أحلام في مهب الريح

"كنتُ بالنسبة له دمية صغيرة"
خيوط
February 17, 2023

أحلام في مهب الريح

"كنتُ بالنسبة له دمية صغيرة"
خيوط
February 17, 2023

منصة خيوط

تخرّجتُ من الثانوية العامة، وكانت كلُّ أمنياتي أن أدخل كلية الطب وأصبح طبيبة. كلّ هدفي في الحياة أن أكمل دراستي وأحقّق حلمي الذي كنتُ أحلم به منذُ طفولتي؛ أكون طبيبة كبيرة.

كان والدي يريد أن يدخلني كلية خاصة، لكن للأسف جبال أحلامي انهارت يومًا بعد يوم، بسبب الحرب التي اجتاحتنا في عام 2015، وسحقت من غير رحمة ولا رأفة كل آمال الطفولة. 

كان والدي يقول لنا إنّ الحرب ستنتهي، لكنها كانت مجرد أوهام. مرّت الأيام والليالي المُظلِمة، ونحن نعيش مصيرًا غير معروف، بسبب القذائف والحصار. رائحة الدم تعمّ مدينة تعز بأكملها. انتشرت الأمراض بسبب الجثث المرمية في الشوارع التي لم يتم دفنها. 

ساءت حالتنا المادية والنفسية، وساءت حالة أمي الصحية كذلك، وارتفع ضغط دمها، وسبّب لها نزيفًا، ولم نجد أيَّ طبيبٍ يعالجها، وكنتُ أتواصل مع طبيب في مدينة أخرى وقرّر لها أدوية. كانت حالة أمي الصحية تتدهور، وارتفعت حرارتها، ولم نجد ممرِّضًا ليقدّم لها أيَّ إسعافٍ أوليّ، وكل مدخراتنا المادية أوشكت على النفاد. ووضعنا أصبح من سيّئ إلى أسوأ. لم نكن نملك باليد حيلة أو أي مخرج. 

عمتي- أُخت والدي، التي كانت تسكن معنا في المنزل، جلبَتْ لي عريسًا من مدينة صنعاء. كان ميسورًا ماديًّا جدًّا، ويشغل منصب عضو في مجلس النواب عن مدينة صنعاء. 

كان يكبرني في العمر بنحو 20 سنة، وكنتُ أنا بعمر الزهور. أغرقنا بالهدايا والعطاء والنقود، وبعد إصرار عمتي على أن أوافق على زواجي به، وأنني سوف أقوم بمساعدة أهلي ماديًّا في ظلّ الأوضاع والحرب، وافقتُ وتم عقد قراني عليه، ولكنّي كنتُ كلَّ ليلةٍ أبكي لأنّني لا أريده، وليس هو فارس أحلامي الذي أتمناه. كان بالنسبة لي كبيرًا بالسنّ، أشعثَ أغبر. 

لم أنكر أنّه كان كريمًا معي ومع أسرتي، لكنه لا يفهمني ولا يفهم أنّني أُعتبر في حكم الطفلة. مرّت الأيام وكان يتواصل معي وحدّدوا موعد زفافي، وفي مرة وأنا أتحدث معه هاتفيًّا، قال لي أنّه سوف يُغيّر اسمي من (عائشة) إلى اسم آخر، سألته لماذا، فقال لي إنّ اسمي قديمٌ وكبير ولا يناسبني. 

كنتُ ذات يوم جالسة مع أختي في إحدى الليالي الكئيبة، وأخبرتها بأنّه يريد أن يُغيّر اسمي إلى اسم آخر جديد. كانت أختي التي تكبرني ذكية ومتعلمة، فقالت لي يبدو أنّ له انتماءً مريبًا، فخفت كثيرًا أن يكون منتميًا لجماعة أنصارالله (الحوثيين)، وكنتُ لا أعرف ماذا أعمل، وكيف أخبر والدي بذلك. 

كنتُ لا أنام من شدّة التفكير، وكان الدمع مصاحبًا لي في أغلب الأوقات، ولم أُخبر أمي وأبي بذلك خوفًا على صحتهم، فقد كانت الأوضاع مأساوية ولا ينقصهم التفكير. كنتُ في كلِّ صلاة أدعو الله أن يبعده عني، وكانت معاملة أمّه وأخته لي سيئة جدًّا؛ حيث إنّهم كانوا يُهدّدونني ويريدونني أن أبتعد عنه وسوف يؤذونني عندما أذهب وأسكن معهم، فيما كان هو متمسكٌ بي جدًّا، لأنّي كنتُ بالنسبة له الدمية الصغيرة التي يتسلَّى بها. 

مرّت الأيام، ونشبت عدة مشاكل من جهة أمه؛ لأنّها كانت لا تريد أن تزوّجه من خارج عائلتهم (السادة). حاولتُ كثيرًا، أن أتحمّل كلَّ ذلك لأجل أُسرتي، وأن أُحسّن من وضعهم الماديّ، وخصوصًا أنّها كانت فترة حرب.

وذات يوم أخبرتُ والدي ووالدتي بذلك، وقالوا لي أنّهم سيطلقونني منه. وإنّنا سنعيش كلّ الظروف معًا، فذهب والدي إلى مدينة صنعاء لأخذ ورقة طلاقي منه، وبعد عدة محاولات معه طلّقني، ولكن حلمي كان قد ذهب مهب الريح وضاعت سنوات عمري، ولم أستطع أن أكمل دراستي بسبب الحرب التي دمّرت كلّ أحلام الشباب وطموحه. 

تعاون نشر مع مواطنة

•••
خيوط

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English