جنون غلاء الأسعار لا يزال متفشيًا

خلوّ غذاء اليمنيين من اللحوم يضاعف سوء التغذية
عمر دماج
May 29, 2021

جنون غلاء الأسعار لا يزال متفشيًا

خلوّ غذاء اليمنيين من اللحوم يضاعف سوء التغذية
عمر دماج
May 29, 2021
Photo by: Ali Jameel - ©️ Khuyut


تشهد اليمن موجة ارتفاع أسعار جنونية مستمرة ينعكس أثرها على كافة السلع الضرورية والكمالية، بما في ذلك اللحوم، التي لم يعد غالبية اليمنيين قادرين على شرائها. وفي ظل تقلص دخل الفرد بصورة مستمرة منذ بداية الحرب، تعيش هذه الأغلبية الفقيرة في وضع مأساوي تحت خط الفقر، محرومين من أبسط مقومات الحياة. وبعد أن قررت الأطراف المحلية والإقليمية الفاعلة في حرب اليمن استخدام الاقتصاد كسلاح في الحرب الدائرة حتى الآن، صار التضخم في الاقتصاد المحلي يفرغ بندقيته على حياة الأسر الفقيرة، محدثًا شللًا شبه كلي لوسائل المعيشة في اليمن. 

منذ ما قبل حلول شهر رمضان المنصرم، ارتفعت أسعار السلع الغذائية وغيرها بشكل حاد، بما فيها أسعار المشتقات النفطية، التي توفرت في كثير من محطات تعبئة البنزين في صنعاء، لكن بسعر ثابت يصل إلى 11,500 ريال للصفيحة سعة 20 لترًا، وهو سعر يساوي سعر الوقود في السوق السوداء. توفُّر المشتقات النفطية في هذه المحطات كان مفاجئًا، خاصة مع اقتراب عيد الفطر المنصرم، وذلك ما أثار تساؤلات المواطنين عن سبب الوفرة المفاجئة والانعدام المفاجئ للمشتقات النفطية، وعن الجهة التي تحدد أسعارها.

موجة ارتفاع الأسعار شملت أيضًا اللحوم التي يتناقص عدد زبائنها بصورة مستمرة؛ بسبب تهاوي القدرة الشرائية للعملة الوطنية وانخفاض معدل الدخل. وخلال مايو/ أيار الجاري، وصل سعر الكيلوجرام الواحد من اللحم البقري إلى ستة آلاف ريال، بينما وصل سعر الرأس الواحد من الثيران إلى مليون ريال (قرابة 1700$)، ووصل سعر الرأس الواحد من الغنم والضأن بين 80 إلى 150 ألف ريال (قرابة 120-250$)، وهي أسعار مرشّحة للزيادة خلال الشهرين القادمين، قبل حلول عيد الأضحى.

وموجة ارتفاع أسعار اللحوم لها عدة جوانب اقتصادية واجتماعية تفسر هذا الحدث، حيث إن زيادة الطلب على اللحوم ترتبط بالفترة من بداية شهر رمضان حتى عيد الأضحى، وتشكل لبائعي المواشي والأبقار موسم حصاد السنة، والتي تدر عليهم دخلًا مضاعفًا، مقارنة ببقية أشهر السنة، في ظل انخفاض العرض المحلي من المواشي في جميع المحافظات اليمنية، والتي قد يكون ناتجًا عن عدة أسباب؛ منها الموت المتكرر بفعل الجوع والمرض الذي يصيب المواشي ويقلص الإنتاج منها، كما تحدث محمد ناجي، أحد مربي المواشي، والذي يمتلك أكثر من 40 رأسًا من الماعز.

يسكن محمد ناجي على تخوم مدينة صنعاء، وكان من المصادفة رؤيته داخل المدينة برفقة مواشيه وزوجته، التي يبدو من ملامحها شظف الحياة وتقشفها؛ ليتساءل المارّة: ماذا تأكل المواشي على أرصفة الشوارع؟ ثم تلمح عصاه تتلمس الأشجار المتدلية من أحواش البيوت على الشوارع، حيث تتساقط أوراقها إزاء الضربات المتكررة بالعصا، لتتلقفها أفواه المواشي بشراهة.

يقول محمد ناجي لـ"خيوط"، إنه خلال كل سنة يموت أكثر من عشرين رأسًا من الماعز التي يربيها، مشيرًا إلى أن غالبية الوفيات من المواليد، ومن فئة عمر ستة أشهر. وقد تحدث أيضًا بأنه خلال موسم الشتاء المنصرم، تتزايد نفوق أغنامه، في ظل انعدام المرعى، حيث تكون المزارع والجبال قاحلة في الشتاء يملؤها العطش، وقد يعتمد في تغذية مواشيه على أوراق الأشجار التي تتحمل انعدام الماء طيلة فصل الشتاء.

كما تحدث محمد أن موت عشرين رأسًا من مواشيه كل سنة، يعد خسارة كبيرة عليه وخطرًا يهدد مصدر رزقه الوحيد. ويضيف أنه سلك كل الطرق للوصول إلى علاج يقي مواشيه من المرض وينقذها من الموت، لكنه لم يجد أية نتيجة، حيث زار المكاتب المختصة بعلاج المواشي في العاصمة صنعاء، رغم شحة وجودها، لكنه عاد يجر أذيال الخيبة قائلًا، إن كل المكاتب الزراعية والمختصين يخبرونه أن موت مواشيه بهذه الأعداد الكبيرة، هو قضاء وقدر، ولم يمنحوه أي جرعة دوائية منقذة.

بما أن اللحوم وجبة غذائية ضرورية للجسم الصحي، شهد الواقع المعاش بما فيه من تضخم في أسعار السلع، تفاقمًا في حدة الخطر الغذائي الذي يحدق بالأسر الفقيرة المحرومة من تناول الغذاء الصحي؛ لأنها غير قادرة على التنويع الغذائي

كما أن عدم قدرة مربي المواشي على شراء الأعلاف التي تعد مصدرًا مهمًّا لتغذية الحيوانات، لكونها غنية بالفيتامينات والألياف ونسبة عالية من البروتين، أحدث خللًا في موازين البنية الغذائية للمواشي، وجعلها أقل قدرة على تحمل الأمراض.

هذه الأعلاف هي الأخرى تتزايد أسعارها في ظل انكماش حضور وزارة الزارعة والري، وخفوت دورها منذ أكثر من ست سنوات، في دعم الإنتاج المحلي من الثروة الحيوانية. وقد شهدت اليمن تراجعًا وإخفاقًا كبيرًا في حجم الإنتاج خلال العقد الأخير (العقد الثاني من الألفية الثالثة)، وتخلت الوزارة عن دورها في دعم المزارعين وفي تطعيم الحيوانات ضد الأمراض وتوفير الأعلاف التي تعزز من الإنتاج الحيواني. وقد كان لبعض المنظمات الدولية، وجود فعلي على الواقع منذ تصاعد حدة الحرب الأخيرة، حيث كانت هناك مكاتب وزيارات دورية إلى الأرياف لتطعيم الحيوانات ضد الأمراض، لكن هذه المبادرة تلاشت بعد ما يقارب سنتين من عملها.

وتضخم أسعار اللحوم يعود إلى انخفاض الناتج من الثروة الحيوانية في تهامة، والتي تعد المصدر الأول في تغذية الأسواق المحلية من الثروة الحيوانية. يضاف إلى ذلك، التهريب المستمر للمواشي خارج الحدود اليمنية دون رقابة من قبل الجهات المختصة، وقد شكّل تدهور قيمة العملة المحلية فارقًا في السعر بين الأمس واليوم، وانعكس ذلك على كل السلع في السوق اليمني.

اتساع الفجوة بين النمو السكاني المتصاعد والناتج الزراعي المتضائل، بما في ذلك الثروة الحيوانية، أحدث فارقًا في حياة الفرد اليمني إلى الأسوأ بالطبع، رغم أن القطاع الزراعي والحيواني لم يتأثر بالتقلبات والعوامل الخارجية، إلا أن النمو في هذا القطاع يعد منخفضًا جدًّا، كمؤشر لكوارث اقتصادية حقيقية وانتشارًا للفقر والمجاعة.

وبما أن اللحوم وجبة غذائية ضرورية للجسم الصحي، شهد الواقع المعاش بما فيه من تضخم في أسعار السلع، تفاقمًا في حدة الخطر الغذائي الذي يحدق بالأسر الفقيرة المحرومة من تناول الغذاء الصحي؛ لأنها غير قادرة على التنويع الغذائي.


•••
عمر دماج

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English