"اليسار اليمني ظالم أم مظلوم؟" 2-2

قراءة في كتاب الدكتور أحمد الصياد
عبدالباري طاهر
August 25, 2021

"اليسار اليمني ظالم أم مظلوم؟" 2-2

قراءة في كتاب الدكتور أحمد الصياد
عبدالباري طاهر
August 25, 2021

يدرس الدكتور الباحث والمفكر أحمد الصياد مظاهر أزمة اليسار في جوانبها المختلفة: التنظيمية، والسياسية، والأيديولوجية، مشيرًا إلى التزام فصائل اليسار منذ التأسيس "أيديولوجيةَ الطبقة العاملة"، ويرى، ومعه كل الحق، أن ذلك الالتزام لم ينعكس في الجانب العملي الذي ظل يسير في الاتجاه المعاكس. كما يرى أن المركزية الديمقراطية غائبة، مؤكدًا على غياب الحياة الديمقراطية الداخلية، وأن العلاقة في جوهرها قائمة على العلاقات الشخصية، أو الأقدمية، وأضيف: القرابة، والمناطقية. والواقع أن المركزية نفسها، وخضوع الأقلية للأكثرية، والطبيعة السرية كلها نفيٌ للديمقراطية؛ فالديمقراطية تعني فيما تعني العلنية، واحترام الرأي، سواء للفرد، أو للجماعة. فالمفكر والشاعر البريطاني جون مِلتون -صاحب "الفردوس المفقود"- يقول: "ليس من حق البشرية جمعاء إذا أجمعت على رأي واحد أن تفرضه على فرد مخالف، بالقدر الذي ليس من حق الفرد الواحد إذا ما حكم أن يفرض رأيه على البشرية".

أتذكر تجربتنا في الحزب الاشتراكي؛ إذ كانت قواعد الحزب ومنظماته تقدم آراء مكتوبة تُرفع للجنة المركزية، فيدور الخلاف في اللجنة المركزية، وتتباين الآراء؛ فَتُرحل القضايا المختلف فيها إلى المكتب السياسي المختلِف أصلًا؛ فيفوض الأمين العام، وهذا ما جرى في الطريقة التي صيغت بها دولة الوحدة، إذ كانت من هذا القبيل، والأخطر قرار الانفصال الذي وقف قيادات وقواعد الحزب ضده، ودفع الحزب والشعب اليمني ولا يزال ثمنه.

المركزية نفيٌ للديمقراطية في النظام الحزبي، كما أن السرية لخلايا ذات طبيعة عسكرية تفرضها ظروف استثنائية، ردًّا ونتيجةً، لمصادرة الحريات العامة والديمقراطية، واعتبار الحزبية خيانة وطنية عقوبتها الإعدام -كما هو حال الـ ج. ع. ي، وحظر الحزبية في الجنوب، واعتبار "الجبهة القومية"، و"التنظيم السياسي"، ومن ثم "الحزب الاشتراكي"، هو الحزب الوحيد، وتجريم أي نشاط سياسي خارجه، ومصادرة الحريات العامة والديمقراطية، وحرية الرأي والتعبير والاعتقاد- ذروة الدكتاتورية. وإنه ليستحيل توفير ديمقراطية داخل خلايا سرية، وفي مجتمع تنعدم فيه أبسط حقوق الإنسان، أو الحريات الديمقراطية.

ويدرس الصياد تجربة "الجبهة الوطنية"، والمبادئ التي تبنّتها، ودعت إليها. لم يشر الدكتور إلى الكفاح المسلح الذي فرضته طبيعة القمع الدموي الذي مارسه النظام في صنعاء، والصراع بين النظامين الشطريين، وتوجهات كل منهما لإسقاط الآخر بقوة السلاح، وفرض الوحدة بالقوة، ثم إن الصراع بين الشمال والجنوب كان يعكس صراعًا داخل كل شطر.

مذكرات المفكر الشجاع والفادي، جار الله عمر، تقدم نقدًا صادقًا لتجربة "الكفاح" المسلح، وتبيّن موقفه منها؛ حيث يتناول بالنقد أطرافها المختلفة، والأبعاد السياسية، والأضرار الناجمة عنها.

إعلان الجبهة في 11 فبراير/ شباط 1967، كان من أطرافها الموقعة "السبتمبريون"، وهو التنظيم العسكري الذي قاد انقلاب ثورة الـ26 من سبتمبر/ أيلول 1962، وكان أبرز رموزها حين ذاك صالح الأشول، وأحمد الرحومي، وهما من الموقعين، كما كان "البعث" من الموقعين، ولكن إعلان "الكفاح المسلح" لإسقاط النظام في صنعاء غيّر التوافق؛ ما دفع "السبتمبريين" و"البعث" إلى الخروج من الجبهة، وكان أول انشقاق، ثم كان في أحزاب اليسار قياديون، وفي القواعد أيضًا، وقفوا ضد "الكفاح المسلح" الذي أعلنه رئيس "الجبهة الوطنية الديمقراطية" في لبنان عقب إعلان تشكيل الجبهة، وكذلك كانت القيادة في الجنوب غير متفقة على "الكفاح المسلح"، فضلًا عن المعسكر الاشتراكي.

كان "الكفاح المسلح" يعني استمرار المواجهة بين النظامين، وتسويد وهْم إسقاط النظام في صنعاء بالقوة، وقد استفاد النظام في صنعاء من تسويد العنف، وهو سلاحه الحقيقي، وأسهم تصعيد المواجهة من تفجير الأوضاع في الجنوب (أحداث 13 يناير 1986)؛ فتمكن النظام في الشمال من ضرب اليسار وقمعه، وقمع الحياة السياسية، والتضييق على الهامش الديمقراطي المحدود أصلًا، ومكّن العنف الإسلام السياسي من الصعود، وأضعف الرموز الديمقراطية في اليسار بصورة عامة.

يقرأ الصياد عميقًا تجربة الحزب الاشتراكي، ويعتبرها من أهم القضايا الاستراتيجية المهمة التي تواجه حركات التحرر الوطني في البلدان النامية. والواقع أن قيام الحزب الطليعي في الجنوب كان موضع خلاف بين رؤيتين في رأس التنظيم السياسي؛ ففي حين كان رأس الدولة -الأمين المساعد سالم رُبيِّع علي، يرى ضرورة حزب في الجنوب، وجبهة وطنية في الشمال- كان الأمين العام عبدالفتاح إسماعيل، ومعه قيادات فصائل اليسار الخمس الموجودة بعدن مع حزب واحد، ولم يخل "التوحّد" في الجنوب من الفرض، وهو ما تشهد عليه خطابات وتصريحات الزعيم الشهيد سالم ربيع علي، وما كتبه الشهيد والأديب زكي بركات حينها، ومذكرات الفادي جار الله عمر، ولم يخل الأمر في تأسيس الاشتراكي من التجاوزات.

ينتقد د. الصياد الأوضاع القديمة بما فيها "المركزية الديمقراطية"، وهي آتية من ترسانة "البوك القديم"، شأن دكتاتورية البروليتاريا، والفهم "الستاتيكي" [الجامد] للصراع الطبقي

يدرس الدكتور تجربة اليسار والثورة، واليسار والدولة، وتجربة الوحدة، وتجديد اليسار، وقيم العصر، والموقف من القبيلة، والموقف من الحكم الرشيد، ومن العدالة الاجتماعية والمساواة، ويقف منصفًا إزاء الربيع العربي، كما يتناول الحراك الجنوبي السلمي، ويعتبره، وهو محق، سابقًا على الربيع العربي، وحقيقة الأمر، هو جزء أساس من الربيع العربي في اليمن، وقد سبقته "الهبة الحضرمية" 1995، بينما بدأ الحراك الجنوبي المطلبي والسلمي في العام 2007، وكانت تعز البداية لرفع شعار الربيع: "ارحلوا"، ولحقتها صنعاء التي سبقت أيضًا باحتجاجات أسبوعية أمام مجلس الوزراء. وقراءة الدكتور دقيقة ومتابعة واستشرافية أيضًا، ويرى أن الاحتجاجات كانت أكبر من حجم اليسار، وشارك فيها ألوان الطيف المجتمعي، واتجاهات متعددة، ولكن كان اليسار في قلبها، مشيرًا إلى مجازر السلطة وفاشيتها، ومذكرًا بغياب القوة العسكرية المؤيدة للتغيير، وأن القوى الإسلاموية والقبلية كانت مع التغيير في الحدود الدنيا. أي كانت تريد بعض الإجراءات المحدودة، وأن تحل هي محل صالح وأسرته. ويقينًا، فقد انطلق شباب الاشتراكي، والناصري، والبعث، وشخصيات إصلاحية كتوكل كرمان في صنعاء، وألفت الدبعي في تعز، ومستقلون -وهم الغالبية العظمى- في ثورة الربيع، وكان طابع العفوية والتلقائية والمبادرة من قواعد الأحزاب بعيدًا عن توجهات قياداتهم، هي الأساس. [الكاتب].

ويشير الدكتور إلى أن القوى الإقليمية والدولية كانت تعارض فكرة الثورة، وحوّلتها إلى أزمة. والواقع أن القوى الدولية بحكم حجم مصالحها، وعمق إدراكها وخبرتها، كانت تدرك أن القوى الحاكمة في المنطقة العربية غارقة في الاستبداد والفساد، ولم تعد قادرة على حماية المصالح المشتركة، أما الإقليمية، فكانت مذعورة، وتريد إبعاد المخاطر المحدقة بها، كما كانت تريد إطفاء حريق الثورة الشعبية السلمية بالتضحية بالرموز الكبيرة، والإبقاء على طبيعة النظام، وإجراء إصلاحات شكلية لا تمس جذور الفساد والاستبداد.

يتجلى فكر الصياد، وعمق رؤيته، ونفاذ بصيرته في قراءة مستقبل اليسار، ليتسع لقوى ومنظمات وعناصر تجمعها الرؤية الواحدة، والأهداف المرحلية والاستراتيجية المشتركة، وإذا كانت الرؤية الواحدة غير ممكنة، فلتكن مشتركة أيضًا. [الكاتب].

ويتوخى بناء اليسار الجديد وفق أسس وأنظمة جديدة ديمقراطية تضمن الحق في الرأي، والاجتهاد في الفكر، والمشاركة في رسم التوجه مع التمسك بوجود التنظيم الواحد، وينتقد الأوضاع القديمة بما فيها "المركزية الديمقراطية"، وهي آتية من ترسانة "البوك القديم"، شأن دكتاتورية البروليتاريا، والفهم "الستاتيكي" [الجامد] للصراع الطبقي، والمراحل الخمس ذات الجذر الأوروبي، وتقسيم المجتمع حسب الرؤية الستالينية، أو الفهم غير الصائب للوحدة العربية، والتهوين من شأنها، وكلها أفكار موروثة ومستعارة، بل هي فكرة نازية بامتياز. [الكاتب].

ويرفض دعوى الوحدة الفكرية. طبعًا لاستحالتها. [الكاتب]. ويدعو إلى المشاركة في تبني الفكرة، ومناقشتها، وتكون المحطة الأخيرة عنوان الكتاب: "اليسار ظالم أم مظلوم؟".

يؤكد الدكتور الصياد على الدور الإيجابي الذي لعبه اليسار في حشد الجماهير لنصرة ثورة سبتمبر/ أيلول 1962، وحماية الثورة والجمهورية، وتحقيق معجزة انتصار السبعين، ودورهم في بناء مؤسسات الدولة، والقمع الشنيع الذي تعرضوا له، خصوصًا في عهد صالح، ويشيد بتجربة اليسار في ثورة الـ14 من أكتوبر/ تشرين أول 1963، وما واجهته الثورة التحررية من تحديات ومخاطر. كان اليسار آنذاك رائد حلم التغيير، وقدم الشهداء، ورفع صوت اليمن عاليًّا ومختلفًا عن مجمل الأنظمة العربية، مضحيًّا لتحقيق حلم الوحدة اليمنية، مشيرًا إلى اغتيال الشهيد جار الله عمر. ويقينًا، فإن تجربة الرابع الـ14 من أكتوبر، قدّمت أنموذجًا مغايرًا ومختلفًا للحكم العربي، وحقق فيها اليسار إنجازات اقتصادية واجتماعية وثقافية زاكية، خصوصًا في التعليم، ومحو الأمية، والمساواة، وحماية السيادة والاستقلال.

إجابة الدكتور الجليل على السؤال المهم الذي طرحه، عاطفية تسير مع الاتجاه الذي انتمى إليه، وقاتل في صفوفه، وعوقب بسبب ذلكم الانتماء المشرف، ولكن تظل الإجابة بحاجة إلى إجابة؛ فاليسار في حقيقة الأمر ظالم ومظلوم: ظالم لنفسه، ولمجتمعه، وشعبه، ومظلوم في كل ما لحق به، وهو ما أشار إليه الدكتور منصفًا وصادقًا.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English