ماذا فعلت الحرب بعقول اليمنيين!

المرضى النفسانيون في تعز؛ ضحايا منسيون
ضيف الله الصوفي
February 3, 2021

ماذا فعلت الحرب بعقول اليمنيين!

المرضى النفسانيون في تعز؛ ضحايا منسيون
ضيف الله الصوفي
February 3, 2021

لم تفترس الحرب في تعز أجساد المقاتلين فحسب؛ بل بسطت أذرعها على نفسيات الكثير من أهالي المدينة، خصوصًا الذين عاشوا لحظات الحرب بتفاصيلها المُرعبة، الأمر الذي أدى لانتشار حالات الاكتئاب والقلق، وصولًا إلى الهذيان والاضطرابات النفسية، في أوساط مختلف شرائح المجتمع.

دفع المدنيون اليمنيون ضريبة الحرب بشكل أو بآخر، إذ ألحقت بالبعض أضرارًا مباشرة، فيما ألقت بعدد أكبر منهم إلى رصيف الفقر والجوع والتشرد، وأصبح الكثير منهم في مفترق طريقين لا ثالث لهما.

الموت جوعًا أو الانتهاء بمشافي ومصحات الأمراض النفسية والعصبية، ذلك المكان الذي ينفرُ الجميع من زيارته، ربما خوفًا من أن يتعرض الزائر فيه لأذى من أحد المرضى. لكنه أصبح وجهة لزيارة صحفية لكشف جانب مما فعلته الحرب بعقول ونفوس اليمنيين. 

المكان: مستشفى الأمراض النفسية والعصبية في "مدينة النور" الطبية، غرب مدينة تعز، الزمان: يناير/ كانون الثاني 2021؛ مرضى بوجوه شاحبة، بعضهم يتحدث مع نفسه، والبعض الآخر في حالة صمت وشرود دائمين، تبدو مهمة الاقتراب من أحدهم ومحادثته لمعرفة ما وراء حزنه مهمة غاية في الصعوبة. 

محمد ووالده الأربعيني، يقفان خلف شبك حديدي كما لو أنهما في سجن؛ وجهان شاحبان يهيمان ذهابًا وإيابًا في الحوش الخاص بهم وفي ممرات المستشفى.

"معك حبة سيجارة؟ جيب لي مئة ريال"؛ بهذه العبارة أجاب والد محمد حين سألناه عن قصته، وعن سبب دخوله وابنه المستشفى؟ تابع قائلًا: "الطيران قصف بيتي في "ثعبات" بداية الحرب، وماتت زوجتي وابنتي. تبقى ولدي الكبير هذا"، وأشار إلى محمد.

 وبنبرة حزن يضيف الرجل: "تشردنا، لا بيت معنا ولا سكن، حتى أهلنا لم يقبلونا للإقامة بينهم لأننا "مجانين". أخي أنزلني وابني إلى هنا قبل سنتين (2019)". إزاء هذا لا يملك المرء إلا أن يتساءل: هل هذا هو اليوم الذي يفر فيه المرء من أخيه؟!

لا تزال الحرب مستمرة، وتستمر معها معاناة الكثير من الناس، إذ ليس القتل والخراب والدمار كل ما حدث لسكان هذا البلد، بل أصبح ما يقارب ثلثي اليمنيين يعانون سوء التغذية أو على حافة المجاعة. هذا ما تؤكده تقارير أممية، إذ تحدثت عن أن عشرين مليون يمني يعيشون تحت خط الفقر. فيما فقد الكثير أعمالهم ووظائفهم، وتوقفت عن موظفي القطاع العام مرتباتهم، لتسود البطالة في المجتمع. هذا البؤس الاجتماعي تسبَّبَ بأمراض نفسية لا حصر لضحاياها.

ازدادت حالات المرضى النفسيين خلال سنوات الحرب عما قبلها بنسبة 30%، والعلاقة طردية بين تزايد الحالات وتدهور الوضع المعيشي

يقول أخصائيون نفسيون إن عدد حالات المرضى النفسانيين ازدادت خلال سنوات الحرب عما قبلها بنسبة 30%. ويؤكد ماجد سيف، طبيب نفسي في مستشفى الأمراض العصبية والنفسية بتعز، أن هناك حلقة وصل بين تزايد عدد المرضى وتدهور الوضع المعيشي في تعز.

وتجدر الإشارة إلى أن انعدام فرص الحياة الإنسانية الكريمة مشكلة يواجهها الكثير من أهالي تعز، إذ يولّد الفقر وضيق الحال المادي شعورًا لدى كثيرين بالاحتقار الذاتي للنفس والاكتئاب المستمر، ومن ثم فقدان القدرة على السيطرة على النفس، والانتحار أحيانًا، بحسب أطباء المستشفى.

"تخرجت من كلية الهندسة جامعة صنعاء في 2017، وعدت للقرية "صبر"، ما فيش عمل، غلقت الدنيا أبوابها بوجهي". هكذا يقول الشاب أحمد الصبري، (30 سنة).

ويضيف: "جوع وفقر وإحباط سبب لي اكتئاب، تدهورت حالتي المادية أكثر وكنت أضرب زوجتي وأولادي الاثنين حتى أمي ضربتها، ما اضطر أبي لاقتيادي إلى هنا قبل ثلاثة أشهر".

مصحة تعز 

 قصص هؤلاء المرضى تبدو كثيرة، ومؤلمة. ففي مستشفى النور يوجد 134 نزيلًا في قسم الرقود، يتوزعون في قسمين: الأول ويسمى القسم العام، وفيه 110 حالات، والآخر قسم خاص، وفيه 24 حالة، وهذا العدد من غير المرضى الذين يترددون على المستشفى لتلقي العلاج.

يستقبل مستشفى النور ما بين 10 إلى 20 حالة يوميًّا، من تعز ومن المحافظات الأخرى، مثل إب والحديدة

الفارق الوحيد بين القسمين، بحسب الدكتور عادل ملهي، مدير مستشفى الأمراض العصبية والنفسية بتعز، هو أن أهل المريض في القسم العام يدفعون مبلغ 700 ريال في اليوم، بينما يدفعون 1000 ريال إذا كان في القسم الخاص، وتسلم هذه المبالغ إلى حساب مكتب صحة تعز في البنك المركزي.

 ويستقبل مستشفى النور ما بين 10 إلى 20 حالة يوميًّا، من تعز ومن المحافظات الأخرى مثل إب والحديدة، وذلك لأنه المستشفى التخصصي الوحيد الذي لا يزال يعمل في مجاله على مستوى المحافظة والمحافظات المجاورة. كما تفيد الإحصائية الأخيرة أن المستشفى استقبل خلال الربع الأخير من سنة 2019 وحتى 2021 أكثر من 1750 حالة، جميعها مصابة بأمراض نفسية متعددة.

يحاول هذا المستشفى العمل فوق إمكانياته وسط الزيادة غير العادية في عدد المرضى؛ لكنه لم يستطع تقديم الرعاية الصحية الكاملة، نظرًا لعدم توفر الإمكانيات وشحة الدعم.

ويضيف ملهي في حديثه لـ"خيوط": "نحن نشتغل وفق ما هو متاح لنا. صحيح أننا لا نقدم الخدمة المثالية، لكن لا أستطيع أن أرد مريض من داخل المستشفى؛ لأنه قد يحصل المريض على 60% من الدعم النفسي في المستشفى أفضل من أن يرمى للتشرد في الشارع، بدون رعاية أو خدمات".

ويتابع ملهي: "غالبًا المشكلة يساهم فيها الأهل، فالأهالي لا يحضرون المريض للمستشفى لكي يتعالج، بل ليتخلصوا منه ومن العبء الذي يسببه لهم. أقصى ما نوفره للمريض، مأوى، ودفء، وغذاء أثناء فترة علاجه، وليس مسكَنًا، ولا مأوى دائم".

ويستدل ملهي بإحدى الحالات على ذلك: "هناك حالة لمريض اسمه غالب علي، له في المستشفى أكثر من سنتين. عملت له ورقة بالخروج، وتواصلنا مع الأهل عدة مرات ليأخذوا مريضهم؛ لكن تبين أنهم ينظرون للمصحة كمسؤول وحيد عن المريض، ويرمون بالمسؤولية على عاتقنا، ونحن بلا إمكانيات".

ويشير إلى أن "بعض الأهالي يتركون المريض بلا متابعة، مما يضطر إدارة المستشفى إلى تسليم المريض إلى أقرب قسم شرطة أو إلى عاقل الحارة التي يسكن أهالي المريض في نطاقها، لإيصاله إلى أسرته". مضيفًا: "لذا فالأمر بحاجة لعمل آلية مُلزمة، يجب أن يأتي المريض للعلاج والمستشفى مدعوم، وفي حال اكتملت فترة العلاج، تأتي الجهات الرسمية لتأخذه".

واقع هؤلاء المرضى يفيد بأن المستشفى يفتقر لأبسط الإمكانيات، من ملابس وتغذية وعلاج ومياه ونظافة وغيرها من الاحتياجات، حيث تُقدر الميزانية التشغيلية الشهرية التي تقدم من مكتب الصحة بتعز بـمليون و400 ألف ريال فقط.

وبحسب ملهي، فإن "الميزانية لا تكفي سوى 10 أيام من الشهر، في حين تُكلف الوجبة اليومية للمريض الواحد ألف ريال، وبالتالي نواجه عجزًا كبيرًا، أحيانًا يغطي بعض فاعلي الخير جزءًا من العجز من خلال ما تجود به أيديهم؛ لكن العجز لا يزال قائمًا".

مستشفى بلا كادر طبي

مبنى المستشفى من الخارج يوحي لك بالضخامة وكأنه مُجهز بكافة الاحتياجات والتجهيزات الطبية، لكن الحقيقة مُخالفة تمامًا؛ فهو يفتقر للكادر الطبي، حيث يعمل فيه ثلاثة من الأطباء واثنان من الممرضين، وعاملان بالتعاقد.

 كادر طبي غير متوفر، أجهزة طبية مُنعدمة، علاج غير كافٍ، تغذية ناقصة، دعم نفسي بسيط. هذا هو حال المستشفى من الداخل، وهو ما يجعله عاجزًا عن تأدية دور التطبيب والدعم النفسي للمرضى، إضافةً لخلوه من الباحثين والأخصائيين النفسيين.

المصادر الطبية تقول إن المستشفى بحاجة إلى 8 أطباء، و20 ممرضًا للعمل بشكل ثابت. حيث طالبوا الجهات الرسمية بما فيها مكتب صحة تعز؛ لكن طلبهم قوبل بعدم الاهتمام، وهذا ما جعل الإدارة تتعاقد مع أشخاص للعمل كممرضين وبرواتب زهيدة.

غياب دور المعنيين والسلطة المحلية في تعز، وغياب دور المنظمات الإنسانية في دعم الجانب النفسي بالرغم من حضورها الكبير ضاعف من معاناة المرضى النفسانيين.

على صعيد متصل يقدم مركز الرعاية النفسية القريب من المستشفى والتابع لمنظمة الأمم المتحدة للسكان بعض العلاجات للمرضى في قسم الرقود؛ لكن كثير من المرضى يشكون من القائمين على هذا المركز، حيث لا يحصلون على العلاج الضروري، بمبرر عدم امتلاكهم للكروت الخاصة بصرف العلاج.

جاءت إدارة مستشفى الثورة بمحمد قبل 17 عام من الآن، وهو فاقد العقل لا يتذكر شيئًا إثر الحادث الذي حصل له؛ لكن الغريب أن أهله لم يبحثوا عنه حتى الآن

قصة محمد الاستثنائية

لم يأتِ "محمد هادي" (إدارة المستشفى أطلقت عليه هذا الاسم) إلى هذا المستشفى بنفسه، ولم يأتِ به أهله أيضًا؛ لكن جاء به القدر بعد حادث سير أثناء قيادته للسيارة، ليكون من بعدها فاقدًا للوعي والعقل. لا أحد يعرف من يكون.

بحسب ملهي، فإن "محمد جاءت به إدارة مستشفى الثورة قبل 17 عامًا من الآن، وهو فاقد العقل لا يتذكر شيئًا إثر الحادث الذي تعرض له؛ لكن الغريب أن أهله لم يبحثوا عنه حتى الآن، ولم نتلقَ أي بلاغ بأن أهالي فقدوا أحد أبنائهم، سيبقى هذا المريض في المستشفى بقية حياته، لا مأوى له سواه".

قد ينسى بعض الأهالي مرضاهم في المستشفى على سبيل الخلاص منهم؛ لكن هناك من لا ينساهم. الحجة مريم، أو "أم المساكين" كما يسمونها، خمسينية العمر، منذ عقدين وهي تأتي مرتين في الأسبوع لزيارة المرضى وتفقّدهم.

تقول مريم: "لأكثر من 20 عامًا، أزور هؤلاء المرضى كل يومي إثنين وخميس من الأسبوع، أعتبرهم أولادي، أجيب لهم لحوح وحقين، أو خمير وخضروات، أو تمر، أو فواكه".

وتضيف: "الأهالي يرمون بأولادهم هنا ويرحلون، بلا رحمة، هؤلاء يحتاجون لرعاية أكبر من غيرهم". وبينما تمر مريم على المرضى، واحدًا تلو الآخر، وتتحدث إليهم طلبت عدم تصويرها وهي تُقدّم ما تجود به يداها.

المرضى النفسانيون في تعز أمام مشكلة مفتوحة، تتوسع دائرة معاناتهم يومًا بعد آخر، فالحرب أخذت حصتها، لتأتي الأوضاع الاقتصادية المتدهورة بعدها وتأخذ نصيبها الأكبر. هكذا هي حياتهم إذًا، إن جاز لنا تسميتها حياة، من معاناة إلى معاناة أشد مرارة وبؤسًا.

* تحرير خيوط

•••
ضيف الله الصوفي

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English