القات بدلًا عن الذُّرَة في المناطق الوسطى

زحف كارثي لنبتة الكَيْف على أشهَر مزارع الغذاء في اليمن
محفوظ الشامي
August 14, 2021

القات بدلًا عن الذُّرَة في المناطق الوسطى

زحف كارثي لنبتة الكَيْف على أشهَر مزارع الغذاء في اليمن
محفوظ الشامي
August 14, 2021
Photo by: Ali Jameel - © Khuyut

يصف الحاج مسعد الأشرف (70 سنة)، وضع الزراعة أيام شبابه بحنين جارف، وهو يسرد ذكرى مواسم قطاف صنوف المحاصيل الزراعية التي كانت أسرته تحصدها كل عام من "وادي ثريد" الواقع على ضفاف مجرى السيل في "وادي بَنا" في مديرية "دَمْت" بمحافظة الضالع. محاصيل لعدة أنواع من الحبوب، كالذرة والشعير والقمح، وبعض البقوليات كالفول والفاصوليا والعدس والبازلاء.

يقول الحاج الأشرف لـ"خيوط"، إن توسّع زراعة شجرة القات على حساب المحاصيل الزراعية المتعددة ووفيرة الغذاء، نتج عنه تدهورٌ في صحة سكان المنطقة، وضعفت مناعتهم أمام الأمراض والمخاطر الصحية، خصوصًا جيل الزمن الراهن. ويضيف: "كانت تلك المحاصيل الزراعية تملأ البيوت، فيعود أثرها الغذائي قوة في أجسادنا وبديهة في عقولنا. أما اليوم، أصبحت الوديان كلها مزروعة بشجرة بالقات، وهو ما حرمنا فوائد الحبوب والبقوليات، وحرم المواشي من الأعلاف"، الأمر الذي انعكس كذلك سلبًا على نمو الثروة الحيوانية، بحسب حديث الأشرف.

نتيجة لخصوبة التربة ووفرة المياه وللعائد المادي الوفير، فإن مناطق واسعة في محافظتي البيضاء والضالع، منها "مُرِيس" و"جُبَن" و"دَمْت" في الضالع، ورداع في البيضاء، تحولت هذه المناطق إلى مزارع لشجرة القات التي تواصل زحفها على حساب زراعة المحاصيل النقدية بشكل شبه كلي. وبحسب علي محسن الصيادي، موظف بمكتب الزراعة بمديرية "دَمْت"، فإن نسبة 90% على الأقل، من الأراضي الزراعية في المديرية تستخدم لزراعة شجرة القات. كما أن مساحة زراعتها تضاعفت في السنوات الأخيرة في البيضاء والضالع ومناطق واسعة في المناطق الوسطى لليمن. ووفقًا للإحصاء الزراعي، فإن زراعة القات تصدرت المرتبة الأولى ضمن قائمة إنتاج المحاصيل النقدية، حيث بلغت 152 ألفًا و748 هكتارًا في المتوسط.

تعد نبتة القات واحدة من الزراعات التي انتشرت في أرجاء البلاد؛ لما تعطي من عائد مادي سريع ودوري للمزارعين، وهي نبتة تحتوي على مادة "الكاثينون" المنشطة، وتتسبب بقائمة أمراض ومضاعفات للمتعاطين؛ منها: انعدام الشهية، وحالة النشاط الزائد، وأمراض المعدة، وتقرحات الفم، وتليّف الكبد جراء المبيدات القاتلة التي يستخدمها المزارعون لتعجيل دورة الإنتاج. وقد صنفت نبتة القات من قبل منظمة الصحة العالمية كعقار ضار من الممكن أن يتسبب في حالة خفيفة أو متوسطة من الإدمان.

في واحد من الأقوال الجديرة بالتأمل والوقوف، يقول علي الرداعي (45 سنة)، وهو مزارع لنبتة القات في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء: "بعد أن ترك المزارعون زراعة المحاصيل الغذائية والنقدية، ذهبت الرغبة التي كانت تملأ النفس في زيارة الحقول، وتلاشى المدلول الروحي الذي لطالما ربط الإنسان بالأرض". يضيف الرداعي، في حديثه لـ"خيوط": "أصبح المزارع الآن يتعامل مع التربة بشكل مادي، منتظرًا محصول القات كل شهر أو شهرين".

تفضي الحرب الدائرة في محافظتي الضالع والبيضاء بين قوات الحكومة المعترف بها دوليًّا وقوات سلطة أنصار الله (الحوثيين)، إلى معاناة ترهق المزارعين وتجعلهم يتخلّون عن زراعة بعض المحاصيل الغذائية التي تتلف بفعل انعدام المياه، جراء ارتفاع أسعار المشتقات النفطية من جهة، ووقوع أراضٍ زراعية على خطوط تماس الحرب من جهة أخرى؛ وهو الأمر الذي يجعلهم يفضلون استبدال تلك المحاصيل بزراعة نبتة القات التي تتحمل ظروف غياب الماء لفترة أطول، وتدر مالًا أوفر، وكأن الحرب تزف البشرى لانتشار نبتة القات التي لطالما تعددت أضرارها الصحية والبيئة والمائية. 

ما بين ندرة الأصوات المحذرة من انتشار شجرة القات وبين غياب الدور الرسمي الذي يفترض أن يحذر من استهلاك القات الجائر للمياه، تتفاقم رغبة المزارع في البيضاء والضالع، بتكثيف استزراع هذه النبتة لتحقيق المكاسب المالية

في هذا السياق، تحدّث لـ"خيوط"، علي الحضرمي (30 سنة)، وهو مزارع طماطم. يقول الحضرمي: "لا توجد جهود رسمية تشجع المزارع للاهتمام بالمحاصيل الغذائية والنقدية. خسرت في رمضان الفائت (أبريل/ نيسان 2021) خلال جني الطماطم، مبلغ مليون ونصف المليون (2500$) دفعته للعناية بالشجرة حتى أثمرت، ففوجئت برخصها في السوق، حيث هبط سعر الكيلو الواحد إلى 100 ريال، بينما قد يرتفع في مواسم أخرى إلى 800 ريال". ويضيف أن من المعوقات التي تواجهه في زراعة الطماطم، غياب التخطيط والتحفيز من قبل وزارة الزراعة للمزارعين وضبط استقرار وثبات أسعار المنتجات، وكذلك عدم وجود ثلاجات مركزية تحفظها، وأن افتقار المزارع لمثل هذه الحوافز والإمكانيات، يعرضه لانتكاسات وخسائر تجعله يهرب إلى زراعة القات.

عن الدور الرسمي، تحدث لـ"خيوط"، مسعد معرب، مدير عام مكتب وزارة الزراعة بمحافظة الضالع- الجزء الواقع تحت سلطة أنصار الله (الحوثيين). يقول معرب إن زراعة القات "توسعت في الأعوام الأخيرة بشكل ملفت حتى إن بعض قرى مديريات المحافظة، خاصة "جُبَن" و"دَمْت"، صارت لا تنتج سوى القات". ويقرّ مدير عام مكتب الزراعة بغياب الدور الرسمي لوزارة الزراعة، كالإرشاد الزراعي والتوعية بخطورة زحف شجرة القات على حساب المحاصيل الغذائية والنقدية، خاصة أن زراعة القات تستهلك المياه بكثرة لريّها بالغمر، وهو ما يدفع الأهالي في بعض قرى الضالع، إلى حفر الآبار بطرق عشوائية دون وجود أية رقابة تُذكر. 

ويرى صلاح عبدالله الحقب، وهو باحث اجتماعي، في حديثه لـ"خيوط"، أن زحف شجرة القات على الأراضي الزراعية وتراجع زراعة الذرة والمحاصيل الغذائية الأخرى في عموم المناطق الوسطى، يعود لأسباب منها ندرة زراعة القات في المناطق الجنوبية من اليمن لأسباب متعلقة بالطقس. لذلك، يرجّح الحقب أن قرب المناطق الوسطى من المناطق الجنوبية، شجّع المزارعين على المزيد من استزراع القات، لوفرة السوق التي ترغب بالمزيد من الطلب. وبطبيعة الحال، فإن المزارع يبحث عن الربح، والعمل الزراعي "ليس عاطفيًّا ولا يمكن أن يكون كذلك"- بحسب الباحث الاجتماعي.

ما بين ندرة الأصوات المحذرة من انتشار شجرة القات وبين غياب الدور الرسمي الذي يفترض أن يحذر من استهلاك القات الجائر للمياه، تتفاقم رغبة المزارع في البيضاء والضالع، بتكثيف استزراع هذه النبتة لتحقيق المكاسب المالية، في وقت تنعدم فيه الرؤية التي تلخص الآثار الكارثية على المجتمع ككل، جراء توسع زراعة القات على حساب المحاصيل الزراعية والنقدية، والتي سيشكل غيابها اختلالًا في النظام الغذائي لبلد يغرق في براثن الفقر والصراع.


•••
محفوظ الشامي

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English