محاكمة المضطربين نفسيًّا.. العدالة المفقودة!

جور القوانين ووطأة المرض
سهير عبدالجبار
April 12, 2022

محاكمة المضطربين نفسيًّا.. العدالة المفقودة!

جور القوانين ووطأة المرض
سهير عبدالجبار
April 12, 2022

مئات المسجونين داخل السجون والإصلاحيات اليمنية بتهم مختلفة، يحكم عليهم بأحكام قد تصل للإعدام، دون النظر لمدى صحة المتهم العقلية من عدمها، إذ إنّ المقياس الوحيد هو وجهة نظر القاضي الانطباعية فقط.

إذ تنص المادة رقم (105) من قانون العقوبات للبالغين أن القاضي هو من يقرر صحة أو مرض المتهم (المشكوك في صحته العقلية)، ففي حال ثبّت للقاضي من خلال محامي المتهم بالدلائل أنّ المتهم فقد عقله أو يعاني العته، فإنه يحيله لمشرف مع مراعاة حالته النفسية وصحته العقلية، أما في حال شكّ القاضي باختلال المتهم العقلي وبسلامة عقله، فإنه يسأله سؤالًا مركبًا، ليتأكد من ذلك، ويجري عليه ما يجري على الشخص السليم.

القاضي العارف بكل شيء

من جانبه يصف المحامي، وضاح قطيش، وظيفة القاضي في القانون اليمني بـ"العارف بكل شيء"، وقال لـ"خيوط": "أعطى القانون اليمني الأولوية للقاضي في تقييم الجناية، وإدانة أو تبرئة المتهمين من بداية القضية وحتى آخرها".

هناك أمراض نفسية تؤدي إلى اضطرابات سلوكية تجعل صاحبها غير مدرك لأفعاله وسلوكياته حينها، المصابون بهذه الاضطرابات قد لا تظهر عليهم علامات الجنون بشكل مستمر، لكنها مجرد نوبات نفسية تتملكهم بين الحين والآخر؛ الأمر الذي قد لا يدركه القاضي أو يلمسه بالطريقة النظرية الملموسة

ويعزو قطيش هذه المركزية التي مكّنت القاضي من كل مجريات القضية، بما فيها الجانب النفسي إلى وجود قصور في أداء الطب النفسي في اليمن، بسبب النظرة الدونية للطب النفسي، إضافة إلى شحة الكفاءات المتخصصة فيه، علاوة على ارتفاع تكلفة الكشف والاستشارة.

سلوك لا إرادي

يرتكب بعض الأشخاص أفعالًا قد تصل لحد الجريمة بشكل لا إرادي، وبدون وعي، وهو ما أكّدته الدكتورة منى الذبحاني، التي قالت لـ"خيوط"، إنّ هناك إضطرابات نفسية تؤدي إلى تغيرات سلوكية لا يدركها الشخص حينها، مشيرة إلى أنّ المصابين بهذه الاضطرابات قد لا تظهر عليهم علامات واضحة لأيا من الاضطرابات النفسية أو الأمراض العقلية، بل وإن ظهرت فقد تكون نوبات تصيبهم في بعض الأحيان؛ الأمر الذي قد لا يدركه القاضي أو يلمسه بالطريقة النظرية الملموسة أثناء وقت المحاكمة.

من جانبها، تؤكد الأخصائية في علم النفس، الدكتورة أماني عبدالله الشرعبي، لـ"خيوط"، أنّ تمييز هذه الاضطرابات بالطريقة المادية المجردة أشبه بالمستحيل، وتضيف في حديث لـ"خيوط"، "هناك أمراض غير واضحة الأعراض، ومن الصعب تمييزها أو إدراكها؛ كونها تأتي على هيئة اضطرابات نفسية في أوقات متباعدة، قد لا تظهر بعد مرور وقت طويل من حدوث الجريمة، وعليه تتم محاكمة الفاعل، وهو في وضعه الطبيعي، دون النظر لتذبذب هذه الاضطرابات.

وتشير الشرعبي إلى عدم وجود مستشفيات متخصصة بالطب النفسي، هناك مرضى ارتكبوا جرائمهم بلا وعي، ونظرًا لعدم امتلاكهم ملفًا مرَضيًّا، يوضح مدى سلامتهم العقلية، ويبين مراحل خضوعهم للجلسات والكورسات العلاجية منذ بداية اضطرابهم حتى استقرار حالتهم، فإنه يتم حجزهم بالسجن المركزي بمحجر خاص بهم والتعامل معهم وفق رؤية قضائية، لا وفقًا للنظرة الطبية".

مرضى خلف القضبان

تقول الناشطة والأخصائية الاجتماعية، سلمى نهشل، لـ"خيوط": "من النادر أن يتمكن النشطاء والمهتمون الوصول للمصحات الموجودة في السجون، وباعتباري واحدة من المحظوظين الذين استطاعوا الاطلاع على أوضاع السجناء الذين يعانون من اضطرابات نفسية في مصح السجن المركزي بصنعاء عبر مبادرات للبحث في كيفية مساعدة النزلاء خلال فترة الشتاء حتى سنة 2018، بعدها تم منعنا تمامًا من الزيارات والالتقاء بالمرضى النزلاء"، مضيفة: "بحسب اطلاعي خلال الفترة التي تسبق 2018، فإن القدرة الاستيعابية للمصحّة تقدر بحوالي 30 نزيلًا، ومع ذلك فإن العدد الموجود أكبر بكثير لدرجة يتكدّس فيها المرضى، وهو ما يحول دون تلقيهم الاهتمام والرعاية والعلاج بالشكل المطلوب، بل إن التكدس قد يتسبب بوفاة البعض بسبب عدوانية البعض الآخر".

ونتيجة لحالة منع الزيارات التي تفرضها إدارة المصحة، اضطرت "خيوط" إلى التواصل مع أهالي بعض النزلاء بالمصحة، المحكومين بأحكام مختلفة. تقول حنان أحمد (اسم مستعار)، قريبة أحد النزلاء: "كان أخي صاحب مشاكل بالحارة والبيت، وكانت فترة مراهقته مرهقة لنا جميعًا، إذ كانت تصدر عنه أفعال وسلوكيات لا يعقل أن يرتكبها عاقل".

وتستطرد بالقول إن شقيقها اختلف مع صديقه، وقام باستدراجه إلى سطح العمارة، ثم قتله، ومثّل بجثته بطريقة بشعة، إذ كان يمر بحالة "هستيرية" لم يتم إدراكها.

تتابع: "نُقل أخي على إثر هذه الجريمة للنيابة العامة التي وجهت سريعًا بنقله إلى المصحة (مركز رعاية صحية) لاحتجازه هناك، حاله كحال أي سجين، دون الاهتمام بمعالجة سلوكه لمنع أذاه الموجه ضد الناس". "ذات يوم سيخرج أخي رجلًا بالغًا لكنه مريض، حاملًا معه شرارة الأذى والعدوان الذي يتنامى بمرور الوقت"- تضيف.

في السياق ذاته، تقول هناء حسن (اسم مستعار)، قريبة أحد المحتجزين في المصحة (مركز رعاية صحية)، لـ"خيوط": "كان أبي يتكفل برعاية عمي المريض غير القادر على التحدث، لدرجة اعتقد الناس معها أنه أخرس، ولم يكن أحد يعرف أنه مريض نفسي، إلى أن حدثت جريمة قتل واغتصاب لطفلة، تم اتهام عمي بالجريمة".

ونظرًا لوضعه النفسي، تضيف هناء: "لم نستطع أن ندافع عنه أو يدافع عن نفسه، مضت أحداث القضية بتسارع مطرد، عقبها تم إعدام عمي خلال شهور بسيطة، لم نستطع خلالها أن نوكّل له محاميًا أو نثبت أنه يعاني من مرض عقلي".

قصور القوانين العقابية

في المقابل، قد تكون المادتين رقم (104) و(105) من قانون العقوبات، والمادة رقم (79) من قانون الجنايات ثغرة يمكن أن يمرر عبرها الجناة جرائمهم الشنيعة، كما حدث في قضية نوح؛ نهاية ديسمبر/ كانون الأول 2014، عندما أقدم بائع عقيق يمني، يدعى نوح علي اليمني، بإطلاق الرصاص على طفلته قبل رميها من فوق منحدر جبلي بعد تعذيبها بشكل وصفه شهود عيان بالمخيف والوحشي، إثر هذه الجريمة المروعة قام الجاني بتنصيب أكبر المحامين لتبرئته بعد أن كانت قضيته قد شغلت الرأي العام، ليتم تبرأته بعد أن أثبت محاميه للقاضي أنه يعاني من مرض عقلي.

لم يتطور القانون اليمني أو حتى يتم الالتفات للثغرات التي يتضمنها، ومن أهم هذه الثغرات موضوع تعامل القضاء مع المتهمين الذين يعانون من أمراض أو اضطرابات نفسية.

القاضي جمال بن قاسم المصباحي، عضو المحكمة العليا، يؤكد لـ"خيوط"، أنّ اليمن لم تنضمّ إلى قانون لاهاي الذي يوجب ضرورة وجود ملف كامل لأي شخص يقدم للمحاكمة، للتأكد من سلامته النفسية والعقلية، وأن يكون المقدم للمحاكمة بالغًا راشدًا، لا يعاني من أي مظاهر العته والجنون.

في ذات السياق، يقول قطيش إن السبب في عدم مراجعة القوانين ناتج عن جمود القوانين العقابية في اليمن، فمثلًا المادة (33) من قانون العقوبات، تشير إلى الجنون الدائم أو المؤقت أو العاهة العقلية، وتتجاهل تمامًا الحالة النفسية والاكتئاب والاضطرابات التي لا يفهمها سوى أطباء نفس متخصصين.

 

•••
سهير عبدالجبار

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English