عيد الفقراءِ في اليمن

أكبرُ من هَمّ وأصغرُ من وباء
عبده منصور المحمودي
July 20, 2021

عيد الفقراءِ في اليمن

أكبرُ من هَمّ وأصغرُ من وباء
عبده منصور المحمودي
July 20, 2021
Photo by: Albaraa Mansoor - © Khuyut

  يفقدُ العيد معاني السعادة في حياة الأسر اليمنية المسحوقة بالفقر والمرض، المنهكة بواقعٍ مريرٍ، تشاركت في تشكيله متغيراتٌ مختلفة ومتعددة. متغيراتٌ تنامت حدّتُها بالتداعيات المتناسلة من مستجدات الوطن الجريح، وحينما استعرت الحرب الطاحنة فيه كانت سنواتها السبع أكثر فاعلية في تشكيل هذا الواقع المثخن بالبؤس والمعاناة؛ فأفرغ كثيرًا من المناسبات المجبولة على السعادة من معانيها، وأحلّ محلّها كل نقيضٍ لإيجابية الإحالات المعهودة. وما العيد إلا واحدٌ مما كان لهيمنة الواقع الحياتي سطوةٌ في سلبه معانيه المألوفة، وحلوله متخمًا بإحالات البؤس والشقاء في حياة الفقراء. تلك الحياة التي تحتسي مرارتها أسرة المرحوم محمد عبيد (اسم مستعار حفاظًا على خصوصيته)، في واحدةٍ من القرى النائية من الريف الشرقي لمحافظة تعز، وحيث انسحقت هذه الأسرة بالذروة من وحشية المأساة، بعدما اختطف الموت عائلها الوحيد قبل أشهرٍ من قارعة الزمن هذه، التي تقترب بنا من عيد الأضحى بعجالةٍ ونزق.

    ثلاثة عقود مضت على اليوم الذي استهل فيه محمد عبيد حياته الأسرية، ذاك اليوم الذي أقام فيه عرسه المتواضع على فتاةٍ من قريةٍ لا تختلف في مستوى سكانها الاجتماعي والاقتصادي عن قريته. سارت حياته -على بساطتها- باستقرارٍ نسبي ملحوظ. مصدر التمويل لاحتياجات أسرته عائدٌ ماليٌّ بسيطٌ من محصول مزرعته الصغيرة التي استأجرها من مالكها أيام شبابه. وإلى هذا المصدر أضافت حياته الأسرية مصدرًا جديدًا، كان مجموعةً من الأغنام لا يتجاوز عددها الشاةَ الخامسة، أما نواة هذا المصدر الحيواني المحدود فقد كان الشاةَ الأم، التي منحتْها حماتُه لابنتها بعد أيامٍ قليلة من عرسهما.

    لم يكن محمد عبيد يدرك أن نقطة التحول في حياته، سوف تبدأ من تلك اللحظة التي أشفق فيها على أصهاره متشاركًا معهم الإحساس بمأساتهم، منذ اليوم الذي كان فيه معهم مصدومًا بنتائج التحاليل المخبرية التي أجريت لواحدٍ منهم. لم تهدأ حال المُصاب، ولم تُجْدِ الجرعات الكيميائية -التي لم تفته جرعةٌ منها- في الحد من استشراء المرض في خلايا جسده. ساءت صحته يومًا بعد يوم، تساقط شعره والتصق جلده بعظمه، حتى جاء اليوم الذي لفظ فيه أنفاسه الأخيرة، من جسدٍ لم يعد سوى هيكلٍ لا أمل في أن يوهب حياةً جديدة.

لم يكن يخطر على بال محمد عبيد أن لمرض صهره هذا، إمكانية الامتداد إلى حياة أسرته الصغيرة. وبعد سنةٍ واحدةٍ من وفاة صهره، انصعق بما لم يكن في حسبانه، حينما أخرستْه التحاليل المخبرية، وبشكل أشد قسوةً مما كانت عليه حاله في اليوم الذي أسفرتْ فيه التحاليل عن تشخيصٍ دقيقٍ لمرض صهره. بعد سنة واحدةٍ فقط، كانت النتيجة ذاتها، هي التشخيص الذي كشف عن ورمٍ سرطاني خبيثٍ داخل رأس ولده البكر الذي لم يبلغ بعدُ العام الـ14 من عمره. 

     منعطفٌ جديد في حياة أسرة محمد عبيد، أُنهك فيه ماليًا ومعنويًا، أبٌ فقيرٌ أجهده السفر بابنه المريض من وإلى العاصمة صنعاء بشكل دوري، وفقًا لما أقَرّه الأطباء في أحد مشافيها. بلغ الإنهاك المالي من الأب ذروته، فتعاطف معه جيرانه وأقاربه، وجمعوا له ما يكفي من النقود لمواصلة الدواء، لكن مع ذلك لم يكن مصير الولد مختلفًا عن مصير خاله. كان الموت بانتظاره وجبةً قادمة لم تتأخر عنه كثيرًا.

      سنتان اثنتان كانتا كفيلتين بتخفيف حزن الأسرة على فراق ولدها الأول، كما كانتا في الوقت نفسه، كفيلتين بأن يستعيد الموت شهيته لوجبةٍ أخرى من الأسرة ذاتها. وكعادتها كانت التحاليل المخبرية هي غراب الحزن حينما نعقت بكشفها عن إصابة ابنة محمد عبيد بما أصيب به شقيقها المرحوم، الذي كانت تصغره بسنةٍ واحدةٍ. مضت الأسرة حتى نهاية الطريق ذاته، طريق المعاناة الذي سبق وأن سلكته مع مرض الولد البكر، بما في ذلك قارعته التي احتفى الموت فيها بالتهامه الفتاة وجبةً ثانية.

     تمادى الحزن وتناسل في حياة الأسرة، ورافق هذا التمادي قلق متصاعد من هذا المصير المرعب، ومن أن يكون هو المصير الحتمي لأولادها الأربعة: ولدين وابنتين، يتفاوتون عمريًا تفاوتًا محكومًا بتدني مستوى الثقافة الإنجابية لدى الأسرة التي ليس لها أدنى معرفةٍ بآليات تنظيم الأسرة والإنجاب.

كانت الزوجة مقعدةً في زاوية من الغرفة، وفي الزاوية الأخرى يرقد زوجها، فاقدًا القدرة على الترحيب بأصهاره، موكلًا المهمّة إلى عينيه اللتين ذهبتا تتحدثان إليهم بمعانٍ دامعة

      مرّت الأيام والشهور ببطءٍ جاثم على كلّ صدر في هذه الأسرة المكلومة. لم تظهر مؤشراتٌ دالةٌ على أن أحد أفرادها سيكون وجبةً قادمة لوحش الموت، مثلما كانت عليه الحال في وفاة ولديها. ومع ذلك لم يخفت قلق الأسرة إلا بعد مرور وقتٍ كان كافيًا لإشعارها بأن هذا المرض قد اكتفى منها بما مضغه الموت من أولادها. 

    لم يكن في بال أحد منهم أن البؤس يُعِدُّ لهم مأساةً أخرى، حتى استعادت التحاليل المخبرية مهمتها في صعق الأسرة بنبأٍ سيء كان مضمونه هذه المرة مختلفًا، وأخف سلبيةً. فقد كشفت التحاليل المخبرية عن إصابة محمد عبيد نفسه بفيروس الكبد الوبائي، وكشفت عن التهابات حادة في جهازه الهضمي، مع مضاعفات مختلفة في كل جزء من أجهزة الجسم الأخرى. 

  دشّنتْ هذه المستجدات في حياة الأسرة البائسة، مرحلةً جديدة من المعاناة؛ تدشينًا لمرحلةِ إنهاكٍ ماليٍّ متوالٍ، تُحَتِّمُه احتياجاتُ الدواء باهض الثمن، ولا مناص من المداومة على تعاطيه، فذلك أقل ما يمكن اتخاذه من سبُل العناية برب الأسرة، حتى يحظى بتأجيلٍ محدود لمرحلة الانهيار في صحته. لكن، وبعد بضعة أشهر فقط، كان محمد عبيد على موعد مع جلطةٍ دماغية أقعدت شريكة حياته الفراش.

     قال الأطباء إن حال الزوجة سوف تتحسن تدريجيًا، لكن لم يظهر على حالها ما يحيل ولو على بصيص أملٍ مما جاء على لسان أطباء المخ والأعصاب. ثلاث سنوات مرت على أمل الأطباء بشفاء الزوجة، تدرج خلالها المرض في إحكام قبضته على صحة الزوج، ثلاث سنوات لم تنته إلا وصحته في وضع حرج، بعدما لم يستطع توفير ثمن دوائه ودواء الزوجة المشلولة. هكذا ألقت به شراسةُ المرض طريحًا على الفراش، في الزاوية المقابلة للزاوية التي ترقد فيها شريكة حياته المغلوبة على أمرها.

    بحسرةٍ ومرارة ينظر إليهما أولادهما الناجين من فك الموت، محاولين الاعتناء بهما، وملامح كبتهم للدموع تشي باعتذارٍ عن عدم استطاعتهم البرّ بهما وإسعافهما إلى المشفى، وعن عدم امتلاكهم من الشجاعة ما يحفزهم على طلب المساعدة من أحد. وبتواطؤٍ ورضا، اتفق معهم الوالدان في قرارهم الذي لم يكن بحاجةٍ إلى كلمات تفصح عنه، بعدما كانت معانيه واضحةً في ملامحهم وسحناتهم الحزينة.

    لم يعرفوا من الذي أوصل خبر الحال البائسة التي وصلت إليها صحة أمهم إلى أخوالهم في القرية المجاورة، لكنهم هرعوا لزيارة أختهم. حينما دلفوا غرفتها، انصدموا بقسوة المشهد، إذ لم تكن الزوجة وحدها المنهوشة بأنياب المرض. كانت مقعدةً في زاوية من الغرفة، وفي الزاوية الأخرى يرقد زوجها، فاقدًا القدرة على اجتراح جملةٍ ترحيبيةٍ بأصهاره، مستلقيًا على ظهره، موكلًا الترحيب بهم إلى عينيه اللتين ذهبتا تتحدثان إليهم بمعانٍ دامعة.

     قام الأصهار بإسعاف الزوجين معًا إلى أقرب مشفى، وأُجْريتْ لهما الفحوصات اللازمة، ومنها كانت فحوصات كورونا كوفيد19، وهناك أطَلّتْ كارثةٌ جديدةٌ وعلى لسان التحاليل المخبرية كالعادة؛ فبينما كانت نتيجةُ فحوصات الزوجة سلبيةً، جاءت نتيجة فحوصات الزوج إيجابية، وهو ما استدعى عزله وحجره صحيًا. ولم تمر سوى أيام قليلة حتى انتشى الموت باختطاف حياة محمد عبيد، ملقيًا بأسرته إلى هاوية الحزن والفاقة؛ أسرة يطحن فيها البؤس أرملةً مشلولةً وأربعة أيتام أكبرهم بعمر الـ12 وأصغرهم ثمان سنوات، أسرة لا يعني لها العيد إلا حلقةً جديدة مضافةً إلى سلسلة المعاناة النازفة، أسرة عيدها أكبر من همٍّ، وأصغرُ من وباء.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English