!
قلنا على الدوام إن من يتولى أمرها لا بد أن يحمل في يده ريشة عوضًا عن مخدش العصيد الذي يعوث فيها ويلوث! مشكلة صنعاء أننا جميعًا من تعودنا على أن نراها ليل نهار، فلا ندرك أنها جميلة ومتميزة؛ لأن عيوننا أيضًا مصابة بالجفاف، لكن بشرًا يسكنون ويعيشون مدن البندقية أو روما أو براغ فلا يملون منها وبالمطلق، بل يكتشفون فيها كل يوم بعدًا جديدًا.
لا أدري هل ما تزال صنعاء ضمن قائمة التراث في اليونسكو؟ الذي أدريه أن واجهات المباني التي جددت بالجص لم يكن العمل فيها بالمعايير الجمالية والإنسانية التي اعتمدتها صنعاء وهي التي أسسها وبناها فنان، ولذلك انظر إلى تفاصيل ثوبها الجميل، وكيف وزعها مخططها إلى أحياء، كل حي بمسجده، وسبيل الماء، ومقشامته، وحمامه، وإن أردتم فهناك دراسة للدكتور المهندس عبدالرقيب الحمادي من كلية هندسة جامعة صنعاء، ففيها كل التفاصيل ومنشورة في العدد الثاني من مجلة "الإكليل" اليمنية التي كانت تصدر من دمشق ورأس تحريرها الأستاذ محمود صغيري، وتوليت أنا إدارة تحريرها أيام أن كان الأستاذ يحيى العرشي وزيرًا للثقافة. على واجهات البيوت سترى أثر أصابع من كان "يملّج" ولا يقطع بالآلة، ترى البعد الإنساني وآثار بيت قصعة البنائين إلى اليوم.
والآن ما هو المطلوب؟
المطلوب كثيرٌ لإعادة صنعاء إلى واجهة الجمال والتراث، أما التاريخ فلا يستطيع أحدٌ محوه من الكتب والأذهان.
ما كررته أنا كثيرًا:
- منع السيارات من الدخول.
- منع الباعة المفرشين على الأرض.
- إيقاف العبث من الكتابة على الجدران والتغيير في البناء وإضافة طوابق جديدة.
هذا الآن أقل الممكن، بينما المطلوب كثير كثير، مرهون أمره بوجود الدولة وعودة اليمن.
إن أفضل تلخيص لوضعها الآن ما قالته فتاة لوالدها، وقد جاءت من أمريكا: "جئت لأزورك وأمي، وشجن لصنعاء". قال والدها يحدثني بالأمس (الجمعة الماضية): "ذهبت إليها وعادت مصدومة من عبث ما رأت"، قالت، والحديث لوالدها: "ليتني ما شجنت عليها ولا زرتها! كل هذا العبث خلال تسع سنوات!".
خلاصة الخلاصة:
من ينقذ صنعاء من جهلنا بها؟

•••
عبدالرحمن بجاش

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English