النفط.. الملف الأكثر سخونة وتعقيدًا

نقاط بيع عشوائية قابلة للاشتعال واتهامات متبادلة
جميل الجعـدبي
October 19, 2020

النفط.. الملف الأكثر سخونة وتعقيدًا

نقاط بيع عشوائية قابلة للاشتعال واتهامات متبادلة
جميل الجعـدبي
October 19, 2020
محمد الصلوي ©

 خزّان بلاستيكي أو حديدي محلّي الإنتاج، مخصص للمياه يتّسع لما بين 1000 إلى 1500 لتر، أنبوب بلاستيكي يمتد من فتحة الخزان إلى أسفل "طرمبة" (مضخة) منصوبة بالجوار على الطريق العام، وبينهما مولّد كهربائي صغير الحجم ومجموعة أسلاك كهربائية متداخلة.

    تلك هي مكونات "الطّرمّبَات" العشوائية المستحدثة لتعبئة المشتقات النفطية، التي انتشرت بكثافة مؤخراً خلال أشهر أمة المشتقات النفطية،على الطرقات العامة، ومداخل العاصمة صنعاء، في تطور لافت لما بات يعرف بالسوق السوداء للمشتقات النفطية، وحلقة جديدة في مسلسل تجاذبات هذا الملف بين السلطتين المنقسمتين في صنعاء وعدن.

     و"الطرمبات" هي آلة أو "دينمو" تقوم بشفط البنزين من الخزانات الأرضية وتفريغه عبر الأنبوب اليدوي في خزانات وقود السيارات، وتظهر على شاشتها الرقمية بيانات كميّات الوحدات المباعة/ لتر، وقيمة المبيعات من الوقود/ ريال.

    على امتداد أقل من 500 متر، بداية طريق صنعاء- الحديدة، غربي العاصمة صنعاء، رصدت "خيوط" انتشار ست نقاط بيع للمشتقات النفطية عبر هذه الآلة، بينما يقول سكان في المنطقة إنها باتت تشكّل تهديدًا لسلامتهم.

إحدى نقاط بيع البنزين العشوائية في صنعاء - © محمدالصلوي

مخاطر محتملة لمواد مشتعلة

    يقول سيف العصري لـ"خيوط" إن انتشار نقاط بيع الوقود العشوائية تعدّ قنابلَ موقوتة قابلة للانفجار، وأن إجراءات السلامة المفترضة منعدمة كليًّا، مشيرًا إلى أن خزّانات حفظ الوقود مكشوفة لأشعة الشمس والرياح والأمطار.

    ولفت سيف (40 سنة)، وهو موظف حكومي، إلى أن المولدات الكهربائية، وخطوط التيار والإنارة، وحركة السيارات وورش الهندسة، والأحوال الجوية، والتفاف الطريق، وعمليات التفريغ والتعبئة، "كل هذه العوامل المحيطة تنذر بكارثة"، متذكرًا في هذا السياق ضحايا حريق وانفجار صهريج حي السنينة بمديرية معين.

    من جهته يروي أحمد سلطان (27 سنة)، سائق دراجة نارية، لـ"خيوط"، عن حادثة حريق في إحدى نقاط البيع غربي العاصمة صنعاء، وإصابة اثنين بجروح: "سلّم الله أنّ الخزّان كان فارغًا، وإلّا كان انفجر ودمّر الورشة." قال سلطان، مشيرًا إلى خطورة تركيب "الطرمبة" والخزان داخل ورشة لصيانة المركبات.

   وأضاف سلطان بعد تعبئة دراجته النارية ببنزين في عبوات مياه معدنية اشتراها من نقطة بيع متنقلة: "لو لم يكن مجرّد الاقتراب من هذه المواد خطرًا، لما كتب على شاحنات نقلها عبارة: ابتعد عن الناقلة 100 قدم؛ مواد مشتعلة"، منوهًا إلى تعدّد صور الاحتكاك بالمواد المشتعلة في هذه العمليات، وبالتالي ارتفاع درجة المخاطر المحتملة.

ضبط 10 مخالفات في صنعاء

    مع اشتداد أزمة المشتقات النفطية منذ مطلع سبتمبر/ أيلول 2020، وتنامي ظاهرة السوق السوداء، وتنوع وسائلها، تسعى السلطات الرسمية المختصة لإزالة هذه الطرمبات ومصادرة كميات الوقود التي تحتويها، ومن ثم توزيعها على الجهات الخدمية ذات الأولوية والمحطات العاملة في أمانة العاصمة والمحافظات.

    ويقول مُلاك محطّات وعاملون في تسويق الوقود التقتهم "خيوط"، إن هذه الإجراءات غير قانونية، ويرى هؤلاء أنه "لا يحق لشركة النفط مصادرة هذه المواد في ظل عجزها عن إيجاد حلول للأزمة"، حسب تعبيرهم.

    وأكد أمين شائع، مدير مكتب الصناعة والتجارة بمحافظة صنعاء، لـ"خيوط" ضبط وإزالة 10 طرمبات لباعة مشتقات نفطية في السوق السوداء، ومصادرة ما بحوزتهم، في مستهل حملة ميدانية للحد من الظاهرة، شاركت فيها وزارات الصناعة والداخلية والإدارة المحلية والنفط.

    وحسب مدير مكتب التجارة والصناعة بمحافظة صنعاء، فقد توزعت المخالفات المضبوطة على مداخل العاصمة صنعاء، مشيرًا إلى ضبط 4 مخالفات على طريق الحديدة، مديرية بني مطر، غربي صنعاء، و3 مخالفات في مديرية بني حشيش شرقي صنعاء، و3 مخالفات في مديرية سنحان جنوبي صنعاء.

إحدى نقاط بيع البنزين في صنعاء - © علي السنيدار
يقدّر على هزّاع (38 سنة)، سائق باص، عدد الطرمبات العشوائية المستحدثة على المدخل الغربي للعاصمة صنعاء بنحو 100 نقطة، خلافًا لنقاط البيع في العبوات والقوارير البلاستيكية، وبراميل الزيوت مختلفة الأحجام.

أمام وزارة النفط

    على بُعد خطوات من مبنى وزارة النفط والمعادن الواقع بشارع الزبيري وسط صنعاء، اختار قائد (اسم مستعار) موقع تمركزه لبيع البنزين على متن سيارة نقل صغيرة الحجم. يقول قائد لـ"خيوط" إنه لم يكن يعرف أن مبنى وزارة النفط بالجوار من المكان الذي اختاره لبيع الوقود بسعر السوق السوداء، كما أنه لم يجد مضايقة من موظفي الوزارة، معتقدًا أنهم يقومون بشراء احتياجاتهم من البنزين منه.

    "في البداية كنا نبيع الدّبة (جالون عشرين لتر) بـ15 ألف ريال"، يقول قائد، مشيرًا إلى أن أسعار الجالون سعة 20 لترًا "هذه الأيام" (أواخر سبتمبر/ أيلول 2020)، تتراوح ما بين 8 إلى 12 ألف ريال، ويفسّر قائد عدم استقرار الأسعار في سوقهم، بمتغيرات العرض والطلب، "حينما تشدد السلطات الخناق في نقاط الجوف يرتفع السعر"، في إشارة إلى محافظتي الجوف ومأرب كمصدر لتغذية أسواق صنعاء، وذلك عبر التهريب.

  وخلال الأسبوعين الأولين من أكتوبر/ تشرين أول 2020، ارتفع سعر الجالون 20 لتراً من البنزين إلى 18 ألف ريال.

إغلاق 20 محطة غير مرخصة

    مدير مكتب الصناعة والتجارة بأمانة العاصمة، صادق صلاح، أفاد بأن حملة ميدانية رسمية ضبطت 20 محطّة مستحدثة وغير مرخّصة، وقال لـ"خيوط" إن الحملة نُفذت بالتنسيق مع شركة النفط والجهات المختصة، وأسفرت عن إغلاق المحطات غير المرخصة.

    واتهم صلاح مُلّاك المحطّات المستحدثة ببيع مشتقات نفطية غير مطابقة للمواصفات، وإلحاق أضرار بمركبات المواطنين وسياراتهم، موضحًا أن مصدر تغذية هذه المحطات مُهرّبة.

    ويقدّر على هزّاع (38 سنة)، سائق باص، عدد الطرمبات العشوائية المستحدثة على المدخل الغربي للعاصمة صنعاء بنحو 100 نقطة، خلافًا لنقاط البيع في العبوات والقوارير البلاستيكية، وبراميل الزيوت مختلفة الأحجام.

    وفي حديثه لـ"خيوط"، يعتقد هزّاع أن الطرمبات تتميز بالقدرة على قراءة العداد بحجم الكمية المشتراة وسعرها، "العداد في الطرمبة يحسم الخلاف على الكميّة." يقول هزاع، لكن هذه الميزة، حسب هزّاع، لا تزيل مخاوف السائقين من سلامة وجودة البنزين.

بدائل تكسر الحصار

    يرفض ملاك وعمال نقاط بيع الوقود هذه الحديث للصحافة، وإن تحدثوا فبحذر شديد، لاعتقادهم أنهم يقدّمون خدمة للمستهلك ويساعدون شركة النفط والجهات الرسمية، في توفير احتياجات السوق من مادتي البنزين والديزل.

    "إذا توقفت حركة السيارات والقطاعات التشغيلية سوف يموت الآلاف وتتوقف مصادر دخل مئات الآلاف" يقول مالك طرمبة، طلب التحفظ على هويته، مضيفًا: "نحن كسرنا الحصار المفروض على بلادنا وأوجدنا بدائل"، مشيرًا بذلك إلى استمرار استجداء السلطات في صنعاء لدول التحالف والأمم المتحدة لإطلاق السفن المحتجزة قبالة ميناء الحديدة.

    مصادر قبلية وموظفون في وزارة النفط، أكدوا لـ"خيوط" أنّ المشتقات النفطية في السوق السوداء تأتي من محافظتي مأرب والجوف، إذ "يتم نقلها في براميل حديدية مثبّتة على متن سيارات نقل متوسطة "ديانّا"، أو على متن سيارات تويوتا (بيك أب حديثة) كانت مخصصة لنقل المياه للوحدات العسكرية والأمنية وتسمى في اللهجة المحلية "بُوزة".

عاملون في سوق المحروقات شككوا حول قانونية تحذير شركة النفط، ومشروعية طلبها استخراج تصاريح، لنقل بضع لترات وقود تقول إنها مهرّبة وتباع في السوق السوداء

تحذيرات رسمية شديدة اللهجة

    وجاءت هذه المعلومات متّسقة مع مضمون تحذير رسمي شديد اللهجة صدر عن شركة النفط في صنعاء، استهدف سيارات نقل الوقود، ومنع التحذير "منعًا باتًّا نقل أي مواد بترولية دون الحصول على تصريح من الشركة يسمح بذلك عند كل عملية نقل"، وتضمّن تحذير شركة النفط تهديدًا صريحًا بمصادر وسيلة النقل والكميّة المضبوطة على متنها.

    وشكّك عاملون في سوق المحروقات حول قانونية تحذير شركة النفط، ومشروعية طلبها استخراج تصاريح "لنقل بضع لترات وقود، تقول إنها مهرّبة وتباع في السوق السوداء"، وتوقعوا أن مثل هذه الإجراءات سترفع سعر الدبة البنزين في السوق السوداء إلى 15 و20 ألف ريال.

    "نشتري الدبة البنزين 20 لترًا بـ7400 ريال من محافظة الجوف"، يقول بائع متنقل لمشتقات نفطية لـ"خيوط"، ويضيف: "نبيع الدبة 20 لتراً في صنعاء بـ8 ألف ريال"، متهمًا شركة النفط بالسعي لفرض ما وصفها بالـ"إتاوات" ورسوم مالية إضافية (جمارك، تحسين)، وجميعها ستضاف على القيمة، "وكلّه من ظهر المواطن"، حسب تعبيره.

   وقبل الإعلان التحذيري هذا كانت شركة النفط في صنعاء قالت إنها "تقوم بفحص ومعالجة وتوزيع المواد البترولية المضبوطة من قبل الأجهزة المختصة بمكافحة التهريب على الجهات الخدمية ذات الأولوية وكذا المحطات العاملة بأمانة العاصمة والمحافظات للبيع المباشر للمواطنين، بالسعر الرسمي".

    واعتبر إعلان الشركة أن تزايد مظاهر السوق السوداء، واحدة من "أوجه الحرب الاقتصادية على الجمهورية اليمنية"، متهمة ما أسمته قوى موالية للتحالف العربي بتشجيع الظاهرة بهدف الإضرار بالاقتصاد الوطني، ولتحقيق مكاسب غير مشروعة".

    واقتصر توزيع الشركة للكميات المتوفرة على محطاتها وعدد محدود من محطات التعبئة في صنعاء والمحافظات الواقعة تحت سلطة حكومة صنعاء، وأقرت تعبئة (30) لترًا لكل سيارة، وخفضت أوقات التعبئة إلى 6 ساعات فقط، فيما حددت سعر الدّبة البنزين سعة 20 لترًا بـ(5900) ريال، والديزل بـ(6900) ريال.

إحدى نقاط البيع العشوائية في صنعاء - © عليالسنيدار

تبادل اتهامات 

    على أمل حلحلة هذا الملف، تواصل شركة النفط في صنعاء تنظيم وقفات احتجاجية، متهمة "التحالف العربي" بقيادة السعودية والإمارات، باستمرار احتجاز (15) سفينة نفطية بحمولة إجمالية تبلغ (409,055) طن من مادتي البنزين والديزل لأكثر من خمسة أشهر "176" يومًا، حتى أواخر سبتمبر/ أيلول 2020.

    ونيابة عن "التحالف العربي" يأتي ردّ الحكومة المعترف بها دوليًا في 5 سبتمبر/ أيلول 2020، مبينًا أن "واردات اليمن من الوقود خلال العام الجاري 2020، تكفي الاحتياجات حتى نهاية شهر أكتوبر/ تشرين الأول 2020، دون وقوع أي أزمات".

    وقال المجلس الاقتصادي الأعلى التابع للحكومة المعترف بها دوليًا  في تقرير له، إن "واردات اليمن من الوقود زادت خلال الفترة الماضية بنحو 13% مقارنة بالفترة للعام السابق 2019، وذلك بإجمالي 3,260,443 طن. كان نصيب المناطق الخاضعة لسلطة صنعاء حوالي 53% بكمية قدرها 1,742,991 طن".

    وأشار التقرير إلى منح الحكومة المعترف بها دوليًا استثناءات خلال الفترة من أكتوبر 2019، وحتى أغسطس 2020، "لدخول ما لا يقل عن 36 سفينة وقود"، متهمًّا سلطات صنعاء بـ"إعاقة دخول قاطرات تحمل مشتقات نفطية إلى مناطق سيطرتهم برًّا عبر المناطق المحررة".

    وزير النفط في حكومة صنعاء، أحمد دارس، قال من جانبه، يوم 22 سبتمبر/ أيلول 2020، إن التحالف سمح بدخول 3 سفن محمّلة بالمشتقات النفطية، غاز وبنزين ومازوت، خلال 5 شهور ماضية، مشيرًا إلى أن السوق المحلية تحتاج لأكثر من 10 ملايين لترٍ يوميًّا.

    وفي 13 سبتمبر/ أيلول، قال المدير التنفيذي لشركة النفط في صنعاء، عمار الأضرعي، إن إجمالي الكميات المفرج عنها من مادتي الديزل والبنزين خلال الثلاثة الأشهر الماضية بلغت 139 ألف طن.

    وأوضح الأضرعي في تصريحات إعلامية أن هذه الكميات تشكل ما نسبته 15% من الاحتياج الفعلي في الوضع الطبيعي، وقال: "نسبة الكميات المفرج عنها من مادتي البنزين والديزل خلال 110 أيام منذ أواخر مايو/ أيار الماضي مقارنة بالاحتياج الفعلي 11 بالمئة من الديزل، و20 بالمئة البنزين".

توصيات برلمانية

    وكان البرلمان في صنعاء أوصى مسؤولي وزارة النفط بـ"البحث عن مصادر محلية بديلة عبر المنافذ البرية للحصول على المشتقات النفطية اللازمة لتغطية احتياجات السوق المحلية".

    وخلال مناقشته تقرير لجنة التنمية والنفط والثروات المعدنية، في جلسته المنعقدة يوم 22 سبتمبر/ أيلول 2020، أوصى مجلس النواب في صنعاء بـ"السماح للقطاع الخاص باستيراد كميات كبيرة من المشتقات النفطية المنتجة محليًّا، وتوريدها عبر المنافذ البرية".

    كما أوصى الحكومة في صنعاء بشراء كميات المشتقات النفطية المحملة على القاطرات المحتجزة بالمنافذ البرية في حال مطابقتها للمواصفات المطلوبة، وضبط المحطات المخالفة الواقعة على طريقي أرحب - الجوف وصنعاء - البيضاء "التي تبيع المشتقات النفطية بأسعار السوق السوداء وفي مخالفة للأسعار المعتمدة من قبل الشركة".

ملف ساخن.. معاناة تشاركية

    تعدّ المشتقات النفطية واحدة من أهم أوراق الأزمة والصراع المسلح في اليمن وأشدّها سخونة بين أطراف النزاع وحلفائهم في الداخل والخارج، فعلى مدى ست سنوات ماضية ما يزال ملف الوقود محلّ مدٍّ وجزر وتجاذب سياسي، مستعصٍ على الحلول العملية الملموسة.

    وما تزال تأثيرات هذا الملف الملتهب تطال المواطنين سواسية في مناطق سلطتي النزاع، بكل تبعاته السلبية على أسعار السلع والمواد الغذائية وأجور النقل والمواصلات وخدمات الكهرباء والمياه والصحة، وتدهور العملة وكافة مظاهر الحياة.


•••
جميل الجعـدبي

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English