"يا نفس ما تشتهي" عادة اليمنيين لاستقبال رمضان

تقاليد أشبه بالأعياد الدينية في صنعاء
منار صلاح
April 12, 2021

"يا نفس ما تشتهي" عادة اليمنيين لاستقبال رمضان

تقاليد أشبه بالأعياد الدينية في صنعاء
منار صلاح
April 12, 2021
Photo by: Ali Al-Sunaidar


تستعد خلود الروضي، ونساء عائلتها وبعض صديقاتها، لاستقبال شهر رمضان لهذا العام، حيث يعملن على تجهيز متطلبات رمضان من بداية شعبان، على حسب عادة أهالي الحي، يذهبن للتسوق بشكل شبه يومي، ليعدن وبحوزتهن ما استطعن شراءَهُ. تسكن خلود في أحد أحياء مدينة صنعاء التاريخية مع أسرتها التي توارثت تقاليد المدينة منذ عقود، في الأسابيع الأخيرة من شعبان يتهيَّأن لتجهيز إحدى أبرز عادات المدينة القديمة، يومٌ يسمى "يا نفس ما تشتهي"، وهي العادة الأكثر أهمية واستعدادًا لها.

تقول خلود في حديثها لـ"خيوط"، إن هذه المناسبة تعتبر إحدى أهم المناسبات الشائعة في الحي، إذ تعتبر عادة مهمة داخل كل منزل، ولها طقوس خاصة يمارسها السكان كل عام، حيث تعمل على تحسين وتوطيد العلاقات الأسرية، بالإضافة إلى أنها تتيح لمّ شمل الأسر، وهذا يعتبر من أهم مميزات "يا نفس ما تشتي".

موعد محدد

وعادةً ما يتم إحياء هذا اليوم في آخر يومٍ من شهر شعبان، إلا أن بعض الأسر، لا سيما الأسر الكبيرة، تقيمه في الأيام الأخيرة بشكل مستمر، وتحيي بعض الأسر هذا اليوم أكثر من مرة، وفي كل مرة يكون في منزل آخر، حيث يبدأ تجهيز طقوس هذا اليوم من منتصف شعبان، حسب حديث خلود.

لا تقتصر "يا نفس ما تشتي" على الأكل والشرب لدى النساء فقط، إذ كانت تعتبر في السابق مناسبة دينية أكثر مما هي اجتماعية، حيث تقدم النساء للرجال المأكولات في حجرة خاصة بهم، وتبقى النساء في الحجرة الأخرى ثم ينصرف الرجال بعد تناول الطعام إلى المساجد للذكر هناك، بينما تبقى النساء في المنزل للذكر ثم الأكل

الجدير بالذكر، أن أهالي مدينة صنعاء الأثرية ينتظرون هذا اليوم بفارغ الصبر ويرتبط هذا اليوم بشكل كبير بأشهى الأكلات المتنوعة، ويعد أيضًا مناسبة اجتماعية، يسعى من خلالها الناس للمّ شمل الأسر والأهل والأصدقاء، وتجديد الود بينهم وتصفية القلوب من الأحقاد، من أجل استقبال الشهر الكريم بقلوب صافية وخالية من كل سوء.

ويمارس هذه الطقوس الكثير من اليمنيين في صنعاء ومحافظات أخرى، خاصة المحافظات الشمالية، إلا أنها تلقى اهتمامًا كبيرًا في صنعاء القديمة، وقد أصبحت أشبه بالأعياد الدينية؛ نظرًا للاهتمام الكبير الذي يوليه السكان داخل المدينة.

طقوس المناسبة

تعمل خلود وبقية النسوة، منذ الصباح الباكر، في صناعة ألذ الأطعمة والمأكولات الشهية حتى الظهيرة، ومن ثم يبدأن في التجمع إلى أحد المنازل، وعادةً ما يكون منزل كبيرِ العائلة، يبدأ الترتيب والتجهيز حتى وقت العصر، إذ يجمعن الأطعمة والمشروبات في صالة كبيرة، وقد تم تزيينها بالأنوار وفوانيس رمضان، "ويتميز هذا اليوم بأنه يجمع جميع المأكولات اليمنية والشامية في مائدة واحدة، حتى المأكولات العربية تكون حاضرة في هذا اليوم"، بحسب خلود.

ويعد هذا اليوم أكبر تجمع للقاء الأهل، خاصة الساكنين في مناطق بعيدة أو خارج صنعاء، إلا أنه أصبح في الفترة الأخيرة من الصعب اجتماع جميع أفراد العائلة؛ بسبب الحرب التي تعصف باليمن منذ مارس/ آذار 2015، وبسبب الوضع المعيشي الذي يمر به المواطن، ما جعل العائلات مقسمة، لكنه لم يمنع خلود وعائلتها من الاحتفاء به، حد قولها، وتضيف في حديثها أنه وبصرف النظر عن كل الذي حدث، فإنهم ما يزالون يجتمعون ويحتفون به رغم كل شيء، حتى وإن بدت الفرحة باهتة نوعًا ما.

عادة قديمة 

تقول فاطمة صالح، (70 سنة)، وإحدى سكان المدينة القديمة، إن هذه العادة متواترة بين الأجيال منذ قديم الزمان، ولم يمر عليها عامًا واحدًا دون أن تحضر هذه الجلسات، وتضيف في حديثها لـ"خيوط" أن الآباء والأجداد أيضًا كانوا يحتفلون به بكل فرح وحب، وقد خلفوها لهم، وأنه ربما توارثوا هذه العادة عن الأتراك إبان حكم العثمانيين في اليمن، لتصبح شيئًا أساسيًّا في حياة الكثير من الأسر في اليمن.

لا تقتصر "يا نفس ما تشتي" على الأكل والشرب لدى النساء فقط، إذ كانت تعتبر في السابق مناسبة دينية أكثر مما هي اجتماعية؛ حيث تقدم النساء للرجال المأكولات في حجرة خاصة بهم، وتبقى النساء في الحجرة الأخرى، ثم ينصرف الرجال بعد تناول الطعام إلى المساجد للذكر هناك، بينما تبقى النساء في المنزل للذكر ثم الأكل، لكن هذه الطقوس في الفترة الأخيرة بدأت تتقلص وتحولت إلى عادة اجتماعية يقمن النساء بها في أغلب الأحيان من أجل الاجتماع والأكل والشرب ومبادلة الحديث عن كل شيء، حسب ما أدلت به فاطمة.

بالإضافة إلى أن الحرب تسببت بالعديد من الكوارث، منها عدم قدرة الأهل على التجمع في هذه المناسبة وعدم قدرة البعض على إقامتها؛ نظرًا للحالة المعيشية، ثم جاء كوفيد-19 لتتوقف هذه العادة تمامًا السنة الماضية 2020 عند معظم الأسر في صنعاء، وذلك التزامًا منهم باتباع طرق الوقاية جراء تفشي كوفيد-19، تقول أمل الوجيه لـ"خيوط"، إنهم لم يقيموا هذه المناسبة في السنة المنصرمة رغم أهميتها لدى أسرتها، وكان هذه القرار مخيبًا لهم، لكنها تبدو هذا العام أكثر فرحة وبهجة لأنهم سيقيمونها من جديد.

ورغم تقلص هذه المناسبة وعدم إقامتها في بعض الأحياء في الأعوام السابقة، إلا أن هذا العام يستعد فيه الكثيرون من أجل إحيائها من جديد وإعادتها بشكل يليق بدفئها الاجتماعي وأهميتها التاريخية والدينية، حيث تستعد الكثير من الأسر في المدينة القديمة، بتزيين المنازل من الداخل في أغلب أحياء صنعاء القديمة بشكل ملفت وغير مسبوق، استعدادًا لقدوم شهر رمضان، وتعتبر هذه الطقوس من الطقوس المهمة التي تعيد البهجة المسلوبة بسبب الحرب للكثير من الناس.


•••
منار صلاح

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English