ولادة الحلم اليمني الكبير من ثورة أكتوبر

في مجابهة المحتل واستعادة هوية يمنية واجهت خطر الاضمحلال
جمال حسن
October 17, 2020

ولادة الحلم اليمني الكبير من ثورة أكتوبر

في مجابهة المحتل واستعادة هوية يمنية واجهت خطر الاضمحلال
جمال حسن
October 17, 2020
رسمها ل خيوط: رائد الحطامي

 تصاعد مؤخرًا خطاب يحاول فصل ثورة 14 أكتوبر، عن فضائه اليمني الواسع، مع أنها كانت الميلاد الذي أزاح مصطلح "الجنوب العربي" واستبدله باليمن الجنوبي. لعبت الأغنية الوطنية في عدن دوراً مهماً في تشكيل هذا الوعي، إذ تطورت في نسق مُتصاعد ضمن مسارين؛ مجابهة المحتل، واستعادة هوية يمنية واجهت خطر الاضمحلال.

    وبحسب الفنان محمد مرشد ناجي، فهو لم يكن، وكثير من رجالات الوحدة الوطنية اليمنية البارزين، يعرفون لليمنية مفهومًا. وانخرط مع كثير منهم في "رابطة أبناء الجنوب العربي"، التي تأسست في لحج عام 1950، والداعية لوحدة الجنوب العربي. ولحّن المرشدي نشيد خاصًّا بتلك الدعوة، التي كانت متقدمة بالنسبة لما كانت عليه الألحان من انقسامات في سلطنات ومشيخات، وكذلك مقارنة بدعوة اقترحت ثلاث دويلات؛ حضرمية عدنية واتحادية.

    لكن المرشدي لم يتذكر أبيات ذلك النشيد، وركب لحنه على كلمات للشاعر عبدالرحمن باعمر، يقول مطلعها: "يا عربي عاش الزمن، يجني من الشوك المُنى". أي إن هناك حالة أخرى طغت وأعادت تشكيل المخيلة الوطنية، بالتفاعل مع الخطاب القومي العربي الذي تزعمه جمال عبدالناصر.

    ومنذ مطلع ثورة 14 أكتوبر/ تشرين أول 1963، وحتى إعلان الاستقلال برحيل آخر جندي بريطاني من عدن، لم يكن هناك قوة قادرة على دحر المفهوم الواسع لليمن. لا نعرف إلى أين ستقودنا الإرهاصات الحالية، لكن تصريح زعيم المجلس الانتقالي خلال زيارته بريطانيا، وتعريفه المستعمر بالشريك، ما هو إلا تأكيدٌ على محاولة إنكار الفضاء اليمني، الذي ولدت معه ثورة الجنوب وأفضت إلى استقلاله.

    لا ننفي ما ساهم به تيار الجنوب العربي في النضال ضد الاستعمار، وكان الفنان عبدالله هادي سبيت، السبّاق في إطلاق الأغاني الثورية ضد المُحتل الإنجليزي، وهو أحد أبرز شخصياته. وأغنيته "القُطن" بدعواها لرفض الاحتلال، مثال على ذلك. غير أنه في تلك الفترة كانت خطوة إلى الأمام، في مخاض تصاعدي، على خلاف ما هو اليوم رجوعًا للوراء، وربما إلى ما قبل أكتوبر.

     سبق للفنان محمد حسن عطروش، الحديث عن دور الأغاني من قصائد فصحى وأشعار شعبية ومهاجل وزوامل في ما حدث من صحوة ووعي. وعطروش صاحب واحدة من أشهر أغاني الثورة في جنوب اليمن "برّع يا استعمار"، التي صاغها على مقام الراست بجمل لحنية بسيطة ومتوثبة، اتخذت طابعًا احتفاليًّا وحماسيًّا، وانطلقت من روح الغناء اليمني، ورغم التأثر بأسلوب النشيد الوطني في مصر، إلا أنها اتخذت طابعاً يمنياً ميز الأغنية في عدن.

شهدت الأغنية في عدن محاولات تجديد أوسع مما هي في الشمال. وكان زيدي أحد النوابغ الذين نزعوا لتجديد الأغنية اليمنية عبر الجملة اللحنية الراقية، إضافة للأصوات التي ترنمت بالثورة واستوعبت صورتها في عدن وحضرموت ولحج، وامتد صداها إلى الشمال 

    كان لإذاعة صوت العرب دورًا بارزًا، سواء في بناء نموذج مصري للأغاني الوطنية، اتكأ عليه الفنانون اليمنيون في الجنوب، أو إذاعة أغانٍ وطنية لفنانين جنوبيين، مثل أغنية إسكندر ثابت "سلام ألفين للشجعان". وبصرف النظر عن مدى قوة بعض الألحان من عدمها، يمكن الحديث عن تيارين بارزين، أحدهما تزعمه الفنان أحمد بن أحمد قاسم، الذي أوصل التأثر بالغناء المصري قمته الإبداعية في عدن، بينما مثّل محمد مرشد ناجي العنصر الموسيقي اليمني، وحاول التجديد مع الحفاظ على الطابع اللحني اليمني.

    على أن المشهد لا يمكن اختزاله بالفنانَين الكبيرَين، فالجميع ترك بصمته التي تركت أثرًا كبيرًا في الوجدان اليمنيّ عمومًا والجنوبي خاصة. وفي واحدة من روائع الأغاني الوطنية "يا ضحوكة المباسم تعز وبيحان" للفنان الكبير محمد عبده زيدي لحناً وغناء، اتخذت أبسط وأفضل شكل للمزج بين الغناء اليمني والعربي. فلم تستند إلى التعديلات في الدرجات النغمية المعمولة في النسيج المقامي اليمني، لكنها استندت إلى العنصر اللحني اليمني وطورته. لتتبع شكل الطقطوقة التقليدية بجمل لحنية متشابهة بين المذهب والأغصان. وعلى مقام الراست عبرت عن روح ثورة أكتوبر في صورة وطنية تستدعي اليمن عبر تجاور مناطق جنوبية وشمالية. 

    شهدت الأغنية في عدن محاولات تجديد أوسع مما هي في الشمال. وكان زيدي أحد النوابغ الذين نزعوا لتجديد الأغنية اليمنية عبر الجملة اللحنية الراقية. ولا يسعنا في مقال وجيز أن نذكر كل الأصوات التي ترنمت بالثورة واستوعبت صورتها في عدن وحضرموت ولحج، وامتد صداها إلى الشمال ليدلي الفن هناك بدلوه. عدا أنه بصريح العبارة كان للأغنية في عدن نسقاً تعبيرياً أكثر اتساعاً وصلت معها روح الوحدة الوطنية الذروة.

    من ناحية أخرى، عبر المرشدي في أغنيته الثورية، بصورة مباشرة عن نشاطه السياسي، كما سبق الإشارة إلى ذلك. ولعل أغنية "أنا الشعب" أحد أشهر الأعمال الوطنية، بنزوعها الخطابي. لكن دلالتها الثورية أخذت منحىً في كل شكل احتجاجي بعد ذلك، مهما كانت دواعيه. ويستبدل  اللحن الحالة الغنائية، في صيغة تحذيرية بسيطة تنُم عن الغضب. ورغم تأثر المرشدي الواضح بالأغنية العربية، إلا أنه طوّع ذلك في مضمون حافظ على العنصر اللحني اليمني. فأصوات الكمانات على مقام الراست، تُميّزها الدرجات النغمية المُعدّلة؛ بتخفيض أو رفع الأنصاف والرابعات. 

    واللافت في الأغنية الوطنية العدنية، الأسلوب الشعري بمضمونه الجديد، لتظهر على محمد سعيد جرادة سمات رومانتيكية، بينما كان توجه لطفي جعفر أمان أكثر حداثة، وأدخل الطابع السردي للغناء الوطني. إذ ليست مجرد تغنٍّ يستهلك المعاني والمفردات الثورية وحب الوطن، إنما يُضمنها مضمون سردي بسيط.

    وضع قصيدته "أخي كبلوني" بلسان ثائر مُعتقل يُخاطب أخاه. ويعبر عن مأساة اعتقاله بخطاب قوة، لا يُهادن بشأن حريته. ومن هذا الخطاب تنفتح معاني تستبعد الإنشاء في حب الوطن وما يستدعيه من إيثار النفس. وجاء لحن المرشدي قاتماً ومُعبراً، بدءًا من القرار، يتم تصعيده في مقطع "لقد كبلوني لأني أقدس حريتي". وفيه يحاول المرشدي تضمين الجانب التعبيري في صيغ لحنية تحافظ على الأسلوب اللحني اليمني من خلال التعديلات المعروفة على الدرجات النغمية. 

    تطور الأسلوب السردي لشعر لطفي جعفر أمان بصورة أكثر وضوحاً في "يامزهري الحزين" لحن وغناء أحمد قاسم. وفيه يروي ذكريات تمتد من لحظة بدء الاستعمار الانجليزي وحتى الاستقلال.

في ملحمة أكتوبر استعادت عدن حريتها وكانت مع الأغنية يدًا بيد تستعيد الوطن المُمزق، وتشكل هويته الحديثة

     حاول أحمد قاسم صياغة ملحمة غنائية، استعرض فيها إمكانياته الموسيقية واللحنية، بأسلوب لحني جميل يتسم بالتنويع المقامي والإيقاعي. وصاحبت قاسم فرقة موسيقية كبيرة، وتوزيع أوركسترالي غير مسبوق في الأغاني اليمنية، مع استخدام آلات نحاسية. وتتجلى في هذا اللحن أوضح الصور للتيار الذي تزعمه قاسم، متبعاً النموذج المصري، مع أنه يبتكر جمله اللحنية الخاصة وشخصيته المتفردة التي منحت هذا الأسلوب نكهة عدنية جميلة.

     عند لفظ "روميو"، استعار قاسم الثيمة المعروفة في أوبريت "مجنون ليلى" لعبدالوهاب حين ينادي قيس ليلى. وهي استعارة في حدود المسموح، إذ تبدو مدروسة حين تستدعي القصيدة قيس وليلى. كذلك استخدامه الخطاب غير المُنغم في حوار مع الكورال، كما في لحن عبدالوهاب لأغنية عبدالحليم الوطنية "ذكريات". فبينما تسرد الأغنية ذريعة الغزو الإنجليزي بوصف المواطنين "قراصنة"، يرددها الكورال بصيغة دهشة مسرحية غير مُنغمة، كانت الثيمة التي يرددها حليم مع كوراله في الأغنية المصرية "حماية".

    تجسد الأغنية اعتناء قاسم بظهور الموسيقى في أفضل جودة ممكنة. لكن استخدامه الأكورديون في هذا الأسلوب الملحمي، بلحنية ناعمة ربما طابعها يوناني، يبدو مُقحماً واقتراحاً غير موفق. حتى وإن كان غرضه التعبير عن شريط ذكريات، في تنغيم جميل.

    هناك تحولات مقامية لافتة؛ الانتقال من النهاوند إلى العجم، صياغة التوتر اللحني على مقام الكُرد، استخدام مقام النوا أثر في لحظات تُعبر عن الحزن الدفين لذكريات مؤلمة عن الغزو، توظيف مقام الحجاز مصوراً التضامن الشعبي كما لو كان مشهد قافلة في صحراء الاحتلال، نحو الهدف المنشود بالتحرر. أيضاً وجود دلالة دينية تمتزج بالاستخدام الشائع لمقام الحجاز في صوت الأذان.

    كان الفارق بين قاسم والمرشدي هو الصورة التي تعوم حولها الأغنية العدنية بكل ممثليها، وهناك وُلد للغناء الوطني اليمني سمتان؛ فالمرشدي اتبع مذهبًا تطريبيًّا أقل غنائية، بينما قاسم كان مفتونًا بذائقته ويعشق النغمة في عذوبتها ونعومتها. وفي ملحمة أكتوبر استعادت عدن حريتها وكانت مع الأغنية يدًا بيد تستعيد الوطن المُمزق، وتشكل هويته الحديثة، لكنها ذهبت بعيداً في استعارتها لروح وطنية شاملة خلّدت الوطن اليمني الكبير.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English