أمهات ينتظرن عودة أبنائهن في العيد

الحرب تشتت اليمنيين وتضاعف معاناة الفراق
مبارك اليوسفي
May 12, 2021

أمهات ينتظرن عودة أبنائهن في العيد

الحرب تشتت اليمنيين وتضاعف معاناة الفراق
مبارك اليوسفي
May 12, 2021
مسنة بجانبها بقايا المقذوفات التي سقطت على منزلها في حي الزهراء – تعز – تصوير: حمزة مصطفى - © خيوط

على عتبة باب منزلها القديم تقف نعمة أحمد (50 سنة)، تنتظر عودة ابنها الغائب عن القرية للعام الثالث، تنتظر بشغف وهي تراقب وتتفحص العائدين من المدن علها تجد ابنها لكن دون فائدة، إذ تسكن نعمة في إحدى القرى النائية غربي محافظة إب وسط اليمن، بينما يعمل ابنها محمد في محافظة حضرموت شرقي البلاد.

تقول نعمة لـ"خيوط" إنها تنتظر عودة ابنها بفارغ الصبر، وتصف شعورها عندما ترى نساء القرية يستقبلن أبنائهن في العيد بالأسى، وبحسرة شديدة تسبقها رغبة البكاء تؤكد أن العيد بالنسبة لها هو أن يعود ابنها لا أن يأتي العيد وهي وحيدة.

نعمة ليست الوحيدة التي تنتظر عودة ابنها بفارغ الصبر، بل هناك نساء كُثر في القرية تقف الحرب والظروف الصعبة أمام أبنائهن سدًّا منيعًا وتمنعهم من العودة إلى قراهم، إذ تسببت الاشتباكات المسلحة بين أطراف الصراع الحاصل منذ مارس/ آذار 2015، بقطع الطرق الرئيسية بين المدن وتقسيم البلد بين طرفي الحرب الحكومة المعترف بها دوليًّا وأنصار الله (الحوثيين).

وأصبح التنقل بين المدن أمرًا صعبًا للغاية، حيث لجأ الكثير من المسافرين إلى اجتياز طرق فرعية طويلة جدًّا من أجل العبور إلى الطرف الآخر، لكن النقاط الأمنية والثكنات العسكرية المنتشرة تشكل عائقًا أمام الكثير من المسافرين، بالإضافة إلى أن عبور هذه المناطق قد يتسبب بعرقلة الكثير واقتيادهم إلى السجون في معظم الأحيان.

 تكاليف باهظة 

لم يستطع محمد أمين السفر إلى القرية بسبب الطريق الطويل وتكاليف السفر المرتفعة والتي تصل إلى الضعف خلال فترة الأعياد مقارنة بالأيام العادية، ويقول محمد لـ"خيوط"، والذي يعمل في مطعم شعبي بمحافظة حضرموت، إن ما يكسبه من عمله يرسل جزءًا كبيرًا منه إلى والدته، بعد استقطاع رسوم الحوالة التي ارتفعت إلى 40%.

يعتبر العيد مناسبة سعيدة تلم شمل الأسر واجتماع الأهل والأقارب، ويعود كل الأبناء من المدن إلى القرى والمناطق الريفية لقضاء أيام العيد بين أهلهم وذويهم، لكن الحرب الدائرة في البلاد منذ ست سنوات، جعلت الفرحة باهتة في معظم منازل الأرياف اليمنية، التي لم يعد يسكنها سوى كبار السن والأطفال

ويرجع سبب ذلك إلى ارتفاع سعر الصرف في مناطق الحكومة المعترف بها دوليًّا، مقارنة بسعره في مناطق سيطرة أنصار الله (الحوثيين)، بالتالي فهو لا يستطيع توفير أي مبلغ مالي من أجل السفر إلى القرية لزيارة والدته وأقاربه.

وتعتبر إجازة عيدي الفطر والأضحى فرصة ثمينة للكثير من الأمهات الساكنات في القرى والأرياف من أجل لقاء أبنائهن، وفي هذه الأيام تجد على عتبات الأبواب أو أسطح المنازل الكثير من الأمهات يتفقدن المسافرين القادمين إلى القرى علهن يجدن أبناءهن بينهم، لكن هذا العيد يبدو أنه الأصعب عليهن.

"المشاقر" ذبلت

على الطرف الآخر من القرية التابعة لمحافظة إب، تجلس فاطمة عبده (46 سنة) على زاوية في سطح منزلها اتخذت منها مكانًا للراحة ورش الماء على مشاقرها خشية أن تذبل.

يبدو على ملامح فاطمة الذبول والشيخوخة التي بدأت تتسل إلى جسدها النحيل مبكرًا، وتقول في حديثها لـ"خيوط" إن ابنها منذُ بداية الحرب لم يعد إلى القرية، وذلك بسبب طول المسافة والطرق التي أصبحت خطرة. وتدعو هذه المرأة التي تعاني فراق ابنها إلى ضرورة وقف الحرب؛ لكي يعود ابنها من غربته سالمًا.

ويعتبر العيد مناسبة سعيدة تلم شمل الأسر واجتماع الأهل والأقارب، ويعود كل الأبناء من المدن إلى القرى والمناطق الريفية لقضاء أيام العيد بين أهلهم وذويهم، لكن الحرب الدائرة في البلاد منذ ست سنوات جعلت الفرحة باهتة في معظم منازل الأرياف اليمنية التي لم يعد يسكنها سوى كبار السن والأطفال.

وتظل الأمهات تعتني بالمشاقر طوال العام حتى يعود أبناؤهن من مناطق ومدن الاغتراب ليهدِينَهم ويزيننهم بالمشاقر ذات الرائحة الزكية، لكن المشاقر شاخت وذبلت ولم يعد ابن فاطمة بعد.

من جانبه، يقول أنور الصلوي الذي يقضي العام الخامس في صنعاء بعيدًا عن أهله وأسرته، إن السفر إلى قريته الواقعة في محافظة تعز الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دوليًّا أمرًا صعبًا للغاية، إذ أصبح يحتاج إلى أكثر من 20 ساعة يقضيها في السفر حتى يصل إلى المدينة، وساعات أخرى طويلة من أجل السفر إلى القرية، ناهيك عما قد يتعرض له من انتهاكات في الطرقات أثناء سفره. ويضيف في حديثه لـ"خيوط"، أن تهمة الانتماء لطرف معين من أطراف الصراع يطاردهم أينما حلوا.

وحتى سنوات قريبة كان يعتمد أهالي القرى على الزراعة من أجل توفير قوتهم الضروري، ولكنهم في الأعوام الماضية وبسبب انخفاض سقوط الأمطار اتجهوا إلى المدن من أجل العمل أو مواصلة تعليمهم. ويسكن المدن اليمنية الكثير من الأشخاص الذين تعود أصولهم إلى القرى البعيدة عن المدن، إذ تعتبر اليمن مجتمعًا ريفيًّا بنسبة كبيرة، رغم توسع وازدهار كثير من المدن التي يغلب على ساكنيها القادمين من الأرياف.

انتهاكات السفر

يتعرض المسافرون بين المدن اليمنية للكثير من الانتهاكات أثناء سفرهم من قبل أطراف الصراع التي سلبت حقهم في التنقل الآمن، لا سيما في مناطق التماس بين الأطراف المتصارعة.

ويشكو كثير من المسافرين من تعسف النقاط الأمنية على خط سير "الحوبان – الدمنة" شرقي تعز، وهي طريق وعرة وطويلة محاطة بمناطق جبلية خطرة وأماكن لمجرى سيول الأمطار، والتي تزيد من خطورة الطريق التي اتخذها المسافرون طريقًا بديلًا منذ إغلاق الطريق الرئيسي من الحوبان إلى داخل مدينة تعز نهاية 2016. ويؤكد الصلوي أن ذلك جعله يعزف عن السفر طوال الأعوام الماضية.

عودة هؤلاء المغتربين عن قراهم بسبب الفقر والحرب والبحث عن لقمة العيش، قد يشكل في مناسبة العيد بهجة كبيرة لأمهاتهم وأسرهم التي تنتظر عودتهم بفارغ الصبر، وهو حلم تعيش عليه كثير من الأمهات في المناطق الريفية مرهونٌ بشكل كبير بتوقف الحرب.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English