قصة صعود المخا وانهيارها

كيف أدى بروز عدن والحديدة لتلاشي عصرها الذهبي؟!
February 17, 2021

قصة صعود المخا وانهيارها

كيف أدى بروز عدن والحديدة لتلاشي عصرها الذهبي؟!
February 17, 2021

نانسي أوم

أكاديمية أمريكية بجامعة بينغهامتون - نيويورك

ترجمة: ربيع ردمان 


في عام 1538 مُنِي العثمانيون بفشل كبير أثناء صراعهم مع البرتغاليين من أجل السيطرة على الساحل الغربي للهند، وبدوره شكّل هذا الحدث بداية الصعود والمكانة البارزة التي احتلتها مدينة المخا، فقد دفع هذا الفشل الأتراك إلى تعزيز سيطرتهم على الأراضي المطلة على البحر الأحمر. ثم نجحَت القوات التركية في ضم أجزاء من سواحل اليمن ومناطقها السهلية إلى السيادة العثمانية واستمرت في التوسع وضم المناطق الداخلية. خلال القرن الذي احتل فيه العثمانيون اليمن (1538–1635)، كان ميناء المخا بمنزلة موطئ قدم رئيسي للأتراك على البحر الأحمر، ومركزًا إدرايًّا وتجاريًّا ونقطة اتصالات رئيسية، بالإضافة إلى أن الميناء أصبح محطة رئيسية لهم للتوغل في المناطق اليمنية صعودًا والعودة إليها. يتوافر لدينا نوعان من الأدلة للتأكيد على مكانة المخا بوصفها مركزًا إقليميًّا عثمانيًّا في القرن السادس عشر، يضم الكثير من الموارد والسكان والمرافق؛ الأول عُملة نحاسية تم سكها في مدينة المخا في عام 970هـ/ 1562–1563م، والثاني مصدر عربي مجهول النسبة يعود إلى عام 1005هـ/ 1597م يصف فيه مؤلفه تراجع ميناء عدن وصعود المخا كميناء مركزي لليمن على البحر الأحمر.

شهدتْ مدينة المخا أثناء إدارة العثمانيين وصولَ التجار الأوروبيين إلى ساحل اليمن على البحر الأحمر، كان قدوم الإنجليز أولًا في عام 1609، ثم جاء الهولنديون في عام 1616. وقد تولّد عن هذا الوجود الأوروبي عدد كبير من رسائل التجار وروايات الرحالة ومشاهداتهم، وهو ما شكل وفرةً كبيرة في الوثائق التاريخية الخاصة بالمخا. تكشف هذه الروايات المبكرة عن إمكانات كبيرة وأرباح طائلة لتجارة الأوربيين مع المخا، لكنها تشهد أيضًا على الصعوبات التي حالت دون إقامة وجود دائم للشركات الغربية في الميناء الذي كانت تسيطر عليه الدولة العثمانية. على سبيل المثال، اضطر التاجران الأدميرال هنري ميدلتون في عام 1610، وبيتر فان دن بروك في عام 1616، إلى القيام برحلة طويلة إلى مركز الحكم في صنعاء من أجل الحصول على موافقة الحاكم العثماني لمزاولة التجارة، وقد كُبِّل ميدلتون بالقيود بوصفه سجينًا أثناء رحلته إلى صنعاء بدلًا من معاملته باحترام كممثل تجاري. خلاصة القول: إن توفر الوثائق منذ النصف الأول من القرن السابع عشر قد جعل مدينة المخا في متناول يد المؤرخين، كما يتضح من الدراسات العديدة التي نشرها المؤرخ سيس برويرCees Brouwer  اعتمادًا على سجلات شركة الهند الشرقية الهولندية (Verenigde Oostindische Compagnie).

بحلول منتصف القرن التاسع عشر، كانت عملية إعادة التموضع للمناطق الساحلية في ظل سيطرة البريطانيين والعثمانيين سببًا في أفول مكانة المخا من ميناء دولي بارز إلى ميناء يعتمد على ما يفيض عن ميناء عدن في جنوب البلاد وميناء الحديدة في الشمال منها

نتيجة المعارضة الشرسة التي أبداها الأئمة القاسميون، فقد تم طرد العثمانيين في البداية من مناطق المرتفعات اليمنية، ثم من الموانئ في عام 1635. وكان جلاء العثمانيين إيذانًا ببدء الفترة التي عرفت لدى مؤرخي اليمن بـ"مرحلة الاستقلال الأول من العثمانيين". في السنوات اللاحقة، وتحت قيادة الإمام القاسمي الثالث؛ المتوكل إسماعيل (حكم 1644–1676)، تم إخضاع جنوب شبه الجزيرة العربية بالكامل لسيطرة القاسميين، بما في ذلك حضرموت، المنطقة الجنوبية الشرقية من اليمن التي تمتد على طول البحر العربي. ولم يؤدِّ هذا الاتساع في رقعة السلطة إلى إحداث تغير في المكانة التي كان يحتلها ميناء المخا، فقد ظل استخدامه كميناء رئيسي على البحر الأحمر. وخلال هذه السنوات، عُيِّن نخبة من الولاة، وكثير منهم كانوا ينتمون إلى صفوة العائلات الزيدية البارزة، وذلك لإدارة الميناء وضمان تدفق الإيرادات من المخا إلى المراكز الجبلية الداخلية، مقر السُّلالة القاسمية. لقد ساعدت خزانة المخا على توفير الموارد اللازمة للمحافظة على دعائم السلم داخل كيان السُّلالة القاسمية، وخاصة في تمويل جيش الإمام للسيطرة على اضطرابات القبائل وكبح جماح أيّ معارضة لحكمه. ورغم أن النشاط التجاري في المخا كان يتعرض أحيانًا للتوقف بسبب القرصنة في الميناء والبحار المجاورة، فقد كان القرنُ السابع عشر، في أعقاب جلاء العثمانيين، زمنَ المكاسب الاقتصادية العظيمة للميناء. وقد ظهرتْ على شاطئ المخا العديد من الشخصيات البارزة أثناء رحلة حجها إلى مكة والمدينة، أمثال: باري ساهيبا الملكة الأرملة لمملكة بيجابور الهندية، وسلطان أوزبكي من كاشغر.

وعلى عكس القرن السابع عشر، حيث كانت المؤسسات التجارية الإنجليزية والهولندية تعمل بشكلٍ متقطع، تميزت المخا في النصف الأول من القرن الثامن عشر بوجود شركات أوروبية مستقرة في الميناء، وفي مقدمتها الشركات الإنجليزية والهولندية والفرنسية. كما كانت تظهر بعض الشركات بشكل غير دوري، كشركة الهند الشرقية أوستند [الكندية] وشركة الهند الشرقية السويدية، وبدأ التجار الأمريكيون يظهرون في ميناء المخا مع أواخر القرن الثامن عشر. بحلول ذلك الوقت، تضاءلت الهيمنة البحرية البرتغالية في غرب المحيط الهندي. وكان ظهور سفينة برتغالية في مايو 1706 لطلب امتياز التجارة في المخا باعثًا لدهشة حاكم المخا، الذي ادَّعى أنه قد مر أربعة وثلاثون عامًا منذ آخر اتصال للبرتغاليين بالميناء.

ونظرًا لاستقرار الأوروبيين، كسكان مقيمين حافظوا على وجود دائم لمؤسساتهم التجارية وقضوا فصل الشتاء في الميناء، فقد لعبوا دورًا واضحًا في تجارة المدينة إلى جانب جماعة التجار الأساسية من العرب والهنود. كما لعبوا دورًا رئيسيًّا في تسجيل الأحداث التي شهدتها المدينة. الواقع أن قصة المدينة كثيرًا ما تُروى من خلال عيون هؤلاء الأوروبيين وهم يتسابقون إلى مدينة بيت الفقيه لشراء بالات البُنّ التي كان يتم تصديرها من ميناء المخا إلى أوروبا. وتخبرنا الوثائق الأوروبية أن تجارة المدينة قد تأثرت بشكل كبير بالصراعات التي كانت تجري في مناطق الهضبة، خاصة تلك التي كان يشعلها المتنافسون على الإمامة، مثل محمد بن إسحاق بن الإمام المهدي أحمد في عشرينيات القرن الثامن عشر بالإضافة إلى تمرد بعض فصائل قبائل الهضبة. كما كان يتهدد المدينة واستقرار نشاطها التجاري مخاطر أخرى، مصدرها البحر. ففي عام 1737 وصلت إلى ميناء المخا [أربع] سفن حربية فرنسية تابعة لشركة الهند الشرقية الفرنسية، مطالبةً حاكم المدينة بتعويضات للانتهاكات التي طالت المعاهدة التجارية الأولى التي أبرمها الفرنسيون مع حاكم المدينة في [16 يناير] عام 1709. وبعد أن قام الفرنسيون بقصف المدينة واحتجاز رهائن [قُتل في معركة الاقتحام، ثمانون جنديًّا يمنيًّا، وجُرح العشرات] فرضوا على اليمنيين إعادة التفاوض [وإبرام معاهدة جديدة مجحفة بحق اليمنيين]، واسترداد الرسوم والضرائب التي كانوا قد دفعوها كمبالغ زائدة في مواسم التجارة السابقة.

تشير بداية القرن التاسع عشر إلى نهاية سيطرة المخا الاستراتيجية على تجارة اليمن في المحيط الهندي. وقد يُعزى التراجع في تجارة المدينة إلى مشاكل مرتبطة بالبلاط القاسمي، وخاصة في عهد الإمام المنصور علي (حكم من عام 1775 إلى 1809)، حيث أدى تمرد قبائل الهضبة وانتفاضة الطوائف في المناطق الأخرى إلى إضعاف سيطرة القاسميين على مناطق حكمهم. ففي المناطق السهلية، تحَاَلفَ الزعماء المحليون، كالأمير أبو نقطة الرفيدي والشريف حمود بن محمد الملقب بأبي مسمار مع الحركة الوهابية المتنامية، وأسسوا ممالك منفصلة في منطقة تهامة، وهي المناطق المنخفضة على طول الساحل الغربي لليمن. وقد وفرت هذه المشاكل في الإقليم الذريعة لظهور مطالبات عثمانية بالعودة إلى هذه المناطق خاصة بعد أن بدأ محمد علي باشا والي مصر في عام 1811، حملاته المناهضة للوهابية في منطقة الحجاز، على طول ساحل البحر الأحمر، فيما يُعرف الآن بالمملكة العربية السعودية الحديثة. وفي عام 1832 هاجم ضابط عثماني اشتهر باسم تركجه بيلمز مدينة المخا فدمر الجزء الجنوبي من المدينة.

على الرغم من أنه سرعان ما تم القضاء على تدخل تركجه بيلمز وطرده من المخا إلا أن محاولة استيلائه على سواحل اليمن كان بمثابة إرهاص بعودة النفوذ التركي إلى المنطقة. وقد عادت المخا والمناطق السهلية إلى سيطرة العثمانيين في عام 1849، ثم تلتها صنعاء عام 1872. خلال هذا الاحتلال الثاني، تخلى العثمانيون عن المخا كقاعدة بحرية واختاروا ميناء الحديدة كمقر لإقامتهم. وفي عام 1839 احتلّ البريطانيون عدن، وقد جاء هذا الاختيار على فرضية استخدام مينائها كمحطة للتزود بالفحم بين بومباي والسويس. كما رأوا في عدن محطة توقف مناسبة على طريق البريد في المحيط الهندي. وقد كان من نتائج هذا التدخل البريطاني إعادة تنشيط عدن واستعادة مكانتها لتكون موطئ قدم استراتيجي لهم في شبه الجزيرة العربية. وفي حين كان يتم بناء عدن وتحديثها على أيدي البريطانيين، بقيت المخا تحت وصاية حكام المقاطعات العثمانيين المؤقتين.

بحلول منتصف القرن التاسع عشر، كانت عملية إعادة التموضع للمناطق الساحلية في ظل سيطرة البريطانيين والعثمانيين سببًا في أفول مكانة المخا من ميناء دولي بارز إلى ميناء يعتمد على ما يفيض عن ميناء عدن في جنوب البلاد وميناء الحديدة في الشمال منها. وقد سجّل الكاتب أحمد بن محمد الجرادي الذي رافق المصور الألماني هيرمان بورشاردت في رحلته إلى مدينة المخا عام 1909، حالة الميناء المتهالكة وتناقص عدد سكان المدينة. ترافقت المرحلة الأخيرة من الانحدار البنيوي للمخا مع الحرب التركية الإيطالية في عامي 1911 و1912، عندما قصفت القوات الإيطالية المخا ودمرت الجامع الكبير في وسط المدينة. حاول الإمام أحمد في عام 1950 إعادة إحياء المخا كمنفذ بحري مناسب لتعز مقر سلطته من خلال بناء ميناء جديد وحديث جنوب المدينة. ولكن محاولاته لم تحدث فارقًا كبيرًا؛ لأن المخا لم تعد متوافقة مع مقاييس الشهرة العالمية التي اكتسبتها عدن مؤخرًا. لقد تلاشى العصر الذهبي للمخا كلاعب في تجارة المحيط الهندي في غياهب الماضي.


•••

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English