تجربة اليمن الديمقراطي

نظرة من زاوية الاقتصاد السياسي
بلال أحمد
December 3, 2020

تجربة اليمن الديمقراطي

نظرة من زاوية الاقتصاد السياسي
بلال أحمد
December 3, 2020
© عبدالرحمن الغابري

  نتوقف حائرين تحت العنوان أعلاه في انتظار أن تستقر مؤشرات أذهاننا المتأرجحة إما على نقطة نباشر منها تناول موضوعنا، أو على فكرة منهجية نقاربها من خلالها. في سنة 1968، أصدر جورج طرابيشي كتابه "النزاع السوفيتي الصيني. دراسة أيدلوجية نقدية"، مُطلقاً في أسطر مَدْخَلِه الأولى ما يشبه الصرخة: "لقد ضِعْنا وضيعونا". وتبدو لنا صرخته تلك مُفتتحاً مناسباً للوقوف على التجربة اليسارية العاصفة التي مرت بها دولة اليمن الديمقراطية الشعبية، بين نوفمبر 1967- ومايو 1990. "من المصيب ومن المخطئ؟ من الماركسي ومن اللاماركسي؟ مع من هي الحقيقة؟ في أي جانب؟" - يردف طرابيشي.

  لقد كانت تجربة مليئة بالعمل والنضال، مشحونة بأجواء الصراعات الإقليمية والدولية، وملغمة بالتناقضات الداخلية، وبعلامات استفهام كثيرة أتى نظام دولة 1994، وبشكل يبدو ممنهجاً، على القواعد المعلوماتية والبيانية التي كان بإمكانها الإجابة عليها ووضعنا على الطريق الصحيح لتقييم التجربة والاستفادة من سلبياتها وإيجابياتها على مستوى التطور الاجتماعي، واضعين في الاعتبار الظروف والشروط الموضوعية، الذاتية والتاريخية، لتقييم هكذا تجارب أُريد بها إحداث تحولات اجتماعية واقتصادية جذرية. 

  سنكتفي بالإشارة، في جملة متوسطة ننهي بها فقرتنا الافتتاحية هذه، إلى أن دولة اليمن الديمقراطي كانت على أعلى مستوى من التنظيم والبيروقراطية الإدارية، وأنَّ اختفاء دوريات ونشرات أجهزتها الرسمية التي كانت تصدر بانتظام، ككتيبات المكتب المركزي للإحصاء، وبما في ذلك تقارير اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي الحاكم، آنذاك، في مؤتمراتها السنوية، يجعلنا نرتاب بأن طمساً متعمداً لحيثيات تلك الحقبة قد جرى التواطؤ عليه بين جميع المتورطين في ثلاثية: الوحدة – الانفصال، أو الموت.

الحالة الاجتماعية والاقتصادية- حقبة الاستعمار

   لنبتدئ مقاربتنا بالوقوف على الوضعين الاقتصادي والاجتماعي عشية الاستقلال، واللذين ورثتهما الدولة الوليدة بعد مفاوضات استلام وتسليم مع سلطات الاستعمار البريطاني في جنيف اعْتُرِف بموجبها باستقلال الأرض التي حاول الاستعمار طوال 129 عاما تسميتها بالجنوب العربي. لسنا هنا بصدد الخوض كثيراً في نقطة التسمية وجذورها التاريخية والثقافية، أو التلفيقات المضحكة التي يتكلف البعض عناء الاتيان بها للالتفاف على اسم اليمن واسقاطه من أحاديثه ومقابلاته الإعلامية، كما يفعل علي سالم البيض، الذي لا يمكن له أن يفلح بالاتكاء على تاريخيه النضالي المحترم، في صناعة تاريخ نضالي مناقض. وهو رجل صادق ومباشر وواضح، علينا الإقرار بأننا عرفناه كذلك، أو هذا ما كنا نعرفه عنه حتى اليوم الذي اضطر فيه للمغادرة إلى عُمان بنهاية حرب صيف 94.

  المسألة تبدو محسومة في وثيقة الاستقلال من جانبين؛ فالدولة المحتلة، وبسبب المسؤولية القانونية الدولية، هي الطرف الذي يتحتم عليه الانسحاب بعد قيامه بتسوية مع ممثلي الشعوب المحتلة. وقد تم الاعتراف بالجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن، في مفاوضات جنيف، كممثل وحيد للشعب المحتل- هذا من ناحية. من الناحية الثانية، فالدولة التي جرى الاتفاق على استقلالها قد ذُكرت في الوثيقة باسم: جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية. وتحت طائل المسؤولية القانونية الدولية، فإنه من غير الممكن لمستعمر الموافقة على تسمية الدولة الجديدة، عند إعلانه استقلالها، بِمُسَمَّى دولة أخرى مجاورة! هل طالت هذه الجملة؟ لا بأس، سنتحسن في الاختصار مع الوقت حتى إننا قد نَصِل إلى مناطق في صراع الرفاق، لا تتبقى لنا فيها جُمَلٌ أو عباراتٍ تكون قادرة على تمثيل صدمتنا التي ستظل مُلتبسة، مع شح المعلومات وجسامة الأحداث وهول الفجائع التي رغم الإقرار بفداحتها، لا يمكننا، مع ذلك، التغافل عن التسييس السطحي الذي قامت به القوى المحافظة بغرض شيطنة الحقبة التي شهدت تلك الأحداث والمبالغة فيها لكي يصاب الناس بالرعب؛ ليس من تكرار الأحداث فقط، بل ومن التجربة نفسها.

  من النقاط الأخرى، التي تستحق الذكر، في وثيقة الاستقلال، كانت نقطة التعويضات والمساعدات التي على الحكومة البريطانية الالتزام بها. وحيث أن الوقت كان ضيقاً قبيل ساعات معدودة على موعد المؤتمر الصحفي لإعلان الاستقلال، فلم يكن ممكناً البت بالمطالب المالية التي عَبَّرَ عنها رئيس الوفد، ورئيس الدولة المستقلة قحطان الشعبي. ولصلابة المنطق التفاوضي الذي أظهره قحطان، بشهادة رئيس الوفد البريطاني، بعد ذلك، فقد عُلّق الطلب لمفاوضات تكميلية تلي إعلان الاستقلال. ونود التنويه إلى أن سياق موضوعنا ليس توثيقي أو تحليلي إحصائي، وإنما الوقوف على سير الأحداث والصراعات التي استندت عليها الأطراف والقوى على الأرض في إطار قراءة شمولية عامة. فذلك ما سمحت به المعلومات القليلة المتبقية من ذلك التاريخ "المديني" المغمور تحت رمال البداوة الآتية من شمال الشمال ودول الجوار.

   تنصلت بريطانيا من تلك الالتزامات لاحقاً، مستفيدة من دخول الدولة الوليدة في لعبة استقطابات الحرب الباردة مع المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي السابق، المعادي للإمبريالية، والمعسكر الرأسمالي الذي تُمَثّل بريطانيا قطباً فاعلاً فيه. فأثبتت بريطانيا بعد 129 سنة احتلال واستغلال، أنها تُمَثّل تجسيداً حيَّاً للنذالة.

  لقد تركت دولة مُفلسة؛ خزينة خاوية، ميناء غير قادر على لعب دوره الحيوي، كمرفأ طبيعي لتوقف البواخر والتزود بالخدمات، في ظل التوتر العسكري بين مصر وإسرائيل الذي تسبب في إغلاق قناة السويس، وأثر على نشاط وحركة ميناء عدن. مصافي بترول قديمة الطراز محدودة القدرة، لن تلبث وقتاً قبل أن تعوزها الصيانة وتنقصها قطع الغيار. لا جامعات أو كليات حكومية، ولا مصانع أو ورش. الأمية كانت عالية، وشبكة الخدمات الصحية كانت معدومة عدا في مدينة عدن، التي كان ازدهارها ظاهرياً فقط، بفضل الميناء، ولكونها كانت مركزاً تجارياً نشطاً. ذلك النشاط لا يمكن بحال الادعاء بأنه كان أصيلاً أو قابلاً للاستدامة؛ ذلك أن الحركة النشطة فيها إنما ارتبطت بالمصالح الاستعمارية، وكان واضحاً أنه بذهاب أصحابها سينهار كل ذلك الرخاء الكاذب.

كانت أسماء مهمة من سلاطين وأمراء جنوب اليمن تنحدر من مناطق تابعة لدولة الإمامة القاسمية، وقد أُرسلوا قبل نحو قرنين من ذلك الوقت، على رؤوس حملاتها للإخضاع والسيطرة، أو كعمّال للأئمة في مناطقهم التي استطاعوا لاحقاً الاستقلال بحكمها لأنفسهم وكَوَّنوا فيها إقطاعيات على مساحات مهولة من الأراضي

  أولئك الغزاة، لم يستثمروا أو يفكروا بإنشاء، ولا حتى قرية سياحية واحدة بمواصفات عالية، تجتذب سواحاً من الخارج أو يشجعوا مواطني التاج البريطاني (المدنيين) على الاستجمام خلال إجازاتهم في مدينة ساحلية كعدن تنعم بتلك الشواطئ الساحرة، وبما يجعلهم ينفقون في المدينة ولو قليلاً من الفائض المالي الضخم الذي راكموه من استغلالها؛ هي، وباقي الأرض التي احتلوا وأداروا أهم حواضرها، وكانوا يعززون في أريافها سلطات القوى الاقطاعية الرجعية من السلاطين والمشايخ الموالين لهم بالمال والعطايا والتشريفات المحددة، وفق البروتوكولات الملكية التي تُشعرهم بأنهم نبلاء، عند وصول أحدهم إلى عدن أو المغادرة منها. 

  علينا التنويه إلى أنَّنا اكتفينا هنا، باعتبارهم: فقط، موالين للاستعمار، حتى لا نتورط بإطلاق وصف آخر وإن كان مستحقاً. فالبعض منهم، لربما كان وطنياً إنما على طريقته الخاصة التي تحكمها طبيعته الطبقية ومكانته الاجتماعية. وحيث والوطنية المتفق عليها لم تعد معاييرُها التي كنا نتداولها إلى وقت قريب، موجودةً مع سيطرة تحالف القوى الإقطاعية والدينية والعسكرية شمالاً وتمددها جنوباً، فسيكون مجحفاً أن نكتفي بإسباغ صفة العمالة على السلاطين الذين صاروا من الماضي الآن، فيما نحن لا نقوم بذلك مع قوى محافظة، لا زالت فاعلة وأكثر جدارة بصفة العمالة منها.

  "ظريف" ذلك الاستعمار! لنتخيل سلاطين تلك المحميات الغربية. كانت أسماء مهمة منهم تنحدر من مناطق تابعة لدولة الإمامة القاسمية، وقد أُرسلوا قبل نحو قرنين من ذلك الوقت، على رؤوس حملاتها للإخضاع والسيطرة، أو كعمّال للأئمة في مناطقهم تلك التي استطاعوا لاحقاً الاستقلال بحكمها لأنفسهم وكَوَّنوا فيها إقطاعيات على مساحات مهولة من الأراضي التي صاروا يمتلكونها بمن عليها من أقنان وعبيد، هم وكبار الملاك الآخرين (الكولاج)، وأصابوا بِعَرَق الأُجراء وجهدهم ثراءً فاحشاً دون مسؤولية واضحة إزاء الخدمات التي عليهم تقديمها لهم ومستوى تلك الخدمات وجودتها. لقد كانوا حفاةً عراة، أجلافاً، وقساةَ القلوب، فصاروا بفضل الاستعمار نبلاء تَضرِب على شرفهم المدفعية البريطانية عدداً من الطلقات عند اقترابهم من أول صندقة متصدعة على مشارف عدن أو "مَقهاية" مهترئة في ركن ناء من ضواحيها. 

  لن ننسى التطرق إلى الإنتاج: أنماطه، وعلاقاته وملكية وسائله، التي كانت سائدة في تلك الفترة، سواء في الريف أو في عدن. وإلى السلطة وشكل الدولة، والتقسيم الطبقي السائد والموقف النضالي من الاستعمار. وسنحاول إعادة انتاج رؤيتي الجبهتين الرئيسيتين (القومية والتحرير) لشكل وإطار وطبيعة الصراع ومناقشة الاختلافات بينهما. إنما علينا، الآن، إغلاق الحديث عن مآزق الإرث الاستعماري، بالتذكير بإحدى أكثر المعضلات إحراجاً للدولة الجديدة والتي تمثلت بجيش من الموظفين الحكوميين والعسكريين والأمنيين، الذين سيكونون بحاجة إلى الرواتب التي انتقلت اعباؤها على الدولة المستقلة الجديدة معدمة الموارد.  ولربما كانت الميزة الوحيدة المستفادة من تلك الحقبة البغيضة، باعتراف الرئيس الأسبق، علي ناصر محمد، في إحدى مقابلاته الصحفية، هي النظم الإدارية والإرث التنظيمي الجيد في إدارة المنشآت والمؤسسات سواء الحكومية أو تلك الخاصة التي جرى تأميمها بعد ذلك.

الإنتاج والتقسيم الطبقي والسلطة

  كان من الجيد أن إنجاز الاستقلال قد تم لصالح جمهورية موحدة ألغت بقوة السلاح، حكم كل السلطنات والمشيخات الرجعية الاقطاعية في الريف، وأنهت المشروع المسخ الذي أرادت فيه بريطانيا تشكيل ما سُمي باتحاد الجنوب العربي. ولم يكن ذلك ليتحقق بغير الكفاح المسلح الذي أصرت عليه الجبهة القومية على خلاف وجهة نظر جبهة التحرير التي كانت تميل أكثر إلى المساعي السلمية للحصول على الاستقلال الذي كانت بريطانيا قد وعدت به، قبل أن ترحل في الـ30 من نوفمبر 1967، تحت ضربات الفدائيين، وقبل أوان الموعد الذي كانت حددته لذلك (يناير/ فبراير 1968).

  المساعي السلمية لم تكن لتحل مشكلة السلطنات والمشيخات، وكبار الملاك، المسيطرين على مساحات شاسعة من الملكية في الأرياف، حيث ينتشر معظم سكان البلاد. وفي لمحة تاريخية سريعة، كان أولئك الإقطاعيون قد طوروا مزارعهم ومحاصيلهم الزراعية، خصوصاً من القطن، ووسائل وطرق الإنتاج. وما كان ذلك ليتحقق لولا حيازتهم للأرضي الشاسعة، وجبايتهم الأموال بحكم موقعهم في السلطة، إضافةً إلى تدفق رواتب المستعمِر عليهم، فحققوا فوائض كبيرة سمحت لهم بالتصدير والإتجار، وصاروا شبه إقطاعيين وشبه رأسماليين، تتوزع مصالحهم بين الريف حيث يهيمنون، والمدينة حيث كان يزداد نفوذهم باضطراد.

  وتوصيف "شبه إقطاعيين وشبه رأسماليين" أتينا به من كتاب "كيف نفهم تجربة اليمن الجنوبي" الطبعة الأولى، أبريل 1969. وهو الكتاب الذي ألَّفته اللجنة التنظيمية للجبهة القومية المكونة من الرباعي: علي عبدالعليم، خالد عبدالعزيز، عبدالفتاح إسماعيل، وفيصل عبداللطيف، بحسب قرار أصدرته للقيام بذلك، القيادة العامة لتنظيم الجبهة القومية في أغسطس/ آب 1968، ردّاً على كتاب آخر أصدره الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، نايف حواتمة، بعنوان " أزمة الثورة في الجنوب اليمني"

  عَوَّلت جبهة التحرير كثيراً على قدرتها التفاوضية وحضورها الدولي، بحكم علاقاتها وخبرة كوادرها النقابية التي بالإمكان وصفها بعالية التأهيل، دون أن نغفل علاقاتها الممتازة مع حكومة حزب العمال البريطاني. إنما المشكلة لم تكن في المدينة بل في الريف. ولم يكن ممكناً لقيادة تنظيم كان جُل كوادره يحمل طابعاً مدنياً أن يتجاوز معضلة عدم تمثيلهم للريف، إلا بالتحالف والبرجوازية المتوسطة والكبيرة في عدن كطرف، مع شبه الإقطاع الذي تحدثنا عنه كطرف آخر. وهنا تحديداً كان المأزق النضالي لجبهة التحرير، التي مهما بدا مشروعها الوطني تحررياً قومياً، أو اشتراكياً ديمقراطياً على النمط الليبرالي، فإنها كانت تُفَرّغ نضالها من محتواه الاجتماعي بغضها الطرف عن استحقاقات الثورة في الريف، حيث كانت شُروطُها قد أنتجتها علاقات الاستغلال والتوزيع غير العادل لوسائل الإنتاج وحيازات الأراضي- حتى وإن لم يكن صغار الفلاحين والأجراء والكادحين على وعي بذلك.

  خسرت جبهة التحرير، والسلاطين والمشايخ، وكبار الملاك (الكولاج)، الريف. وذلك لأن حركة راديكالية مسلحة كالجبهة القومية تبنّت وبشكل نهائي في سنة 1965، منهج الاشتراكية العلمية وبنت عليه أيديولوجيتها، ونَصَّبت من نفسها ممثلاً لطبقة العمال والفلاحين والكادحين والبرجوازية الصغيرة، فكانت على وعي بالصراع الطبقي الذي عليه أن يدور في الريف، وحسمت الأمور مبكراً وأتمت سيطرتها عليه بين 1966-1967، بعد معاودتها الكفاح المسلح ببيان شهير تنصلت فيه صراحة من عملية الدمج القسري مع جبهة التحرير، الذي فرضته عليها في 13 يناير 1966، الأجهزة الأمنية التابعة لمصر.

الموقع الجيد لعدن جعل منها ميناءً رئيسياً لتصدير المنتجات الزراعية والحيوانية اليمنية شمالاً وجنوباً، واستيراد الحبوب والسلع الاستهلاكية، وقد استفاد من انتعاش الطلب على الخدمات والسلع في عدن، التجار الهنود والإيرانيون، وتبعاً لذلك، انتعش معهم تجار التجزئة اليمنيون

   حسناً، لنأتِ، وفي لمحة تاريخية سريعة أيضاً، على ذكر الطريقة التي تشكلت بها علاقات الإنتاج في عدن والطبقات المدنية فيها. كان الميناء محور النشاط. لنترك الصيادين والعمال والحرفيين (وهم قلة) جانباً. وبالمناسبة؛ فإن تكاثرهم في المدينة وازدياد الهجرة من الريف يعكس أمامنا، تشكّل مجتمع برجوازي كمسلّمة لا خلاف عليها.

  بحسب فيصل عبد اللطيف والآخرين في الكتاب السابق ذكره، فنشاط الميناء الرئيسي، كان العمل كمحطة لتوقف واستراحة البواخر والتزود بالوقود والتموينات الغذائية. الموقع الجيد للمدينة جعل منها ميناء تصدير حيوي للمنتجات الزراعية والحيوانية اليمنية شمالاً وجنوباً. وهي ميناء الاستيراد الرئيس أيضاً، للحبوب والمواد الاستهلاكية والسلع. وقد استفاد، ابتداءً، من انتعاش الطلب على الخدمات والسلع في عدن، التجار الهنود والإيرانيون، وتبعاً لذلك، انتعش معهم تجار التجزئة اليمنيون. الاستقرار الأمني وتوفر التشريعات القانونية بقوة سلطة الاحتلال، خصوصاً مع تحول عدن إلى الإدارة البريطانية مباشرة في 1937، شكلا عامل جذب لعودة الكثير من رؤوس الأموال المهاجرة للاستثمار في عدن. التجار من اليمن الشمالي صاروا يجدوا في عدن بيئة مناسبة للإتجار والاستقرار، وهكذا نكون أمام تشكّل طبقة من البرجوازيين الصغار؛ تجار التجزئة والمحلات الصغيرة، إضافةً إلى طبقة برجوازية "كمبرادورية" وسيطة من مواطني التاج البريطاني ومن الجاليات ومن اليمنيين أصحاب رؤوس المال الكبيرة، ودون أن ننسى طبقة "شبه الإقطاعيين- شبه الرأسماليين"، وطبقة أصغر من البرجوازية المتوسطة. وهي الطبقة التي حاولت جاهدة مزاحمة الطبقة الأكبر المتمتعة بمحاباة وحماية سلطات الاحتلال الإمبريالية، والمرتبطة بها مصالح شركاتها البريطانية الكبرى على نحو وثيق، لكونها وكيل حصري لمنتجاتها التي هي بحاجة دائمة إلى التوسع في الأسواق تلبيةً لمتطلبات التراكم الرأسمالي.

  وإذا قلنا إنَّ جبهة التحرير كانت لديها مشكلة في الريف؛ فإنَّ مشكلة الجبهة القومية كانت في المدينة، وبحمولتها الأيدولوجية (الماركسية اللينينية)، تصبح بحجم مشكلة الريف مرتين. إذ أنَّ نمط الإنتاج التجاري والخدمي في مدينة كعدن، كان يقتصر على التوزيع فقط، من دون أن يكون هناك إنتاج أو وسائل إنتاج أو استغلال بالمعنى الإنتاجي الحقيقي. وزيادة على ذلك، من دون فائض قيمة يذكر! لكأننا أمام لغز لفهم صراع ينطوي على طبيعة مركبة غير حدية وكان حلّه يستوجب خيالاً يتجاوز بكثير ما قد تسمح به حماسة شاب "ريفي" في الخامسة والعشرين من العمر، ولو كان نبيلاً كعبدالفتاح إسماعيل ورفاقه الآخرين- ومعظمهم قادمون من الريف بالمناسبة.

  سنعاود طرق نقطة الصراع المركب "المُلغز" هذه في ختام الموضوع، فتناولها هنا سيجعلنا نضع أيدينا على أخطاء التجربة الرائدة دون الاضطرار للحديث عن انقلاباتها وصراعاتها الدموية التي ذهبت بخيرة الرجال. لكن لنُجْهِز، الآن، على جبهة التحرير وتحالفاتها مع البرجوازية الكبيرة والمتوسطة ومع بعض السلاطين والكولاج. فقد خسروا آخر معاقلهم في عدن بحرب ابتدأوها للسيطرة على المدينة في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني 1967، وانتهت سريعاً بعد ثلاثة أيام فقط، بفرارهم شمالاً. كان لإعلان جيش الجنوب العربي النظامي، المُدَرَّب والمجهز بشكل جيد، بقيادة حسين عشال، تأييده للجبهة القومية، دوراً حاسماً في قبول بريطانيا أخيراً، التفاوض مع الجبهة القومية كممثل وحيد للشعب (في 21 نوفمبر/ تشرين الثاني 1967). وتسلمت الجبهة القومية السلطة بعد توقيع مذكرة الاستقلال وباشرت الخوض في نقاشات حاسمة حول الإصلاح الزراعي. أُمّمَت وصودرت أراضي السلاطين والأمراء، وجرى العمل على إعداد قانون الإصلاح الزراعي بغرض تحديد نسبة حيازة الأرض الزراعية وغير الزراعية، وتعويض المتضررين بآلية تعتمد على إقراض الكادحين وأصحاب الحيازات الصغيرة الذين أُعيد توزيع تلك الأراضي عليهم، على أن يسددوا مبالغ التعويضات لأصحابها وفق آلية ميسّرة للدفع، وظلت الدولة تدعم منتجاتهم بمرونة عالية. وقد توالى إنشاء التعاونيات الزراعية (كولوخوزات) وتعاونيات المَيْكنة الزراعية والمزارع الحكومية النموذجية (سفيخولوزات). وبغض النظر عن المردودية الاقتصادية لذلك كله، بالذات إذا أخذنا بالاعتبار أن الأراضي الزراعية لم تكن في الأساس تتجاوز نسبة الـ10% من المساحة الإجمالية، ومع مراعاة ظروف العزلة النسبية التي فُرِضَت على البلاد بسبب نهجها الاشتراكي، فإن التحول الاجتماعي كان هائلاً، خصوصاً في الريف، حيث أُنْهِيَ حكم الاقطاع وانتقلت البلاد إلى طور الدولة الوطنية على طريق وحدة الشعب الواحد شماله وجنوبه. غير أن "الكولاج" عاود حضوره مستقوياً بنظام ما بعد 1994، واجتث الدولة مرة أخرى، أسوة بريف شمال الشمال.

  من المؤسف حقاً القول، إنه ومع نزعات الانفصال التي تمزق جسد اليمن الواحد في ظل هذه الحرب التي لم تعد مفهومة، فإن العودة إلى "شمال" و"جنوب" بذات مواصفات ما قبل سنة 1990، كان ليكون مقبولاً وإن على مضض. إنه على أي حال، أفضل من يمن واحد بمواصفات الشمال. لكن الحقيقة المثيرة للفزع تكمن في أنَّ أي انفصال قادم لن يوزع اليمن إلى شمال وجنوب، شرق أو غرب، بل سَيُمَزّقه إرباً إلى: شمال 1، شمال 2، شمال 3، شمال 4 وهكذا.

استاء نائف حواتمة من تريّث قيادة الجبهة القومية في اتخاذ قرارات متطرفة تتعلق بالتأميم الفوري وتشكيل الميليشيا الشعبية وتسريح الجيش، بينما أثنى على خطوات التأميم التي قام بها فرع الجبهة في حضرموت بقيادة فيصل العطاس، حيث أمّموا سينما صيفية ومنازل وشركة مساهمة يمتلكها مواطنون

ورطة الصراع المركب واستنساخ خطوات الآخرين

  بالعودة إلى نقطة الصراع المركب، سنتم مقاربتنا النقدية للتجربة بالاقتباس من موضع آخر بنفس الكتاب الذي تحدثنا عنه، وهو سياق تبرّر فيه الجبهة القومية أهمية طريق الاشتراكية العلمية الذي تبنته. تقول في الصفحة 65، ونظن هذه المرة، بأنه فيصل عبد اللطيف تحديداً من يقول، وليس سواه، ما نصه:

 "عندما تكون أي حركة وطنية أمام هذه الطبيعة المحددة (ويقصد طبيعة الصراع الطبقي)، لابد لها من نظرية ثورية تسترشد بها، لأنه في مثل هذه الحالات التي تواجه فيها الحركة الوطنية الطريق الصعب (ويقصد الاستمرار في النضال المسلح والوصول بقضية الشعب حتى النهاية ولو من دون دعم عربي)؛ تتكون لديها ردود الفعل السريعة، نتيجة لأن شرائح منها قد تخرج إلى جانب أعداء الشعب ومن ثم فإن الجانب الآخر الذي انحاز إلى الشعب نتيجة لعدم الوضوح النظري لديه، تؤثر فيه ردود الفعل السريعة التي تجعله أحياناً ينزلق إما إلى مواقع يمينية تقوم على فلسفة التبرير أو إلى مواقع يسارية يغلب عليها مرض "اليسار الطفولي" ((طرح شعارات متخطية لطبيعة المرحلة التي تعيشها))".

  رفضت الجبهة القومية فكرة تكوين برجوازية وطنية بعد رحيل الاستعمار. استبطنت نوايا البرجوازية المتوسطة التي كانت تصارع للحصول على فرصة للعمل، وحكمت عليها بأنها عميلة للاستعمار الجديد- أمريكا! وهكذا بدت الحسبة الجدلية أكثر تعقيداً لخوض الصراع المركب، في المستويين الطبقي و"الضد إمبريالي"، والتمييز بين ما هو وطني وإقليمي وأممي، وما هو أساسي وثانوي، وعلاقة كل ذلك بشروط الصراع الطبقي الذي خاضت على أساسه الجبهة القومية كفاحها المسلح لطرد المستعمر؛ تلك الشروط التي كانت، كما نفهم، مختلفة في الريف عنها في المدينة. ولم تسعف الشباب الخبرة فذهبوا بحماسة لخوض الصراع بطريقة خطّية من وضع الثبات المثالي، بدلاً من خوضه من وضع الحركة كما تقتضيه صيرورة الصراع المركب.

لقد وضعوا الدولة الجديدة أمام خيارين في التنمية الاقتصادية، ولا يفوتنا التنويه إلى أننا نستخدم مصطلح التنمية هنا، بما هو مفهوم نقدي، بحسب الدكتور سمير أمين، يعكس مقدار ما يحققه الاقتصاد من تحولات اجتماعية. 

  وقد كان أول الخيارين أمام الدولة الجديدة، الاعتماد على نمط رأسمالي اقتصادي في التنمية بمشاركة البرجوازية الوطنية، والتي حكموا عليها مسبقاً بتبعيتها للاستعمار الجديد. ولا يخفى علينا ما ينطوي عليه ذلك من هواجس في أذهانهم تتعلق بواجب مواجهة الإمبريالية، دون أن يكون ثمة مبرر لأن تقرر دولة نائية في جنوب الجزيرة العربية، معدومة الموارد، وبتعداد لا يتجاوز مليوني نسمة، التصدي بمفردها للإمبريالية وتَحَمُّل أعباء ذلك، دون طلب من أحد، وبكل تلك المستويات العالية من الحدّية والنزق غير المبررين!

   أما الخيار الثاني، الذي اختاروه ومضوا فيه على الدوام، فكان انتهاج خطٍ غير رأسمالي يعتمد على الاكتفاء الذاتي بتنمية المشاريع الزراعية والصناعية وتطويرها، وبالاستفادة من التجارب الثورية في الدول الاشتراكية وفي مقدمتها الاتحاد السوفيتي، وبالاعتماد على التخطيط المركزي الموجّه في الاقتصاد. كانت لديهم أعذار لا تصدق في رفض المساعدات والقروض الدولية التي كانت ستساعدهم في الخيار الأول. لقد رفضوها بغرابة شديدة مُعتبرين أنَّ شروطها ستكون مُقوضةً للسيادة الوطنية، وكلامهم لم يكن صحيحاً، لكنهم اختاروا بدلاً من ذلك، طلب المساعدات من الدول الاشتراكية، وقد نجحوا مع الوقت في الحصول على عضوية مراقب في منظومة دول "الكيمكون" الاقتصادية الاشتراكية. 

   نايف حواتمة في كتابه "أزمة الثورة في الجنوب اليمني"، كان قد ساق عدداً من المآخذ المتضاربة التي لا تجعلنا نفهم ما الذي كان يريد قوله. من ذلك مثلاً، أنه أخذ على الجبهة القومية انسحابها من عملية الدمج القسري مع جبهة التحرير. كان ينتقدها في نقاط أبدت فيها مواقف مبدئية، كما لم تَرُق له بعض مواقفها المرنة واتهمها باليمينية. من ذلك أنه استاء من موقف قيادة الجبهة إزاء تريّثها في اتخاذ قرارات متطرفة تتعلق بالتأميم الفوري وتشكيل الميليشيا الشعبية وتسريح الجيش. هذا ما يمكننا فهمه من ثنائه المفرط للخطوات الجذرية الانفرادية التي قام بها فرع الجبهة في حضرموت بقيادة فيصل العطاس، حيث أمّموا سينما صيفية ومنازل وشركة مساهمة يمتلكها مواطنون. وقد تسبب ذلك، باعتراف قادة الجبهة في عدن، أو العقلاء منهم على الأقل، بحالة من الهلع في الداخل والخارج، وأخْذ الشركات الاحتكارية في عدن خطوات احترازية، وهروب رأس المال الوطني. وقد بلغت تلك الخطوات المتطرفة من السوء أنها شجعت قوى الإقطاع الحقيقية، السلاطين والأمراء، وحلفاءهم في جبهة التحرير، على شن مغامرة عسكرية في صعيد شبوة والصبّيحة والحبيلين بين 28 يونيو/ حزيران و7 أغسطس/ آب 1968، كان بإمكانها إحداث ضرر بالغ على الثورة والدولة الوليدة لولا التصدي الحازم الذي قام به الجيش بأوامر حاسمة من الرئيس قحطان الشعبي. 

  ومن المفارقات المأساوية أن قيادات ذلك الجيش والرئيس، اتُّهِموا باليمينية في 22 يونيو 1969. وقد استقال الرئيس بعد انتفاضتين مفتعلتين من خصومه في الجبهة القومية، وكان قبل ذلك قد رفض الاستماع إلى قادة الجيش الذين طلبوا منه الموافقة على اعتقال خصومه المتطرفين في قيادة الجبهة، وآثر الرضوخ لنزق الشباب، فقدم استقالته وتم اعتقاله حتى وفاته في كوخ لا يزوره فيه أحد سنة 1981. أما قائد الجيش فقد نُفي. وأُعدم اثنان من مؤلفي ذلك الكتاب (فيصل عبداللطيف وعلي عبد العليم)؛ تمت تصفيتهم بدم بارد. وبينما نجا الثالث (خالد عبدالعزيز)، عاد الرابع لتبني تلك الرؤى المرنة والعقلانية المتعلقة بخطورة التأميم الجائر وأهمية مشاركة رأس المال الوطني في عملية التنمية، ولم يتمسك بالسلطة حين طلب منه الاستقالة. لم ينزع إلى العنف أيضاً، رغم أن الميليشيا الشعبية كانت تحت إمرته بصفته الأمين العام للحزب، حين غادر عدن إلى الاتحاد السوفيتي سنة 1980. لكنه عاد بعد ذلك بخمس سنوات، واختفى في ظروف لا تزال غامضة خلال ـأحداث 13 يناير 1986، التي لملم بعدها الحزب الاشتراكي اليمني نفسه، وبالكاد استطاع أن يقف ليذهب إلى وحدة اندماجية متعسفة أنهى بها، دون وعي منه، ذلك الإرث العظيم من التحولات الاجتماعية الذي أنجزته تجربته القيمة في الحكم. انهارت ذهنية قادة الحزب، ففروا من المجهول الذي تخيلوه في انتظارهم مع تهاوي أسوار برلين الشرقية، وقبل سقوط الاتحاد السوفيتي بسنة واحدة، وقبل تدفق إنتاج النفط في حقول حضرموت بسنتين!


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English