ريمة المنسية.. جارة السماء وبستان الملائكة 3

"الحَدِيَّة".. ما يُشبه الأسطورة
زين العابدين الضبيبي
November 13, 2020

ريمة المنسية.. جارة السماء وبستان الملائكة 3

"الحَدِيَّة".. ما يُشبه الأسطورة
زين العابدين الضبيبي
November 13, 2020

   بدخولك الجعفرية من جهة بيت الفقيه، يبرز أمامك طريقان؛ الأول يقودك إلى "بني سعيد" وبني "الحرازي" و"ديور الحيم"، وهي من أجمل المناطق التي تجتمع فيها تجليات الطبيعة وصلابة الإنسان في التعامل مع ما حوله، والسيطرة عليه واستصلاحه. ومنهما تصعد إلى "كُسمة" عبر بوابتها "شعف" التي ينتابك في قمتها يقينٌ أنك وصلتَ إلى قمة الأشياء.

    أما الطريق الآخر، فهو طريق ترابي طويل في السير عليه بالسيارة أو بالأقدام، فدون إرادتك لن تتوقف عن الرقص، وكأنك لاعب سيركٍ في مسرح روماني، حيث تتناثر الحجارة من تحتك بأحجامها المختلفة، وكأنها ثمار جافة نبتت وتحجرت لغاية ما ستكتشفها بعد اجتيازها. 

     في نهاية الطريق، وأول ما تكتحل عيناك ببوابة مركز المديرية -ويا لها من بوابة تسر الناظرين- ستدرك أن تلك الصخور الصغيرة التي مررت من فوقها كانت تؤدي مهمة ضرورية، الهدف منها مساعدة الجسد من أجل الحصول على عملية الإحماء اللازمة التي يحتاجها لخوض مباراة مهمة يقف فيها وحيدًا أمام فِرقٍ لا حصر لها من الجمال الواثب والمستعد لعناق الوافدين إلى رحابه البهية دائمًا منذ خلقَ الله الأرض المكتنزة لكل هذا البهاء المبهر، بمعنى أن تلك الهزات أو الرقصات الإجبارية كانت لازمةً لتعيد إلى الحواس قدرتها على الإدراك واستيعاب ما ينتظرها في أول لحظة تلامس العين فيها عنفوان المكان الطاغي بكل ما فيه من روعة وسحر.

     في البوابة التي تظن للوهلة الأولى أنها كل شيء، حيث تسمع باسم "وادي اللواء" هذا الوادي العامر بالحياة، والذي بمقدوره أن يجبرك على التوقف رغمًا عنك، لترى وتسمع وتشم وتحس، وحيث يمكنك اختبار حواسك، وهل ما زالت بكامل طاقتها وقدرتها على الإدراك. 

     وهو ما ستتأكد منه وقد تَوزّع جسدك على المكان مفتونًا بكل ما فيه، ومنغمسًا في تفاصيله المسترسلة في تنوعها بين أشجارٍ نادرةٍ ومياهٍ جاريةٍ وأزهار تتناثر برائحةٍ عبقة وفاكهةٍ تتسرب حلاوتها إلى فمك بمجرد رؤيتها، وقبل أن يؤتى بها إليك طازجةً عذبة من يد الطبيعة إلى يدك.

     في الصعود إلى مركز المديرية عبر الوادي تحتضنك الأشجار وتصعد معك وتفتح لك نوافذَ للرؤية هنا وهناك، وكأنها تُدرك حاجتك إلى اكتشاف المكان من أعلى بما يساعدك على أخذ لقطة بانورامية كاملة تشبع تلهفك المزمن للجمال، بعد أن تشرّبتَهُ من الأسفل قطرةً قطرةً وزهرةً زهرةً، وأرشَفتَهُ في أقاصي الذاكرة والوجدان وامتلأتَ بتفاصيله الوفيرةِ والمتنوعةِ الإدهاش والصفاء.

    وقبل بلوغك مركز المديرية ستقف رغمًا عنك، متمنيًا أن تتوقف عقارب الزمن عن الجريان، لتعيش هنا بقية عمرك في رحاب الأرض المحفوفة بالهدوء وتجليات الطبيعة، وبينما أنت غارق في الشرود، تتناهبك الجهات، فحيثما يمّمتَ بصرك ثمة ما يبهر ويسر، وإذا بالدليل يخبرك أن هذا المكان الذي تقف عليه هو نفسه الذي وقف فيه الرحالة الدنماركي "نيبور" مخطوف البصر مثلك تمامًا، غير أنه طلب من الرسامين الذين رافقوه أن يرسموا تلك المناظر التي تتجلى أمامك كما تجلت أمامهم، وكأنها لوحة في متحفٍ عالمي، غير أنها هنا لوحة حية تتوفر فيها كل عناصر الإبداع الكوني المتناسق والمتشكل من أرض وحيوان وسماء وجبال، تنتصب إلى ما لا نهاية، مكسوّةً بخضرة صامتةٍ تقول كل شيء وتهبكَ فوق ما تتمنى من الإبهار والصفاء، فإذا بك تغوص لتتخيل "نيبور" وهو يصرخ في رساميه قائلًا لهم: استعدوا أيها الرفاق فلن تجدوا مكانًا أجمل من هذا، فيهزون رؤوسهم دون التفات إليه وقد نصبوا لوحاتهم وحمل كل واحد منهم ريشته، مهيئًا اللون والعين والروح التي ترتشف من نبع الطبيعة دون وسيط، وهي تحاول أن تحاكيه بالألوان، غير أنها محاكاة غير مجدية تتغلب فيها الطبيعة على عبقرية الفن وتفوز في النهاية كما ينبغي لها، وتلك سُنتها وقانونها الذي يعجز الإنسان عن اختراقه مهما فعل ومهما أطلق العنان لخياله وقدراته.  

     في هذا المكان الذي وَجَدت فيه البعثة الدنماركية غايتها تجد أنت ذاتك وكيانك، وبعيدًا عن تفاصيل الرحلة الدنماركية التي اختارت السماء لفريقها أن يختم حياته هنا باستثناء نيبور، وبعيدًا عن أهمية مركز المديرية التاريخي والتجاري كمحطة لبيع ثمار البن وتصديره والمعروفة باسم "الحَدِيَّة"، والتي ورد ذكرها في الكتاب الشهير "من كوبنهاجن إلى صنعاء" وغيره.

    ما يلفت الانتباه هو أنها -أي "الحدية"- المكان الوحيد ربما في ريمة الذي يشبه في بعض ملامحه المدن من حيث الكثافة السكانية وتشابه بعض المباني التي تقع بالقرب من الطريق العام المرصوف بالأحجار مع نظيراتها في المدن، وهو وإن كان شبهًا صغيرًا إلَّا أنه يجبرك على التنبه إليه، وكأنه برهان على سعي الإنسان في هذه البلاد إلى استلهام المدينة ومحاولاته لمجاراتها، وهو ما لم يتحقق له إلى يومنا هذا.

     بتجوالك في "الحَدِيَّة" ستحار، فلا تدري أأنت في قرية تشبه المدينة أم في مدينةٍ في ثياب قريةٍ؟ غير أنك ستتجاهل السؤال كما تجاهلت أسئلة كثيرة تعرف إجابتها ويعرفها الجميع.

عندما ترى "الحدية" من الأعلى، يقودك نظرك إلى سبب تسميتها بذلك، إذ تبدو على شكل حدوةٍ كبيرة لحصانٍ، وكأنها تشكلت في زمن بعيد إثر عبور حصان أسطوري ضرب بحدوته الأرض فجاء الناس لمشاهدتها بعد أن رحل

     وهنا تعود إلى التشبع والهيام في تفاصيل المكان وأنت تجتاز شوارعها الضيقة جدًّا، التي تسمى مجازًا بذلك لمرور السيارات عبرها صعودًا نحو قمم الجبال، وهم يدفعون أغصان الأشجار التي تصر على مصافحتهم مرحبةً بهم رغم تذمرهم لفرط مرورهم بها من اقتحامها لنوافذ سياراتهم المفتوحة أثناء مرورهم منها.

     هذه الشوارع الضيقة التي تقترب في تكوينها من الأزقة والممرات التي تتشكل بفعل حركة المرور عليها ذهابًا وإيابًا، تحيل التذمر الذي يَشعر به من يمرون بها كل يومٍ إلى دهشة جامحة تستولي على من يطأها للمرة الأولى، إذ يحس أنه يعبر طريقًا ملكيًّا أعدّ خصيصًا لاستقباله، مزينًا بالورود والأزهار الملونة، فما عليه إلا أن يثقل الخُطَا ويعيش اللحظة، فلن يعيش مثلها مرتين. 

     وبالانتهاء من ذلك المرور الملكي المهيب، ستجد نفسك وقد صعدت إلى تلةٍ مرتفعة بعض الشيء، تطل من خلالها على "الحَدِيَّة" وتراها من الأعلى، وهو ما سيقودك إلى سبب تسميتها بذلك، إذ تبدو على شكل حدوةٍ كبيرة لحصانٍ، وكأنها تشكلت في زمن بعيد إثر عبور حصان أسطوري ضرب بحدوته الأرض فجاء الناس لمشاهدتها بعد أن رحل، بدافع الفضول أول الأمر، ولولع الإنسان بالأسطورة، فقد فكروا بتقاسمها فيما بينهم واختار كل واحد منهم نصيبه منها، غير أنهم وجدوا صعوبةً في ذلك، فأخذ كلٌّ حصته وبنى منزله عليها، أما من وصل متأخرًا فقد بنى منزله على الجبال المحيطة بأثر الحدوة ليشاهدها من الأعلى، وكأنه يحرسها من الزوال، فكانت الحدية التي نعرفها اليوم، وهي بالفعل أشبه بأثر حدوة كبيرة في غابةٍ ترفل بالحياة، تجري من تحتها الأنهار.

     يحيطها السكان برعايتهم ويستصلحون ما أمكنهم من أراضيها ويتقاسمون خيراتها ويتناسلون في أحضانها، متوارثين شغفهم بها، الذي يكبر كلما ابتعدوا عنها، وهو مَن يعيدهم إليها مهما منحتهم المدن من عجائبها وغرائبها.

     وبعد كل هذا التطواف في جزء بسيط منها فإنك كلما صعدت أكثر، كان هناك المزيد والمزيد الذي لا ينتهي، فلكل قرية عالمها الخاص، وطابعها الفريد وعجائبها وأساطيرها وتاريخها الذي لم يُكتشف بعد.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English