"الطعمية" وجبة الفقراء في الحديدة

فرصة عمل لكثير من العاطلين
ياسمين الصلوي
June 7, 2021

"الطعمية" وجبة الفقراء في الحديدة

فرصة عمل لكثير من العاطلين
ياسمين الصلوي
June 7, 2021

ما إن تخرج صباحًا أو بعد الرابعة عصرًا في الحديدة، تصادفك صناديق زجاجية مكتوب عليها "سندوتشات طعمية" على أرصفة الشوارع وفي الأسواق ومداخلها وأمام المؤسسات والمحال التجارية وفي المنتزهات، حتى يتبادر للذهن أنها وجبة مفضلة وتحظى بإقبال شديد لدى سكان المدينة. وتعتبر الطعمية من الوجبات السريعة المهمة في بوفيات مدارس وجامعات الحديدة التي يفضلها الطلاب والمترددين على غيرها من الوجبات السريعة الأخرى.

"الطعمية" أو "الفلافل" عبارة عن خبز يصنع في الأفران (يسمى في المدن اليمنية رغيف أو عيش)، يتم حشوها بالبطاطس المقلي (المقرمش) والباذنجان ومشكل سلطة الخضروات والجبن والباجية (العدس بعد طحنه وعجنه وقليه)، ويرش عليها الفلافل الحارة والكاتشب والشطة.

وجبة مفضلة

قبل الرابعة عصرًا يبدأ محمد تجهيز مكونات الطعمية مع أشقائه استعدادًا لاستقبال كثير من المواطنين الذين يأتون لشراء الطعمية، الوجبة التي يفضلها أغلب سكان الحديدة عن كثير من الوجبات السريعة، والتي لا يقتصر بيعها في شهر أو مناسبة معينة؛ إنما وجبة ينشط بيعها في المدينة ومناطقها طوال أيام السنة.

يقول محمد سعيد (اسم مستعار)، إن "الطعمية" بدأت بالظهور في بوفيات مدارس وجامعات المدينة كوجبة إفطار صباحية للطلاب، إذ ساهم ذلك في رواجها وانتشارها وجعلها مرغوبة لدى الكثير من السكان ما شجع تواجدها في أغلب مناطق مدينة الحديدة.

يظل محمد وأشقاؤه الذين يعملون معه، حتى الثالثة فجرًا، ولأن المواطنين يفضلون تناول وجبة الطعمية مع العصائر الطبيعية الباردة، يقومون أيضًا بتجهيز العصائر بأنواعها إلى جانب بيع الطعمية.

يضيف محمد، أن اصطفاف الطوابير أمام عربات الطعمية في الأحياء والأسواق والشوارع والحدائق والمنتزهات في الحديدة، خصوصًا في المساء، يؤكد على أهميتها كوجبة يفضلها الكثير من السكان؛ نظرًا لسعرها الرخيص مقابل الوجبات السريعة الأخرى.

وجبة عشاء لا غنى عنها 

قبل حلول المساء في أغلب أيام الأسبوع تذهب نبيلة عبدالله (35 سنة)، إلى سوق المطارق القريب لمنزلها من أجل شراء الطعمية كوجبة عشاء لأطفالها الذين لا يستغنون عنها، إضافة إلى تكفلها بمهمة الشراء لأسرتها وبعض جيرانها.

يستمر عدد الذين يعملون في بيع "الطعمية" بالارتفاع في مدينة الحديدة، بعد أن أصبحت مصدر رزق للكثير من المواطنين، خصوصًا الشباب والعاطلين عن العمل، والذين عجزوا في الحصول على فرص مناسبة لقدراتهم وإمكانياتهم، أو الموظفين المدنيين الذين توقفت رواتبهم منذ نحو أربع سنوات بسبب الحرب الدائرة في اليمن

تتحدث نبيلة لـ"خيوط"، عن أهمية هذه الوجبة التي تعود عليها الكثير في الحديدة، خصوصًا الأطفال وصغار السن، الأمر الذي يجعلها تحرص على توفيرها لهم بشكل يومي.

توافقها الرأي عبير يحيى، وهي طالبة ثانوية، والتي تقول لـ"خيوط"، أنها تسهر للمذاكرة ومراجعة واجباتها المدرسية، إذ تعد "الطعمية" -كما تؤكد عبير- رفيق شبه يومي لها في السهر ومراجعة دروسها، والتي يذهب والدها في بعض الأحيان لشرائها في وقت متأخر من الليل، حيث في مثل هذا التوقيت لا تجد سوى وجبة الطعمية التي يرابط باعتها لساعات متأخرة من الليل.

فرصة عمل

شجع الإقبال الكبير على شراء هذه الوجبة وارتفاع الطلب عليها وسهولة صناعتها، على العمل في بيعها، خصوصًا مع فقدان الكثير لوظائفهم ورواتبهم وقلة فرص العمل، لا سيما في السنوات الأخيرة.

يقول محمد سعيد، إنه تخرج من الجامعة مع أشقائه قبل أعوام وعجزوا في الحصول على فرص عمل، خصوصًا في ظل أوضاع الحرب الراهنة؛ لذا كانت "الطعمية" ملاذهم للعمل وتوفير مصاريف أسرتهم التي تعيش في أحد أرياف محافظة تعز، حيث أدى توسع هذا المشروع في استقطاب أيادٍ عاملة أخرى إلى جانب محمد وأشقائه الثلاثة.

ويحكي محمد "لخيوط"، أن توفر العدس وانخفاض سعره خصوصًا، ساعد كثيرًا على توفير أهم مكونات هذه الوجبة. ويرى أن بيع الطعمية في المدينة أصبحت مصدر دخل للمواطنين الذين وجدوا في بيعها فرصة عمل مناسبة.

من جانبه، يعمل أحمد جابر (اسم مستعار) في بيع هذه الوجبة السريعة لإنقاذ أطفاله من الجوع كما يؤكد لـ"خيوط"، بعد تدهور حالتهم المادية نتيجة توقفه عن العمل وبقائه لفترة بدون أي مصدر دخل.

واضطر أحمد للبحث عن فكرة مشروع يوفر من خلاله مصدر دخل مناسب لمواجهة المتطلبات المعيشية لأسرته، إذ ساهمت زوجته معه في شراء الأدوات التي يحتاجها تجهيز "الطعمية"، فباعت ما بحوزتها من مجوهرات من أجل الحصول على مشروع حياة للأسرة.

أبوبكر الحمادي (22 سنة)، وهو طالب في كلية الآداب- جامعة الحديدة، يرى أن العطل الرسمية فرصة له ولصديقه للعمل وتجميع مبلغٍ معين لهما، منها مناسبات الأعياد. 

في السياق، يقول أبوبكر الحمادي (22 سنة)، إنه وصديقه يعملون في بيع الطعمية في منتزه الكورنيش على ساحل مدينة الحديدة، وذلك لتوفير مصاريفه الدراسية كطالب في جامعة الحديدة.

ويوضح أبوبكر في حديثه لـ"خيوط"، أنه من خلال عمله في الإجازات والمناسبات يكسبه مبلغًا يجعله يكتفي عن مساعدة والده والاعتماد على نفسه. وعن سبب اختياره لهذا العمل بالخصوص يقول أبوبكر، إن العمل في بيع "الطعمية" حل مشاكل كثير من الشباب في المدينة، خصوصًا أنها وجبة يفضلها معظم سكان المدينة وأغلبهم من محدودي الدخل.

مقاومة الجوع

على امتداد رصيف شارع صدام شمال المدينة، تتوزع صناديق بيع الطعمية حيث يتنافس باعتها على تقديم وجبة متنوعة وشهية، محاولًا كلٌّ منهم الاستحواذ على أكبر قدر من الزبائن، وذلك بالتفنن في تجهيزها وحشوها بالأجبان بأنواعها والبيض والفلافل الحارة.

تختلف الأسباب لكل الذين أتوا إلى هذا السوق للعمل في بيعها، بعد أن وجدوا صعوبة في الحصول على فرص عمل، إضافة إلى من يسعى إلى تحسين دخل أسرته بسبب اتساع رقعة الفقر وزيادة موجة الغلاء التي لم تعهدها الحديدة من قبل.

تقول أم تمني، وهي تعمل مع زوجها على توفير ما يحتاجه تجهيز الطعمية للبحث عن مصدر دخل أفضل بعد أن كان يعمل على دراجة نارية (وسيلة مواصلات)، إن الحرب تسببت في تدهور وضعهم المعيشي بصورة كبيرة، الأمر الذي تطلب البحث عن فرص عمل لمواجهة هذه الأعباء المعيشية.

ويستمر عدد الذين يعملون في بيع "الطعمية" بالارتفاع في مدينة الحديدة، بعد أن أصبحت مصدر رزق للكثير من المواطنين، خصوصًا الشباب والعاطلين عن العمل والذين عجزوا في الحصول على فرص مناسبة لقدراتهم وإمكانياتهم، أو الموظفين المدنيين الذين توقفت رواتبهم منذ نحو أربع سنوات بسبب الحرب الدائرة في اليمن.

أم سامي (اسم مستعار) تقول لـ"خيوط"، إن ولدها سامي استقر بعد أن جرب أكثر من عمل في بيع الطعمية، وهو ما أدى إلى تحسين دخلهم، حتى أنه استطاع شراء أرضية وتغطية تكاليف تعليم أشقائه الأربعة وتوفير كل ما تحتاجه الأسرة. تضيف أم سامي بالقول: لولا العمل في بيع الطعمية والتي أصبحت مصدر دخلنا الوحيد، لكنا وقعنا فريسة للجوع والفاقة والانهيار المعيشي.

صمود الوجبة رغم الغلاء 

تشهد مدينة الحديدة ارتفاعًا مستمرًا في أسعار المواد الغذائية، مثل كيس الدقيق الذي تجاوز 18 ألف ريال، إذ ساهم ذلك في زيادة سعر الخبز؛ أهم مكون في وجبة الطعمية وتصغير حجمه.

بينما قفز سعر جالون الزيت (20 لترًا) الذي يحتاجه الباعة في قلي بعض مكونات الطعمية من 8 آلاف ريال إلى 19 ألف ريال، ولم يكن أمام باعة الطعمية إلا رفع سعرها من 70 ريال إلى 100 ريال.

وأدى إغلاق الطرق الرئيسة جراء الحرب واستحداث طرق بديلة وعرة وطويلة، إلى ارتفاع أجور النقل، الذي انعكس على زيادة أسعار الخضروات.

ويواجه باعة الطعمية تحديًّا كبيرًا، يتمثل في انعدام الغاز المنزلي الذي يستهلكونه بكثرة لكبر حجم "الطباخات" التي تقلى بها مكونات الطعمية، والذي ينعدم في أوقات كثيرة وارتفاع سعره وبيعه في السوق السوداء. ورغم الصعاب التي يواجهها الذين يعملون في بيع الطعمية إلا أنها لا تزال حاضرة في أسواق المدينة. 

وتتميز الأسواق الشعبية في محافظة الحديدة ببيع الأكلات الشعبية التي يندر تواجدها في مدن يمنية أخرى، مثل "المخلوطة" والبطاطة الباي والكبير والبطاطة المخلوط، وغيرها من الأكلات التي تشكل مصدر دخل للكثير من الأسر التي تقاوم الفقر الذي يجتاح المدينة ويزداد تفاقمه يومًا بعد يوم، خصوصًا مع اشتداد ضراوة الحرب وويلاتها وتبعاتها التي طالت جميع شرائح المجتمع اليمني.


•••
ياسمين الصلوي

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English