ثورة أكتوبر المجيدة

الآمال المشتركة والمصير الواحد لليمنيين
October 13, 2021

ثورة أكتوبر المجيدة

الآمال المشتركة والمصير الواحد لليمنيين
October 13, 2021

عبدالكريم عامر

سكينة محمد

تمخّض النضال المشترك للشعب اليمني في القرن العشرين الماضي، عن أهم ثورتين في تاريخه؛ 14 أكتوبر/ تشرين الأول 1963، وقبلها ثورة 26 سبتمبر/ أيلول 1962. تشارَكَ الرجال والنساء، في ربوع البلد، الذي كان مقسّمًا حينها، الحلمَ بالخلاص من الاستبداد والتحرر من الاستعمار، وتنفّس هواء الحرية والعدالة. عاد غالب راجح لبوزة، من الشمال إلى جبال ردفان، ممتلئًا بدوافع الكفاح المسلح ضد الاستعمار الأجنبي، ومؤمنًا بأحقية الأرض لأصحابها، وعلى عاتقه حمل مسؤولية اللحاق بموكب الأحرار لصناعة فجر الـ14 من أكتوبر، بعد 128 عامًا من الاستعمار البريطاني.

وتحلّ على اليمنيين الذكرى الـ58 لثورة 14 أكتوبر المجيدة، بينما تشهد البلاد حالة من التمزّق والانقسام الكبير بسبب الحرب الدائرة في معظم المناطق منذ ما يزيد عن سبع سنوات؛ الأمر الذي أدّى إلى تواري السكان وابتعادهم في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة أنصار الله (الحوثيين) عن إقامة الاحتفالات الشعبية بهذا العيد الوطني الخالد. إذ اختفت ملامح الاستعدادات للاحتفاء بالمناسبة بصورة ليست باهتة فحسب، بل تكاد تكون غائبة تمامًا.

ويقول مراقبون سياسيون، إن "هناك تجاهلًا مقصودًا ومُتعمّدًا لعدم الاحتفاء بذكرى ثورة 14 أكتوبر، بما تمثله من معانٍ وطنية لليمنيين، شمالًا وجنوبًا؛ كونها الثورة التي دحرت الاستعمار الإنجليزي من جنوب الوطن ووحّدت شتاته بعد فترة التمزق". 


احتفالًا بالعيد الـ58 لثورة أكتوبر

يطلّ عيد ثورة أكتوبر من كل عام ضمن أشهُر احتفالية تجمع اليمن على نهج ثوري يعيد أمجاد الشعور الوطني الخالص، ويذكّر الأجيال بمناضلين صنعوا من المعجزات حقائق.

يحل عيد ثورة 14 أكتوبر هذا العام والبلد يعاني في كلا الشطرين، بعد مرور المحافظات، شمالًا وجنوبًا بحروب عدة منذ الستينيات، بينما عجلة الحرب مستمرة بالدوران منذ سبع سنوات.


في هذا السياق، يقول الباحث اليمني محمود نصر، لـ"خيوط": "نحن في الجنوب نحتفل في محاولة لإحياء سيرة الأبطال، لعل جيلنا يتذكرهم، ويعاد مجدهم فتعود جمهوريتنا ومدنيتنا التي عرف بها الجنوبي". ويعرّج نصر على ذكر القائد غالب راجح لبوزة، مستعيدًا مسيرة عودته من شمال اليمن إلى جبال ردفان في أغسطس/ آب 1963، للتخطيط للثورة التي ستندلع بعد شهرين فقط من ذلك اليوم.

ويضيف نصر: "عندما تنبه الاحتلال البريطاني لذلك، طلب منه ورفاقه التسليم لسلطان الضالع حينها، لكن لبوزة رفض، ومع حلول فجر 14 أكتوبر/ تشرين الأول 63، انطلقت الشرارة الأولى للثورة، وانتهى النهار بمقتل الشهيد لبوزة". 

على إثر تلك الشرارة، أعلنت بريطانيا حملة غاشمة استمرت لستة أشهر، واتّبعت سياسة "الأرض المحروقة"، حتى إن أحد أعضاء مجلس العموم البريطاني أدان تلك الأعمال اللاإنسانية. 

ويتابع الباحث محمود نصر: "ندرك تمامًا أن لبوزة كان مع رفاقه يساند ويحمي الجمهورية الوليدة في الشمال، وضربوا أروع الأمثلة في نضالهم لترسيخ كلتا الثورتين على الأرض وعلى الصعيد السياسي؛ ففي 25 فبراير 1963، عُقد مؤتمر في دار السعادة بصنعاء، تلته اجتماعات أخرى بحضور عدد غفير من الشخصيات السياسية والعسكرية والثورية، وتمخّضت تلك الاجتماعات في نهاية المطاف عن مكون أسموه "الجبهة القومية لتحرير الجنوب"، وكان على رأس الحضور الرئيس قحطان الشعبي".

يقول المناضل عبدالله باذيب في حديث صحفي: "جاءت ثورة 14 أكتوبر وكانت نتيجة طبيعية لتطور حركة التحرر الوطنية، واستمرارًا للنمو اللاحق للثورة في الشمال، وجزءًا من الثورة العربية العامة".

ثورة بلا مقاييس

يصف الباحث نصر، ثورة 14 أكتوبر بأنها "ثورة بلا مقاييس"، مشيرًا إلى أن "من يقول غير ذلك فهو مختل"- بحسب تعبيره. ويضيف: "قد يقولون إن عدن كانت أفضل حالًا من مناطق اليمن المختلفة، وفيها تعليم وصحة وخدمات، ولكن الحقيقة أن الاحتلال البريطاني كان قد أسس مدارس يرتادُها فقط أولاد الجنود والعاملين معها، ولم يكن هناك تعليم كامل لجميع فئات الشعب، بل حدثت استثناءات في فترات لاحقة، بالإضافة إلى أن مجتمع جنوب اليمن هم عرب ومسلمون وكانوا يرون أن ما تفعله السلطات المحتلة البريطانية، يندرج ضمن تهديم هويتهم القومية والدينية، وتهميش المنطقة وسلب الحريات، وزرع للفتن، والانقسامات".

أمّا عن سياسيات بريطانيا في حكم عدن، فيرى د. عبدالرحمن قاسم -أكاديمي يمنيّ- في حديثه لـ"خيوط" أن بريطانيا "اعتمدت سياسية التهدئة هنا في عدن حتى تضمن استقرار الأمور وتحقق مصالحها الاستراتيجية". 

ويضيف أن أهم ما دفع بريطانيا لاحتلال عدن، هو موقعها الجغرافي على خط التجارة العالمي؛ كونها أهم محطة على طريق السفن المتجهة من وإلى الهند، علمًا أنه منذ سيطرة بريطانيا على عدن عام 1839، كانت تُحكم كجزء من الهند البريطانية حتى سنة 1937، حين أصبحت مستعمرة بحدّ ذاتها تتبع التاج البريطاني.

المصير الواحد

قديمًا، كان ثوار صنعاء يخرجون من السجون ويتجهون إلى عدن، ومنها يعارضون نظام الإمامة ويحشدون المعارضين لها، فيما يحتضنهم إخوانهم في الجنوب مرحبين، وبالمثل، كانت صنعاء تحتضن ثوار عدن والجنوب ضد الاستعمار البريطاني. فمحمد علي نعمان الحكيمي كان لديه برنامجًا في إذاعة صنعاء في العام 1957، يوجه للمستمعين في الجنوب، إلا أن الإمام أحمد خاف على مصالحه مع المحتل البريطاني، فأوقف ذلك البرنامج. حينها اتجه الثوار إلى محافظة البيضاء، وعقدوا لقاءات نظّموا خلالها جهدهم الثوري لمناهضة الاحتلال، وكانوا يرتبون لنقل السلاح من الجنوب إلى الشمال عبر مطار عدن، ومن الشمال إلى الجنوب عبر ميناء الحديدة، في خطط محكمة تشارك في تنفيذها ثوار اليمن قاطبة. 

ويشير الباحث محمود نصر إلى أنه مع اندلاع ثورة أكتوبر استفاد أبطالها من المدّ القومي العربي والخطب الوطنية المناهضة للاستعمار في الدول العربية ودعوات التحرر، لافتًا إلى أنه كان للثوار في الجنوب محاولات للخروج سلميًّا في مظاهرات وإضرابات عبر النقابات والتكتلات العمالية، لكن الاحتلال كان يتحايل على كل تلك الطرق؛ الأمر الذي أقنع جزءًا كبيرًا من الشعب اليمني بأنه لا سبيل للخلاص من الاحتلال إلا بالكفاح المسلح، وكان لتأثرهم بأخبار الثورة القادمة من شمال البلاد وجسارة الثوار هناك، دورٌ في تعزيز خيار الكفاح المسلح ضد المحتل.

استمرت معارك الشرارة الأولى لثورة أكتوبر حتى 10 ديسمبر/ كانون الأول 1963، حيث قام شخص يدعى خليفة خليفة -بحسب وثائقي بُثّ سابقًا عن ثورة 14 أكتوبر- باغتيال المندوب السياسي البريطاني في مطار عدن. وهنا يقول لـ"خيوط"، نبيل هشام، وهو قبطان في ميناء عدن، إن الانطلاقة الحقيقية للثورة كانت بهذه الأحداث، التي دفعت بالأمم المتحدة عقبها بيوم (11 ديسمبر) للإعلان عن قرار الجمعية العامة بحل مشكلة الجنوب اليمني. 

كفاح ثمّ استقلال

تسارعت أحداث العام 1963، بين نضال مسلح وتحرك سياسي للجبهة القومية لتحرير الجنوب، وحتى العام 1965، حيث عقد مؤتمر في يونيو/ حزيران في مدينة جبلة- غرب مدينة إب (وسط اليمن)، ومؤتمر آخر في مدينة تعز، حيث أعلنت الجبهة القومية موقفها الثابت لمواصلة الكفاح ضد المستعمر البريطاني. وفي 25 أغسطس/ آب من العام نفسه، رفضت الجبهة نتائج مؤتمر جدة بين الرئيس جمال عبدالناصر والملك السعودي فيصل بن عبدالعزيز، باعتبارها تقوّض الثورة في الشمال والجنوب معًا. وحتى نهار الخامس من أكتوبر/ تشرين الأول 1966، هبّ الثوار من مختلف مناطق اليمن، وبدؤوا بتنفيذ الكفاح المسلح من الضالع وصولًا إلى عدن.

استمر الكفاح المسلح حتى 30 نوفمبر/ تشرين الثاني 1967، حين أعلن قادة الثورة الاستقلال وقيام "جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية". وبعد إعلان الاستقلال، مرّ جنوب اليمن بظروف صعبة تجسّدت فيها وحدة الشعب وتكاتفه، وتشكّلت لجنة لجمع التبرعات الشعبية لدعم الجمهورية المستقلة لتوّها من الاستعمار. يقول محمد العديني (69 سنة)، لـ"خيوط": "بدأت حملة التبرعات من لواء إب، وبادر الجميع بالتبرع بالمال والحبوب وكل ما يستطيع الفرد تقديمه لإخوتنا في الجنوب، وكان والدي يعمل على نقل المواد إلى قعطبة في الضالع".

عناء وأقدار مشتركة

يحل عيد ثورة 14 أكتوبر هذا العام والبلد يعاني في كلا الشطرين، بعد مرور المحافظات، شمالًا وجنوبًا، بحروب عدة منذ الستينيات، بينما عجلة الحرب مستمرة بالدوران منذ سبع سنوات. ويقول الباحث محمود نصر عن الوضع الراهن إن الشعب اليمني كله "يبحث عن قوت يومه ويتشارك العناء والأقدار المشتركة". وهو يأمل أن ينتهي كل هذا العناء، وأن تعود وحدة الشعب التي كانت ثورتا سبتمبر وأكتوبر مقدمة لتحققها في 1990، متابعًا: "نأمل أن نخلص الآن إلى حلّ جذريّ لمشاكل جميع المحافظات، وكما قال المناضل علي عنتر: "بدون وحدة الشعب اليمني، يعتبر استقلالنا ناقصًا، وحريتنا ناقصة، وإنجازاتنا ناقصة".

وتغيب التجهيزات المفترضة للاحتفال بهذه المناسبة الوطنية عن المشهد العام في العاصمة صنعاء الخاضعة لسلطة جماعة أنصار الله (الحوثيين)، لكن غياب الاحتفاء وحده ليس قادرًا على حجب المناسبة الوطنية من أذهان الجماهير الذين تفتّق وعيهم خلال سنوات الحرب الدائرة إلى الآن، وأدركوا عظمة وأهمية كافة المناسبات الوطنية التي حقّقت مكاسب خالدة لجميع اليمنيين على حدٍّ سواء.

المواطن الأربعيني علي الدرقلة، من أهالي مدينة صنعاء، يقول لـ"خيوط"، إن "الجوّ العام" الذي يعيش فيه المواطن لا يساعده على الاحتفال بالمناسبات الوطنية"، ويستدرك بالقول: "لكن صحينا بعد فوات الوقت وشعرنا بعظمة إنجازات ثورتي سبتمبر وأكتوبر، لمّا حلت بنا المصائب". 

غياب مظاهر الاحتفال بذكرى ثورة 14 أكتوبر عن العاصمة صنعاء، له أثر سيئ في نفوس كل الوطنيين من أهالي المحافظات الشمالية؛ لأن ثورة أكتوبر وسبتمبر، هما أعظم إنجاز تاريخي في حياة الشعب اليمنيّ، شمالًا وجنوبًا، على طريق اكتمال عملية التلاحم الوطني لليمنيين جميعهم. 

 يمكن اعتبار رأي هذا المواطن مؤشرًا على تعاظم الوعي الجمعي بأهمية الأحداث الوطنية التي شكّلت نقاط تحول في حياة المواطنين. وعبّر بعض الأهالي في صنعاء عن حزن غائر في نفوسهم لتلاشي مظاهر الاحتفالات بذكرى المناسبات الوطنية التي تعني كل اليمنيين، جنوبًا وشمالًا. إذ يقول أحدهم لـ"خيوط": "فقدنا الاحتفالات بذكرى ثورتي سبتمبر وأكتوبر من يوم بدأت الحرب، ويشتونا نحتفل بمناسباتهم الخاصة، ليس لدينا سوى المناسبات الوطنية نحتفل بذكراها، ولا نعرف غير أعياد سبتمبر وأكتوبر ونوفمبر وعيد الوحدة اليمنية، وعلينا أن نحافظ على هذه المناسبات".

ويقول المهندس خالد قائد (48 سنة)، لـ"خيوط": "ستبقى ذكرى ثورة أكتوبر خالدة في تاريخ اليمنيين، صحيح أن الاحتفال بها تلاشى هنا على الواقع، لكنها حاضرة في أذهاننا وقلوبنا، ولن يستطيع أيٌّ كان إلغاءها، مهما كانت الاضطرابات والعواصف التي هزت البلاد وجرحت كبرياء تاريخها".

 أثر سيئ في النفوس

يتذكر المواطنون في صنعاء زمن الاحتفالات بالمناسبات الوطنية وإحياء ذكراها، فتصيبهم نوبات من الحزن على تلاشيها من يوميات حياتهم، التي يعود الفضل في توهجها للمكتسبات الوطنية التي تحققت بفضل قيام ثورتي أكتوبر وسبتمبر. وتجتاح مشاعر الأسى نفوس كثير من الأهالي في صنعاء هذا العام لغياب الاحتفالات بمناسبة العيد الـ58 لثورة 14 أكتوبر المجيدة، لما لها من مدلولات وطنية في تلاحم اليمنيين، جنوبًا وشمالًا. 

يقول محمد الآنسي (44 سنة)، وهو مواطن على قدر جيد من الثقافة الوطنية، إن اليمنيين "لن ينسوا ثورة أكتوبر، كما لم ينسوا ثورة سبتمبر حتى إذا لم يحتفلوا بهما. كلنا شعب واحد في الجنوب والشمال، وما تمر به بلادنا هي غُصّة علينا كلنا". 

ويضيف أنه "لا تحضر ذكرى قيام ثورة 14 أكتوبر التي دحرت الاستعمار الأجنبي من جنوب الوطن، بمعزل عن ذكرى قيام ثورة 26 سبتمبر التي أطاحت بالنظام الإمامي المستبد في الشمال". فثورة سبتمبر، بالنسبة لهذا المواطن، "مثّلت الركيزة الأساسية والنواة الصلبة التي تشكّلت فيها فصائل العمل المسلح المناوئين للاستعمار البريطاني وحلفائه المحليين، لتنطلق شرارة ثورة الـ14 من أكتوبر المجيدة من جبال ردفان، معلنةً تحرير الجنوب من جحافل الاستعمار البريطاني حتى رحل، ثم عملت على توحيد كافة السلطنات والمشيخات تحت مسمى واحد، عرف لاحقًا باسم "جمهورية اليمن الديمقراطية" حتى تحققت وحدة الشطرين الجنوبي والشمالي في الثاني والعشرين من مايو في العام 1990".


•••

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English