ضحايا الرصاص الراجع في محافظة إب

“لقد أطلقوا النار ليبتهجوا بأفراح ابنائهم، فأردوا ابني قتيلاً، ونصبوا في منزلي خيمة عزاء”
هاني أحمد أبو أصبع
November 20, 2020

ضحايا الرصاص الراجع في محافظة إب

“لقد أطلقوا النار ليبتهجوا بأفراح ابنائهم، فأردوا ابني قتيلاً، ونصبوا في منزلي خيمة عزاء”
هاني أحمد أبو أصبع
November 20, 2020

تحاول محافظة إب أن تنأى بنفسها عن جحيم المواجهات المسلّحة المشتعلة منذ ما يقارب ست سنوات في اليمن، ما جعلها قبلة لآلاف النازحين من عدة محافظات يمنية. ومع ذلك وجد الموت طريقه إلى المدنيين عبر كارثة الانفلات الأمني وغياب سيادة القانون.

أحد أشباح الموت الذين يتجول بسكينة بين الأهالي في إب ويقلق هجعتهم، هو الرصاص الراجع، أي العائد من السماء مباشرة بعد خروجه من فوهة السلاح الناري، ليستقر معظم الأحيان في جسد ضحية ما ليتركه قتيلًا أو جريحًا. تتكرر هذه الحادثة في ظل غياب دور جماعة أنصار الله (الحوثيين) لإيقاف هذا النزيف المتواصل، وهم سلطة الأمر الواقع في إب والمسؤولون عن حماية المدنيين في مناطق سيطرتهم. كما أن الضحايا وأهاليهم لا يجدون ملاذًا قانونيًّا لمعرفة المنتهكين ومحاسبتهم.

كان الرصاص الراجع فيما مضى مرتبطًا بالأعراس، حيث جرت العادة أن يقوم الناس بإطلاق النار نحو السماء ابتهاجا بمراسيم الزفاف، إلى جانب الاستخدام المحدود لها في مراسيم دفن القتلى الذين يسقطون في قضايا جنائية. لكن لم يكن ضحاياها مثلما هو عليه اليوم، حيث أصبح هناك إفراط في الاستخدام، إضافة إلى استخدام جماعة أنصار الله (الحوثيين) ومناصريهم لهذه العادة أثناء مراسيم دفن مقاتليها الذين يسقطون في جبهات القتال.

خلال فترة أسابيع قليلة سجلت محافظة إب ما يزيد عن ثمانِ حالات ما بين قتل وإصابة بهذا السلاح المنفلت، معظمهم من الأطفال.

يخرج محمد يحيى عبده حسن الشعيبي كل صباح لرعي أغنامه في الوادي الواقع أسفل قريته (المسالقة)، ويعود ظهرًا إلى منزله. المسالقة إحدى قرى عزلة صهبان التابعة لمديرية السياني التي تبعد عن مركز محافظة إب حوالي 15 كيلو متر تقريبًا. تشتهر مثل معظم قرى إب بالزراعة حيث يوجد فيها وادٍ كبير يعرف باسم وادي المسالقة، وهو واد تتنوع فيه المزروعات بين الحبوب والخضروات والقات.

في صباح ريفي بديع من يوم الجمعة الموافق 10 يوليو/حزيران 2020، قاد محمد قطيع أغنامه مثل كل يوم إلى الوادي. وعند الساعة الواحدة ظهرًا، وبينما كان يتأرجح بين رغبته بالعودة للبيت وبين الانتظار لبعض الأغنام التي لم تشبع بعد، أصابت أعلى ركبته اليسرى رصاصة راجعة استقرت بين الصابونة والعظم، بعد تمزيقها اثنين من شرايينه.

تواصلت “مواطنة” هاتفيًا مع ضياء يحيى عبده حسن الشعيبي، الشقيق الأكبر لمحمد، الذي أفاد أنه ذهب بعد انتهاء صلاة الجمعة إلى الوادي لينادي على شقيقه محمد لتناول وجبة الغداء وليعيدا سوية الأغنام إلى المنزل، وفي منتصف الطريق شاهد أخاه محمولًا على كتف أحد رجال القرية.

“ظننت أنه وقع على الأرض وآذى قدمه”، قال محمد، مضيفًا:

“عندما صرت على مقربة منهما ورأيت الدم ينزف من رجل أخي ويقطر على الأرض، من الشال المربوط حول رجله، عرفت أن هنالك سببًا آخر”.

تم إسعاف محمد إلى مستوصف طيبة في منطقة شبان التابعة لمديرية جبلة، لكن المستوصف رفض استقباله، فأسعف إلى مستشفى الرجاء مديرية الظهار وأجرى له الأطباء هناك عملية لاستخراج الرصاصة وربط الشرايين التي مزقتها الرصاصة.

منذ شهر ونصف وضياء يذهب بأخيه أسبوعيًا الممنوع من الحركة، من القرية إلى مستوصف طيبة لمجارحة العملية، وتبديل الضمادات والجبس، قاطعين في كل مرة أكثر من 15 كيلومتر.

ويوضح ضياء أن الرصاصة التي أصابت أخاه أطلقت من عرس في إحدى القرى المجاورة، وأن مشائخ وأعيان قرية المسالقة كانوا قد وقعوا على وثيقة تمنع إطلاق النار في الأعراس، إلا أن ذلك لم يحل دون وقوع إصابات بالرصاص الراجع من القرى المجاورة التي ما تزال متمسكة بعادة إطلاق الرصاص ابتهاجًا في الأعراس. قبل شهر من إصابة محمد، سجلت القرية إصابة طفل يدعى ضيف الله العزي (9 سنوات) برصاصة راجعة اخترقت جانبه من الخلف وخرجت. وبفضل حسن تدابير القدر، لم تُصَب أيًا من أجهزة جسمه الحيوية.

على الرغم من أنه قد يفصل بين الضحية ومأساتها لحظة أو خطوة، إلا إن الكارثة النازلة لا يمكن أن نعزيها لساعة النحس أو لسوء حظ الضحية، فهناك متسبب مستهتر خلف كل مأساة.

زينب عبده سالم الزبيدي (14 سنة)، بائعة “لحوح” في شارع مستشفى الثورة العام بمدينة إب. قبل أربعة أشهر اضطر والد زينب إلى نقل عائلته من الجراحي في محافظة الحديدة إلى إب حيث يعمل فيها بائعًا للخضار ليوفر على نفسه عناء التنقل بين المحافظتين، ويستفيد من مبلغ المواصلات في توفير بعض المواد المعيشية لعائلته.

لم يحد هذا الأمر متاعبه المالية، بل على العكس فاقمها جراء تدهور سعر الريال وما صاحبه من ارتفاع في الأسعار خصوصا أسعار إيجار العقارات، فاضطر تحت إلحاح الحاجة للموافقة على مقترح زينب في مساعدته. ومن هنا بدأ الفصل الأكثر إيلامًا من مأساة زينب وعائلتها.

كل يوم كانت زينب تغادر منزل والدها في 7:00 صباحا، حاملة على رأسها طبقًا مملوءًا بـ”اللحوح” وتعود في الساعة 2:00 بعد الظهر، وما بين توقيت خروجها من المنزل وعودتها إليه قصة كد وكدح وصبر تكتبه الطفلة زينب كل يوم، بالجسارة نفسها والإصرار الذي لا توهنه سماء عاصفة ولا مشمسة لمساعدة عائلتها كي تعيش حياة كريمة.

كان يوم الاثنين الموافق 27 يوليو/حزيران عندما غادرت زينب المنزل في ذات التوقيت الذي تغادر به كل يوم 2020، وحلة “اللحوح”، مثل كل يوم، متموضعة بثبات على رأسها، كما لو كانت عضوًا في جسدها. مشت زينب بثبات من منزلها المكوَّن من غرفتين والكائن في حي شارع الثلاثين إلى أمام مستشفى الثورة. افترشت بائعة “اللحوح”، كما يسميها زبائنها، الرصيف المحاذي لبوابة هيئة مستشفى الثورة العام في مديرية الظهار بمدينة إب لبيع خبز “اللحوح” الذي تعدّه والدتها.

لم تكن زينب على علم أن حياتها ستتغير بعد بضع ساعات من جلوسها على الرصيف، وأنها ستتحول من معين لعائلتها إلى عبء لا يثقل كاهلهم فقط، بل ويدمي قلوبهم. ففي الساعة 1:15 مساء من ذلك اليوم المشؤوم، سقطت زينب على الأرض فجأة بينما كانت تبيع “اللحوح” في موقعها المعتاد: رصاصة مجهولة المصدر اخترقت رأسها من الجهة اليسرى واستقرت في قاع دماغها، أوقفتها عن الحركة وأدخلتها على إثرها العناية المركزة في ذلك المستشفى الذي تعودت الوقوف أمام إحدى بواباته لبيع “اللحوح”.

ملامح ذوي ضحايا الرصاص الراجع دائمًا ما تكون متطابقة، إنها تجسيد للألم المحض؛ ألم خالص ولا نهائي يتجلى في نظراتهم الغائمة إلى أبعاد لا مرئية، مثل من يشعر بالألم ولا يستطيع أن يشخّصه، وإن شخصه لا يستطيع أن يعرف الشيء المتسبب فيه.

اتصلتُ بوالد الطفلة زينب وحددتُ موعدًا للقائه، وفي يوم الاثنين 10 أغسطس/آب الماضي، التقيته جوار مستشفى النصر الذي ترقد فيه زينب.

يقول عبده سالم الزبيدي:

“كنت في المنزل حينها. وكنا جميعا ننتظر عودة زينب لنتناول الغداء سوية كما في كل يوم عندما رنّ هاتفي، وكان المتصل صديقًا يعمل هو الآخر، إلى جانب زينب في شارع مستشفى الثورة”.

وأضاف: “أخبرني المتصل ما أن أجبت عليه بأن ابنتي زينب سقطت فجأة على الأرض، وأنها حاليًا في مستشفى الثورة، أغلقت الهاتف واتجهت مسرعًا إلى المستشفى”. وتابع: “تملّكني الخوف ما إن دخلت المستشفى، واستبدّ بي بعد أن بحثت في كل غرفة وقسم عن ابنتي دون أن أجد لها أي أثر”.

ويشرح والد الطفلة زينب بالقول: “خرجت إلى الشارع باحثًا عن الصديق الذي اتصل بي، وعندما كنت أسأل الناس عنه واستفسر عن ابنتي، أخبرتني طفلة أن هنالك طفلة أغمي عليها وهي موجودة الآن في واحدة من الصيدليات التي يكتظ بها الشارع”.

تنقل الأب المفجوع بين الصيدليات مستعلمًا عن زينب ووجدها في صيدلية لم يعد يتذكر اسمها؛ كانت فاقدة للوعي. يقول: “أخذتها إلى المنزل ظنًا مني أنه أغمي عليها بسبب الجوع أو لتعرضها لضربة شمس. لم يخطر في بالي مطلقًا أنها أصيبت برصاصة راجعة”.

يواصل: “في المنزل وبعد أن فشلنا في إيقاظها، فحصت جسمها. كان هامدًا تمامًا، لا حراك فيه، ولا ينبئ بأنها حية إلا تنفسها الضعيف وعيناها اللّتان تنظران نحوي بتعب ودون أن تفصحا عن شيء أو تستجيبا لنداءاتي وتوسلاتي بأن ترمش إن كانت تسمعني”.

كان ثمة دم يقطر من رأس زينب لكن والدها ظنه ناجمًا عن سقوطها على الأرض، وفي صباح اليوم التالي ولما لم تبدِ أي تجاوب مع والديها تزايدت مخاوفهما وتعاظمت.

يكمل والد زينب:

“أخذتها في صباح يوم الثلاثاء إلى مركز إب إسكان لأجراء كشافة محورية للرأس، فأظهرت الكشافة المقطعية وجود رصاصة في رأس ابنتي. لم يسمع أحد في المكان أو من مكان مجاور صوت إطلاق للنار، لكن الرصاصة كانت هناك، في رأس طفلتي الصغيرة”.

اخترقت الرصاصة رأس زينب من الجهة اليسرى واستقرت في قاع دماغها، وأصبحت بحاجة إلى إجراء عملية جراحية.

تم تحويل الطفلة الى مستشفى الحمد، وهناك طلبوا من والديها 400000 ريال رسوم للعملية فقط، دون تضمين ثمن الأدوية ورسوم الفحوصات والرقود. يقول الأب:

“لم أحصل في يوم ما على مبلغ كهذا. أعمل في بيع الخضار، ومبلغ كهذا يعتبر ثروة بالنسبة لي. قمت بنقل زينب إلى مستشفى الثورة العام، وظلت هناك في قسم العناية المركزة لتسعة أيام، لكن العملية لم تجرَ لها بسبب نقص في الأدوات والمستلزمات الطبية”.

بعد يومين تكفل مدير هيئة مستشفى الثورة العام بإجراء العملية لبائعة “اللحوح” مجانًا في مستشفى آخر. أجريت العملية لزينب، فاستعادت وعيها وقدرتها على الكلام، لكنها ما تزال طريحة الفراش، لأن جانبها الأيسر تعطل إلى الأبد.

وفي مساء الاثنين بُعيد مقابلتي لوالد الطفلة زينب، قرأت أثناء تصفحي للمواقع الإخبارية خبرًا يفيد بإصابة الطفلة علياء عادل محمد علي أحمد (12 سنة) برصاصة راجعة، أثناء ما كانت تلعب في سطح منزلهم الكائن في عزلة بني مدسم، مديرية ريف، محافظة إب.

تواصلت مع بعض الأصدقاء في عزلة بني مدسم للتحقق من صحة المعلومات التي أوردها الموقع الإخباري، فأكدوا لي صحة خبر إصابة الطفلة بطلق راجع، وأفادوا بأنها تعيش في منزل والدها في قرية خلبان، عزلة بني مدسم، مديرية ريف إب.

في 24 أغسطس/آب 2019، كنت قد قصدت قرية خلبان، في مهمة عمل لـ”مواطنة”، بغرض توثيق بعض الانتهاكات التي طالت أحد أطفالها.

وخلبان واحدة من قرى عزلة بني مدسم التابعة لمديرية ريف إب. وتقع أسفل جبل ميفع فوق تلة صغيرة تتوزع المنازل عليها دونما تنظيم لكن في تراص آسر. منازلها القديمة مبنية من أحجار سوداء يضمها الطين، بحيث تبدو من بعيد كما لو كانت ضربات متعاقبة من فرشاة الزمان، أما الحديث منها فمبنية من البلك والأسمنت.

في أسفل القرية ثمة مجرى لسيول الأمطار القادمة من مشورة وعدة مناطق أخرى، وهو مجرى شقته السيول لنفسها على مدى قرون، واعتمده سكان القرية كطريق وحيد يؤدي إلى قريتهم التي غادر معظم رجالها للعمل في المحافظات الجنوبية بأجر يومي، بمن فيهم والد الطفلة علياء.

حصلت على رقم عم الطفلة علياء فاتصلت به لمعرفة تفاصيل أكثر عن الواقعة، لكنه اعتذر لعدم معرفته بالتفاصيل، وأفاد أنه تم إحالة علياء من هيئة مستشفى الثورة العام في إب إلى نظيره في العاصمة صنعاء وأنها ترقد حاليا هناك برفقة والدها.

اتصلت بوالد الطفلة لأستقي منه المعلومات، عجز عن الحديث بعد دقيقتين من بدء المكالمة، فأعطى الهاتف إلى أحمد حسن عبده قاسم الواصلي، وهو أحد أبناء قرية خلبان تطوع لمرافقة علياء ووالدها الذي يعاني من إعاقة في إحدى ساقية.

تحدث أحمد بالقول:

“في مساء الثلاثاء 4 أغسطس/آب 2020، كانت الأمطار تنهمر بغزارة على القرية، فصعدت والدة علياء إلى سطح المنزل لتستفيد من مياه الأمطار في غسل ملابس أطفالها”.

فأثناء ما كانت الأم تغسل الملابس، صعدت علياء إلى جوارها على السطح للعب تحت قطرات المطر، ولم تكد تمضي بضع دقائق حتى سمعت الأم صوت ارتطام شيء ما. لم تظن وهي منهمكة في تنظيف الملابس أن بقعة دم ستوسم حياة الأسرة بأكملها إلى الأبد، وسيصعب عليهم محوها مهما قاموا بإزالتها من المكان.

لم يكن صوت الارتطام ذاك إلا صوت تصدع وكسر جمجمة طفلتها جراء رصاصة مجهولة المصدر، استكملت دورة اندفاعها لتهشم الجهة اليسرى من جمجمتها ووجهها.

سقطت علياء على الأرض مضرجة بالدم النازف من رأسها، فحملتها الأم وأسعفها الأهالي إلى هيئة مستشفى الثورة العام في محافظة إب، ومن هناك تم إحالتها إلى مستشفى الثورة في صنعاء، وهناك خضعت إلى عمليتين جراحيتين؛ الأولى في عينها اليسرى التي تسببت الرصاصة بتمزيق شبكيتها، والثانية لاستخراج الرصاصة التي أصابتها.

شرح أحمد الواصلي في معرض حديثة الظروف المادية الصعبة لوالد الطفلة وأسرتها والتي تقف حائلًا دون استكمال علياء لمراحل العلاج، حيث ما تزال في أمس الحاجة إلى إجراء عدة عمليات لترميم العين والوجه والفك.

وبحسب فريق “مواطنة” في صنعاء، تكفل أحد مقدمي الخدمات الطبية الإنسانية، بتأمين كل تكاليف العمليات والفحوصات التي أفاد الأطباء بأن الطفلة ما تزال في حاجة إليها.

وفي يوم الأحد 23 أغسطس/آب 2020 خضعت علياء إلى ثلاث عمليات جراحية في مستشفى جامعة العلوم والتكنولوجيا في صنعاء، بدأت في الساعة 11:00 صباحًا واستمرت حتى 4:00 مساءً. نقلت علياء إلى رقود قسم الجراحة يوم الثلاثاء 25 أغسطس/آب حيث قام الأطباء بنزع الشاش الذي يغطي عينها اليسرى. أعدت التواصل بأحمد، مرافق والد الطفلة، فقال:

“كنت حاضرًا عندما نزع الأطباء الشاش الذي يغطي عين علياء. نزعوه ببطء عن عينها وطمأنوها. كنت ووالدها نرى حجم الدمار الذي طال وجهها الجميل، لكننا كابدنا الحزن وابتسمنا لها”.

وتحدث أحمد عن موقف مؤلم تعرضت له الطفلة بحضوره، يقول:

“وضعت هاتفي بجوارها على الطاولة وسهوت عنه، لا أتذكر بماذا. لم تكن إلا ثوان فقط عندما دوى صراخها المتألم ونشيجها الحاد، وقد رأت في شاشة الهاتف كيف غدا وجهها بعد العملية.

لم تعد بعدها تطيق رؤية وجهها المرمم وعينها الصناعية المطفأة، وبدلًا من ذلك تقضي وقتها جزعة حزينة وتبكي.

ومع كل ذلك، لا يبدو أن هذا المسلسل الدموي الحزين، يقترب من نهايته، فأثناء جمعي لمادة هذه المدونة، شاهدت بالمصادفة مقطعًا قصيرًا من فيلم وثائقي عن الأعراس في أحد أرياف دولة نكاراجوا. في الفيلم شاهدت البهجة الحاضرة هناك في كل وجه رصدته الكاميرا، في كل شجرة وقطعة أثاث، عندها فكرت بأن أعراسنا لها مذاق الدم ورائحة الموت.

غالبا ما يكون فصل الصيف موسمًا يزخر بالأعراس في محافظة إب وعموم محافظات الجمهورية لأسباب اقتصادية أو استجمامية، إذ إن الصيف هو موسم هطول الأمطار الغزيرة التي تكسو كل الجغرافيا من جبال ووديان وأكام ببساط أخضر باهٍ، فضلًا عن عودة المياه إلى الجداول والأنهار الصغيرة التي يميل لونها للون الطين بانتصاف فصل الخريف ودخول الشتاء.

في عصر الثلاثاء 4 أغسطس/آب المنصرم، وبينما كانت القرى المجاورة لقرية ضراس التابعة لعزلة نخلان مديرية السياني، تحتفل بعرس البعض من أبنائها، كان عبد الله (7 سنوات) وشقيقه خلدون (14 سنة) يرعيان أغنامهما الثلاث في المرعى المجاور لمنزل والدهما.

كان الشقيقان يمرحان دون أن يشيحا بنظرهما عن الأغنام التي ترعى إلى جوارهما، وسقط عبد الله فجأة على الأرض المرعى المعشبة، حيث اخترقت رصاصة راجعة حجابه الحاجر، ووصلت إلى قلبه.

تدفق الدم من صدر الطفل بغزارة، لم يدري خلدون ماذا يفعل. كان عاجزًا تمامًا عن استيعاب الأمر. تسمر لثوان في مكانه، من هول الفجيعة، محدقًا بالدم الذي يندفع من صدر أخيه وينسكب على العشب، قبل أن يركض باكيًا إلى المنزل ويخبر والده.

احتضن الأب طفله فور وصوله للمرعى. تحسس الجرح ونزع الشال من على رأسه ولفه حول صدر عبد الله في محاولة لإيقاف النزيف. أسعف الطفل عبد الله منصور إلى مستشفى القاعدة العام في مدينة القاعدة مديرية ذي السفال محافظة إب، لكن الرصاصة كانت أمضى من كل محاولات إنقاذ حياته.

تواصلت مع منصور محمد أحمد راجح، والد عبد الله، بعد أيام من الحادثة للاستفسار عما جرى، فقال: “بعد إصابة عبد الله، قمت بحمله إلى مستشفى القاعدة، كان الأمل بنجاته يصاحبني طوال الطريق، لكن الأطباء أخبروني فور وصولي أن صغيري فارق الحياة قبل عشر دقائق على الأقل”.

وأضاف: “هذا قدر الله، أعرف بأن لا مرد للقدر، لكن هذا العبث يجب أن يتوقف”.

واعتبر والد الطفل الضحية أن الرصاصة التي أصابت ولده عبد الله وأنهت حياته، قادمة من إحدى القرى المجاورة التي كانت تحتفل بمناسبات زفاف أبنائها. واختتم بالقول:

“لقد أطلقوا النار ليبتهجوا بأفراح أبنائهم، فأردوا ابني قتيلًا، ونصبوا في منزلي خيمة عزاء”.

مدونة حقوقية تنشر بالتزامن مع موقع مواطنة لحقوق الإنسان

•••
هاني أحمد أبو أصبع

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English