ضحايا الأخطاء الطبية في محافظة إب

نكسة طفل و"شاش" في أحشاء مريضة وغيبوبة بعد نزلة معوية
هاني أحمد أبو أصبع
September 27, 2021

ضحايا الأخطاء الطبية في محافظة إب

نكسة طفل و"شاش" في أحشاء مريضة وغيبوبة بعد نزلة معوية
هاني أحمد أبو أصبع
September 27, 2021

يعيش أبناء محافظة إب بمنأى عن أهوال الحرب والاشتباكات المباشرة والاقتتال اليومي وما يخلفه من قتلى وجرحى ودمار يطال الممتلكات العامة والخاصة، لكن هذه الأفضلية لا تعني أنهم ينعمون بحياة رغدة تتوافر فيها مقومات الحياة الطبيعية وإن بحدودها الدنيا حيث وأن آثار الحرب على الحياة الاجتماعية والاقتصادية والخدمية لا تنحصر مطلقاً على جغرافيا المعارك فقط، إذ تمتد وتتغول على كل جغرافيا الوطن.

وقد كان للحرب الدائرة في اليمن منذ أكثر من ست سنوات الكثير من الآثار الكارثية على محافظة إب، وعلى حياة الناس فيها، ومن بين هذه الآثار المدمرة -والتي سيرصد هذا التقرير بعضها- تلك التي طالت القطاع الصحي بشقيه الحكومي والخاص، ونجم عنها العديد من المآسى الدامية والمؤلمة التي راح ضحية لها مواطنون بسطاء قصدوا المستشفيات للطبابة فتحولوا إلى أرقام في سجل الأخطاء الطبية.

من المعروف أن الحرب تسببت بهجرة الكثير من الكوادر الطبية إلى الخارج، كما أن الأزمة الاقتصادية وانقطاع الرواتب دفع من تبقى منهم إلى التوجه للعمل في القطاع الخاص والانقطاع التام أو الجزئي عن وظائفهم في المستشفيات والمراكز الحكومية التي يقصدها معظم أبناء المحافظة.

نسوا في أحشائها "شاشاً"

سلامة صالح عبده من أهالي وصاب الأسفل محافظة ذمار قصة معاناة لا نهاية لها. أسعفت سلامة البالغة من العمر 50 سنة إلى مستشفى الرجاء مديرية الظهار محافظة إب بسبب نزيف بسيط، فاستأصل الأطباء رحمها ونسوا في بطنها قطعة "شاش". 

بعد عشرين يوماً وسعياً منهم لتصويب خطأهم السابق، ارتكب الأطباء خطأ آخر عندما أجروا لها عملية لاستخراج قطعة "الشاش"، دون موافقة ذويها، ما تسبب لها أثناء إخراجهم للـ"شاش" بتمزق في الأمعاء.

تتكرر الأخطاء الطبية في المستشفيات الحكومية والخاصة وتتنوع كنتيجة حتمية لغياب الدور الرقابي لوزارة الصحة في سلطة الأمر الواقع بصنعاء -أنصار الله (الحوثيين)- ومكاتبها في المحافظات والمديريات، كما أن موقف الوزارة ومكاتبها في بعض القضايا التي تم إثارتها عبر نشطاء في مواقع التواصل الإجتماعي مخيبة للآمال، وتصل أحياناً إلى حد التواطؤ.

يقول  فؤاد سعيد عبده (إبن الضحية سلامة) لـ"خيوط"، "في سبتمبر/ أيلول من العام الماضي أصيبت والدتي بنزيف بسيط قمت على إثره بإسعافها إلى أحد مستشفيات الجراحي محافظة الحديدة، لكن المستشفى وبسبب ضعف إمكانياته أشار علي بنقلها إلى محافظة إب وهذا ما قمت به".

في مستشفى تخصصي كائن في شارع العدين مديرية الظهار بمحافظة إب وسط اليمن، حيث أوصل فؤاد والدته للعلاج، أجرى الأطباء عملية استئصال للرحم، وظلت في قسم رقود الجراحة لمدة 14 يومًا، قبل أن يقرر الأطباء أخيراً السماح بإخراجها.

أخذ فؤاد والدته وقفل عائداً معها إلى قريته وصاب الأسفل، محافظة ذمار. كانت السعادة تحفه من كل جانب بنجاح العملية ووضع نهاية لآلام والدته ولم يكن على علم بأن الآلام ستتضاعف، والشقاء سيبدأ دورة جديدة، جراء نسيان الطبيب الجراح ومساعديه قطعة شاش سيثبت مع قادم الأيام بأنها كانت بمثابة قنبلة موقوتة.

يتابع فؤاد، "ما أن وصلنا إلى المنزل حتى بدأت الشكوى من آلالام حادة أسفل بطنها أكبر من تلك التي شعرت بها قبل العملية، ومع اشتداد الألم كان الاعتقاد أنه بسبب خيط العملية، تم نقلها إلى أحد مستشفيات الجراحي حيث قاموا بفك خيط العملية لكن دون فائدة.

كانت أمي تتألم ويعلو أنينها يوماً إثر يوم ويعتصر قلبي. لم أدر ماذا أفعل لها، فقررت إعادتها إلى مستشفى الرجاء حيث أجريت لها العملية لمعرفة أسباب تدهور صحتها، وهذا ما تم".

عادت سلامة إلى المستشفى الذي أجرى لها العملية الجراحية، حيث ظلت مرقّدة هناك ثمانية أيام دون أن يفعل الأطباء لها شيئاً غير تزويدها بالمهدئات. ورغم طلب فؤاد -ابنها- من الأطباء وإلحاحه عليهم إخضاعها لفحوصات وكشافة لمعرفة سبب الألم المتنامي والقيح لكن جميعهم كانوا يردون  بالإجابة ذاتها: "أمك بخير وفي أحسن أحوالها".

في صباح اليوم التاسع انتهز فؤاد فرصة السماح لوالدته بالخروج إلى السوق، للقيام بعمل فحص على الجهاز تلفزيوني لوالدته، أظهر الفحص وجود جسم غريب غير معروف مما اضطره لعمل أشعة مقطعية وضحت ماهية الشيء الغريب، لكن الطبيب رفض تسميته لفؤاد رغم استفساره منه الأمر الذي أثار شكوكه ومخاوفه بأن والدته مصابة بالسرطان.

يقول فؤاد: "أعدت أمي إلى المستشفى وعدت من فوري إلى الطبيب الذي أجرى لها الكشافة المحورية. توسلته وأنا بالكاد أتمالك دموعي أن يخبرني بماهية الجسم الغريب، فأخبرني بعد أن ألححت عليه بأنه قطعة شاش نساها الجراح. غامت الدنيا في وجهي ولم أدري إن كنتُ في سماء أم أرض".

عاد فؤاد إلى المستشفى وعرض عليهم الجهاز والأشعة، فتعهد له أحد الشركاء أنهم سيتكفلون بكافة تكاليف العلاج وطلب منه أن يتمالك أعصابه وأن يهدأ. وبعد عشرين دقيقة عاد فيها فؤاد إلى قسم الرقود ولم يجد والداته في الغرفة، وعندما بحث عنها أخبره أحد العاملين بأنها تخضع لفحوصات في قسم العمليات.

كانت المفاجأة بأنهم لم يجروا فحوصات لها وإنما أخضعوها لعملية، بدون موافقة أبنها، لاستخراج الشاش الذي نسوه هناك، أسفرت العملية عن خطأ آخر أكبر منه وأخطر فعندما قاموا باستخراج الشاش لم يراعِ الجراح ومساعدوه بأن الشاش قد التصق بالأمعاء مما أدى إلى تمزق في أمعاء المريضة.

يضيف فؤاد أنه تواصل مع أغلب المستشفيات الخاصة في إب بغية نقل والدته لتلقي العلاج في إحداها لكنهم رفضوا استقبالها بحجة أنها تعرضت لأخطاء كثيرة، ولا يمكنهم قبولها ومعالجتها".

ويؤكد تقدمه بشكوى إلى مدير عام مكتب الصحة في المحافظة، فخيره بين أن يقوم بتحويلها إلى اللجنة الطبية أو أن يتدخل بنفسه للصلح بينه وبين المستشفى، لكن فؤاد اختار أن يحول الشكوى إلى اللجنة الطبية.

رفض رئيس اللجنة الشكوى ونصح فؤاد أن يتفاهم مع إدارة مستشفى، لأن الشكوى ستحال إلى النيابة ومتابعة القضية يحتاج إلى مصاريف كثيرة لن يقدر عليها، لكن فؤاد أصر على الشكوى.

يواصل فؤاد حديثة: "ظلوا يتلاعبون بي لأني فقير وعديم الحيلة، متجاهلين حجم الكارثة التي تسبب بها المستشفى".

معظم أعضاء اللجنة الطبية في محافظة إب أطباء يعملون في مستشفيات خاصة وحكومية، وكما أن اثنين منهما يديران مستشفيين حكوميين في المحافظة، الأمر الذي يضع تساؤلات عدة حول تفاعلهما وتجاوبهما مع القضايا التي تصلهم.

بعد أن تقطعت به السبل وانسدت كل الأبواب أمامه، اضطر بسبب فقره وقلة حيلته كما يقول، إلى الرضوخ والقبول بمبلغ التعويض البالغ 750 ألف ريال، ولم يستلم منها سوى  250 ألف ريال.

هذا الاتفاق قام به أحد مشائخ منطقة وصاب الذي استدعاه فؤاد ليستند عليه، لكن الشيخ عقد اتفاق مع المستشفى وألزم فؤاد بقبوله".

لم يكن أمام فؤاد ووالدته سوى العودة إلى قريتهم في وصاب منتصف شهر ديسمبر/ كانون الأول 2020، والقبول بالأمر الواقع الذي أفضى في الأخير إلى قطع أجزاء من أمعاء والداته حاكمين عليها إلى الأبد أن تتبرز عبر فتحة استحدثوها في خاصرتها.

قطع حشفة طفل

تتكرر الأخطاء الطبية في المستشفيات الحكومية والخاصة وتتنوع كنتيجة حتمية لغياب الدور الرقابي لوزارة الصحة في سلطة الأمر الواقع بصنعاء أنصار الله (الحوثيين) ومكاتبها في المحافظات والمديريات، كما أن موقف الوزارة ومكاتبها في بعض القضايا التي تم إثارتها عبر نشطاء في مواقع التواصل الإجتماعي مخيبة للآمال، وتصل أحياناً إلى حد التواطؤ، وهو ما يمكن فهمه من تجاهلها للشكاوى التي تصلها وتمييعها لبعضها، الأمر الذي يدفع ذوي الضحايا إلى التنازل عن قضاياهم المرفوعة ضد المستشفيات والقبول بالصلح والتسويات خارج مؤسسة القضاء.

الطفل محمد إدريس عبدالرحمن مارش مُفرح المولود في 23 سبتمبر/ أيلول 2020 في قرية حُصة، عزلة الأخماس، مديرية فرع العدين محافظة إب، ضحية لخطأ طبي من قبل فني تخدير في المركز الصحي للمديرية.

تجري العادة في اليمن وعموم البلاد العربية والإسلامية على ختانة المواليد الذكور في نهاية الأسبوع الأول لميلادهم، وهذا بالضبط ما قامت به والدة الطفل محمد إدريس التي أخذت مولودها بصبحة شقيقها عيسى سالم وخالها أحمد نائف إلى أحد المستشفيات الذي يبعد عن قريتها بأكثر من ١٥ كيلومتر.

تحتل مديرية فرع العدين مساحة 373 كيلومتر مربع ويقطنها حوالي 89011 ألف نسمة بحسب التعداد العام للسكان عام 2004، ورغم هذه الكثافة السكانية إلا أن المديرية تحتوي على مرفقين صحيين فقط، هما مستشفى الوزيرة ويقع في مركز المديرية وهو مغلق منذ عشر سنوات، ومستشفى المزاحن ويقع في أطراف المديرية الشمالية الغربية، ويعد بذلك أقرب إلى مديرية العدين منها إلى مديرية فرع العدين.

بعد قطعهم أكثر من 15 كيلومتر على متن سيارة أجرة اجتازت أراضٍ جبلية وعرة وطرق غير معبدة، وصلت الأم وطفلها إلى المستشفى الريفي دون أن تدري أن تلك الرحلة الشاقة التي قطعتها في ذلك اليوم ستكون بمثابة استهلال في سفر مظن ومؤلم ينتظرها وطفلها، حيث قام فني تخدير بعملية الختانة، وليس أخصائي الجراحة المقيم في المشفى. عوضا عن استئصاله للجلد المحيط برأس العضو الذكري للطفل قام الفني بقطع الرأس (الحشفة) بأكمله، وكي الجرح بغرض إيقاف النزيف.

كان ماجد شاباً ناجحاً في حياته العملية حيث كان يعمل مديراً لفرع إحدى شركات الاتصالات في إب، كما كان ينعم بحياة عائلية مستقرة مع زوجته وأطفالهما الأربعة، لكن كل ذلك تغير في ليلة شتوية مشؤومة قبل نحو ثلاثة أعوام  شعر فيها ماجد بمغص معوي حاد، فأسعف نفسه إلى مستشفى لتلقي العلاج فتلقى إبرة أدخلته في غيبوبة عميقة.

لم يكن المخدر ومساعديه على علم بأنهم لم يرتكبوا خطأ طبياً واحداً وحسب؛ والمتمثل بقطع رأس العضو الذكرى للطفل، بل تسببوا بانسداد مجرى البول عندما قاموا بكي الجرح لوقف النزيف.

رحلة معاناة مضنية

في صباح الجمعة الثاني من أكتوبر/ تشرين الأول أخذت الأم طفلها إلى المستشفى بعد أن قامت بنزع الشاش ببطء وهالها ما رأته من تقيح مكان الجرح، لكنها لم تجد في أيا من أقسامه أحدا ممن شاركوا في ختانة ولدها وتسببوا له بتلك العاهة، بل وجدت أخصائي الجراحة العامة الذي كان يفترض أن يقوم هو بعملية الختانة. قام الطبيب بمعاينة الطفل بعد أن شرحت له الأم كل ما حدث، وكان كل ما قام به هو استخدام ملقط لرفع العضو المبتور وتصويره والاستغراق بالحديث مع أناس آخرين متجاهلاً أسئلة الأم عما حل بابنها وإمكانية شفائه ورافضاً طلب خال الأم بتحرير مذكرة إحالة للطفل لأيٍّ من مستشفيات مركز المحافظة واكتفى بالقول اشتروا مضاد حيوي وعودوا إلى المنزل.

 يقول عم الطفل محمد إدريس لـ"خيوط": "لم تشعر أم محمد بالاطمئنان ولم يهدأ بالها، فاتجهت من فورها إلى مركز المحافظة حيث كنت في انتظارهم. ومن هناك توجهنا إلى المستشفى التخصصي في مركز محافظة إب لكنه وبسبب افتقار المستشفى لأخصائي جراحة المسالك البولية، فقد قام بإحالتنا إلى مستشفى آخر في مديرية الظهار، حيث تكشفت لنا الحقيقة المؤلمة.

كشف أخصائي جراحة المسالك البولية في هذا المستشفى على ابن أخي، وأفاد بأن عملية الختانة تسببت بقطع عضوه الذكري وأنه مصاب بالعدوى (غرغرينا) تسببت بموت أعضائه التناسلية، وأنه يحتاج إلى مجارحة لإزالة العدوى.

يضيف عم الطفل، "على إثر ذلك تواصلت مع مدير مكتب الصحة بفرع العدين وتقدمت له بشكوى شفهية بما حل بابن أخي فوعد بتحمل كافة تكاليف العمليات الجراحية والأدوية مشترطاً أن يظل الأمر بيننا وألا أبلغ أي شخص أو جهة وهذا ما قمت به، لكن تنصل فيما بعد من هذا الاتفاق".

لم تنتهِ معاناة الطفل محمد إدريس وعائلته هنا؛ فبعد رقوده في المستشفى الواقع بمديرية الظهار لمدة أربعة أيام  تم تحويله إلى مستشفى الدكتور عبدالقادر المتوكل في العاصمة صنعاء لتبدأ صفحة جديدة في مسيرة الألم والمعاناة التي كان سببها التسيب والاستهتار الناجمان عن غياب المعايير والبروتوكولات المنظمة للعمل في القطاع الصحي بشقيه الحكومي والخاص.

أدخل الطفل محمد إدريس مستشفى الدكتور عبد القادر المتوكل مساء الثلاثاء السادس من أكتوبر/ تشرين الأول، وهناك عمل الطبيب على مكافحة العدوى ومنعها من الانتشار. أخضع محمد لعملية جراحية لفتح مجرى البول لكن تعذر على الطبيب إجراء عملية زراعة جلد لذكره وبقية العمليات الأخرى بسبب أن جسده لا يحتمل التخدير، إضافة إلى عجز الأسرة عن توفير تكاليف العمليات والبالغة 635 ألف ريال.

ما يزال محمد بحاجة إلى إجراء عدة عمليات لزراعة الأعضاء (الجلد الميت) وعملية لزراعة الأنسجة لرأس العضو الذكري بالإضافة إلى متابعة حالته، في ظل ظروف صعبة يعيشها والده، المغترب بالسعودية، والذي كان يعمل في أحد فنادق مكة، وأمسى منذُ عام عاطلاً عن العمل بسبب انتشار فيروس كورونا. كما أن زوجته قد باعت كل ما تملكه من ذهب في سبيل استكمال علاج طفلها الذي -للأسف- يبدو أنه ما يزال في بدايته.

بعد السفر لعلاج الطفل في القاهرة تفاجأوا باعتذار الأطباء هناك عن إجراء عملية جراحية لإخراج العضو الذكري لهذا الطفل الضحية، وذلك بسبب أن جسمه لا يحتمل العملية.

معاناة الطفل محمد إدريس ومعاناة عائلته ستستمر عدت سنوات قادمة سبب استهتار وتسيب الكادر الطبي في المستشفى ومكتب الصحة فرع العدين.

نزلة معوية انتهت به إلى غيبوبة

ماجد أحمد مهدي العنسي شاب من أبناء قرية جرانة مديرية بعدان محافظة إب. ويبلغ من العمر اليوم 43 سنة.

كان ماجد شاباً ناجحاً في حياته العملية حيث كان يعمل مديراً لفرع إحدى شركات الاتصالات في إب، كما كان ينعم بحياة عائلية مستقرة مع زوجته وأطفالهما الأربعة، لكن كل ذلك تغير في ليلة شتوية مشؤومة من العام 2017  شعر فيها ماجد بمغص معوي حاد فأسعف نفسه إلى مستشفى لتلقي العلاج، فتلقى إبرة أدخلته في غيبوبة عميقة.

بحسب زوجة المهندس ماجد، شعر ماجد بالغثيان والرغبة في التقيؤ بعد انتهائه من تناول وجبة العشاء مع أصدقائه في أحد مطاعم إب، فأسعف نفسه إلى مستشفى تخصصي في مدينة إب.

أظهرت الفحوصات المخبرية التي قررها طبيب الطوارئ بأن ماجد يعاني نزلة معوية بسبب الاميبيا، وعلى ضوئها تم إعطائه محلول وريدي هدأ ألمه فعاد إلى المنزل".

تفاقمت التقلصات وأصيب ماجد بإسهال وتقيؤ فقامت زوجته بأخذه إلى المستشفى وهناك وصف له أحد الأطباء مغذيات (محاليل وريدية)، وأشار عليهم بضرورة العودة في حال لم تتحسن حالته، وهو ما حدث في ظهيرة اليوم التالي، عندما تلاشى التحسن الذي بدا عليه في صباح اليوم التالي وداهمه الإسهال والتقيؤ من جديد.

غادر ماجد منزله فيما بعد، وهو متأكد من أن ما يعانيه مرض بسيط تسببت به بعض الطفيليات، ولم يخطر  في باله انه في تلك الظهيرة سيكون ضحية خطأ طبي سيحول إلى الأبد بينه وبين العودة إلى زوجته وأطفاله.

عاد ماجد إلى المستشفى مرة أخرى، وقام الطبيب بوضعه  في قسم الطوارئ ووصف له مغذيات وبعض الحقن إلا أن فني الصيدلة في صيدلية المستشفى، أضاف حقنة مخدرة ليست مذكورة في وصفة الطبيب، وعندها بدأت المصيبة التي لم تستيقظ منها هذه الأسرة حتى اليوم".

تقول زوجة ماجد لـ"خيوط"، وضع الممرض المغذية (المحاليل) ثم شرع في ضرب تلك الإبرة في وريد زوجي ببطء وعلى دفعات وفي أول دفعة منها قال له ماجد بأنه يشعر بالدوار وأنه يرى عشرات الأشخاص فطلبت من الصحي إيقاف ضرب الإبرة، لكنه رفض ذلك وفي الدفعة الثانية من الإبرة، بدأ زوجي يغيب عن الوعي ويتمتم بصعوبة وبصوت منخفض".

حاولت الزوجة وفق حديثها، أن تثني الممرض عن إكمال الإبرة لكنه برر تلك الأعراض بأنها ناجمة عن هبوط الضغط وطلب منها تغيير وضعية ماجد (زوجها) الذي كان مستلقيا على ظهره وجعله يستلقي على جانبه الأيمن ففعلت ذلك. لم يكد الممرض أن يخرج نيدل الحقنة من وريد يده إلا وخرجت من فم ماجد رغوة بيضاء.

بعد برهة من الزمن عاد الممرض برفقة ممرض آخر يحمل جهاز الضغط وقاما بقياس الضغط لماجد وهو في حالة فقدان تام للوعي. ودون أن يخبرا الزوجة بشيء شرعا بمحاولة إنعاشه يدوياً فتغير لون وجهه إلى الأسود.

تؤكد الزوجة أنها كانت قد أخذت الإبرة من سلة القمامة وقامت بتصويرها وعرضها على ذلك الممرض الذي حضر مع زميله، وعندما رآها امتقع لونه وهمس في أذن زميله وسؤاله عن سبب استخدامها وعمن قررها له وصرفها؟ خبأ الممرض الإبرة في جيبه فتأكدت أنها إبرة خطيرة، وطلبت منه إعادتها لكنه رفض فقامت كما تقول بأخذها عنوة منه.

نقل ماجد بعد حضور شؤون المرضى وآخرون من الغرفة رقم ٥ إلى العناية المركزة وكان ذلك بعد خمسين دقيقة على تلقيه الإبرة الكارثة.

تقول الزوجة إنها قامت بإعطاء الطبيب الذي وصف لزوجها العلاج، "الفيالة" التي حقنها الممرض له وتسببت بفقدانه للوعي.

تطلع الطبيب للفياله وقال بأنه لم يصفها وركض صاعداً، وهو يصرخ عمن أعطاه هذه الحقنة، حتى وصل إلى العناية المركزة". في العناية المركزة وضع ماجد في سرير مجاور لسرير شخص مصاب بالسل الرئوي، ما تسبب في انتقال العدوى له وتوقفت رئته اليمنى.

تتحدث الزوجة: "طلبت من إخوة زوجي تقديم شكوى بالمستشفى لكنهم رفضوا متعللين بأن ذلك قد يجعلهم يقصرون في معالجته، عندها تقدمت بشكوى إلى مدير مكتب الصحة في المحافظة وحولت القضية إلى النيابة الجزائية".

أبلغ الأطباء زوجة ماجد أن أن زوجها بحاجة إلى منظار للرئتين، وأنهم قد تولوا مهمة التنسيق والحجز مع مستشفى آزال في العاصمة صنعاء لإجراء المنظار ومع مستشفى العلوم والتكنولوجيا لاستقباله ومتابعة حالته بعد عمل المنظار في آزال".

فور وصولهم إلى مستشفى آزال في العاصمة صنعاء تقول الزوجة أن ماجد أدخل إلى العناية المركزة وظل هناك ثلاثة أيام دون أن يتم عمل المنظار لرئتيه، وعندما استفسرت عن السبب أخبروها أن المستشفى الذي قدم منه في إب لم يذكر في ملفه الطبي بأنه بحاجة له.

تابعت الزوجة المستشفى في إب فأقروا عمل المنظار لرئتي زوجها كما أكدوا لها بأنهم حجزوا له في مستشفى العلوم والتكنولوجيا لتلقي العلاج بعد إجرائه للمنظار في مستشفى آزال، إلا أنها عندما تواصلت مع مستشفى العلوم للاستفسار عن رقم الغرفة المحجوزة، تفاجأت بعدم وجود أي حجز باسمه.

تعلل مستشفى بأنه لا يستطيع تحمل تكاليف رقود العناية المركزة في مستشفى آزال، وأخبر الزوجة بأنهم سيعيدون ماجد إلى إب لتلقي العلاج.

بحسب تقرير اللجنة الطبية في إب فإن حالة ماجد لا تسمح له بالسفر، لكن أسرته أصرت على المخاطرة من أجل تبين ما ألم برئتيه.

خلال فترة تواجد ماجد في مستشفى العلوم بصنعاء (الذي دخله للعلاج على نفقة التأمين الصحي لجهة عمله) تواصلت زوجته مع مستشفى في الهند، وبعد شهر من اطلاعهم على التقارير الطبية التي أرسلت لها، أجابوها بأنه يمكن علاجه، لكن في إب رفض المستشفى تحمل حتى نصف التكاليف.

بعد مدة قام هذا المستشفى في إب، دون علم الزوجة بنقل زوجها من مستشفى جامعة العلوم والتكنولوجيا في العاصمة صنعاء إلى شقة تابعة للمستشفى وتقع في إحدى المباني المجاورة له، ومايزال هناك حتى اليوم.

تختتم الزوجة حديثها بالقول: "عندما حول ملف القضية إلى النيابة عتب علي مدير المستشفى في إب أنه من الأفضل لي اعتبار أن زوجي تزحلق في الحمام ودخل في غيبوبة، وأن المفترض بي شكرهم واعتبار أن الغيبوبة ناجمة عن حادث سير تعرض له".

وقع والد ووالدة الشاب ماجد إفادة تخلي مسؤولية المستشفى مما حصل لابنهما لكن ذلك لم يثنِ الزوجة عن متابعة القضية طوال عام وشهرين في النيابة حتى تم تحويلها أخيراً قبل عام ونصف إلى المحكمة التي ماتزال جلساتها، حتى اليوم، منعقدة.


•••
هاني أحمد أبو أصبع

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English