محاولة لاكتشاف قوانين الأدب

هل ينبغي على النقد الأدبي أن يكون فنًّا أم علمًا؟
ترجمات
October 3, 2020

محاولة لاكتشاف قوانين الأدب

هل ينبغي على النقد الأدبي أن يكون فنًّا أم علمًا؟
ترجمات
October 3, 2020

جاشوا روثمان – كاتب أمريكي


ترجمة: ربيع ردمان

كلية الآداب – جامعة الحديدة

    

     هل ينبغي على النقد الأدبي أن يكون فنًّا أم علمًا؟ قد يتولّد قدر هائل من الجدل عند الإجابة عن هذا السؤال. فإذا كنت تودّ التخصص في الأدب الإنجليزي، فما الذي يتوجب عليك أن تدرسه: المجموعة المعتمدة من الكُتَّاب الذين سبق أن أثاروا اهتمامك (الفن)، أو التاريخ الأدبي والنظرية (العلم)؟ وإذا كنت أستاذًا في الأدب الإنجليزي، فكيف يتعين أن تنصرف جهودك ووقتك؟ هل في إنتاج "قراءات للأعمال الأدبية" التي تهتم بها (الفن)، أو في البحث عن الأنماط التي تشكل الأشكال الأدبية أو العصور الأدبية بالكامل (العلم)؟ عند مواجهة هذا السؤال يحاول معظم الناس تجزئة الاختلاف؛ إذا كنتَ تتعامل مع النقد بوصفه فنًّا، فلن يستغرق الأمر منك سوى بعض دروس في النظرية؛ أما إذا كنت تتعامل مع النقد بوصفه علمًا، فإنك ستضع ادعاءات القراءات الفاحصة جانبًا. وفي غضون ذلك، لا أحد تقريبًا يرغب في الإجابة عن السؤال بشكلٍ قاطع؛ فالتناوب بين المزاج الفني والعلمي أمر ممتع بالنسبة للمرء، إنه أشبه بالتبديل بين السباحة في البحر والتشمس على الشاطئ.

     فرانكو موريتي، أستاذ الأدب الإنجليزي والأدب المقارن بجامعة ستانفورد، الذي فاز كتابه "القراءة البعيدة" (2013)، بجائزة "رابطة نقاد الكتاب الوطنية" في النقد الأدبي عام 2014، يثير إعجاب النقاد إلى حدٍّ كبير؛ لأنه يسعى إلى حسم الإجابة عن السؤال بشكلٍ نهائي. يعتقد موريتي أنه يتعين أن يكون النقد الأدبي علمًا. ففي عام 2005، نشر كتابًا بعنوان "مخططات وخرائط وأشجار: نماذج مجردة لتاريخ الأدب"، استخدم التصورات التي تم إنشاؤها بواسطة الكمبيوتر لرسم خرائط لعدد من الأمور من بينها ظهور الأنواع الأدبية الجديدة. وفي عام 2010، أسّس مختبر ستانفورد الأدبي، والذي يكرس لتحليل الأدب باستخدام البرمجيات. والفكرة الأساسية في عمل موريتي هي أنك إذا أردت بالفعل فهم الأدب، فلن يكون ذلك فقط عن طريق قراءة بعض المسرحيات أو الروايات أو القصائد مرارًا وتكرارًا ("هاملت"، "آنا كارنينا"، "الأرض اليباب"). بل يتعين عليك بدلًا من ذلك، أن تتعامل مع مئات أو حتى آلاف النصوص دفعة واحدة. فعند تحويل هذه النصوص إلى بيانات، وتحليل هذه البيانات، يصبح بوسعك أن تكتشف حقائق عن الأدب بشكلٍ عام، حقائق دقيقة ليست مستخلصة فقط من عدد محدود من النصوص الأدبية المعتمدة، وإنما أيضًا مما أطلقت عليه الناقدة مارغريت كوهين "النصوص غير المقروءة الكثيرة". فعلى سبيل المثال، يشارك موريتي في مختبر الأدب في مشروع لرسم خريطة للعلاقات بين الشخصيات في مئات المسرحيات، من زمن اليونان القديمة حتى القرن التاسع عشر. ويمكن مقارنة هذه الخرائط، التي تبدو كأنها شبكات العنكبوت، وليس القوائم الهيكلية التنظيمية؛ فمن الناحية النظرية، يمكن أن تكشف المقارنات شيئًا عن الكيفية التي تغيرت بها العلاقات بين الشخصيات مع مرور الوقت، أو مدى اختلافها من نوعٍ أدبي إلى آخر. يعتقد موريتي أن بمقدور هذ النوع من التحليل أن يسلط الضوء على ما أسماه "انتظام المجال الأدبي" وأنماطه ومسارات تباطئه، وبإمكانه أن يظهر لنا الغابة وليس الأشجار.

     لقد أسهم عمل موريتي في تحويل "النقد الحاسوبي" والعلوم الإنسانية الرقمية بشكلٍ عام، إلى حركة فكرية فعلية. فعندما أعلنت جامعة ستانفورد عام 2014، أنه سيكون بوسع الطلاب الجامعيين الالتحاق بـ"تخصصات مشتركة" تجمع بين علوم الكمبيوتر والأدب الإنجليزي والموسيقى، كان من الصعب ألّا نراها كعَلَامةٍ على تأثير موريتي. ومع ذلك، فإن موريتي لم يعدم من وجود منتقدين لمشروعه. ويذهب هؤلاء المنتقدون إلى أن نتائج أبحاثه حتى الآن إما خاطئة أو مخيبة للآمال. (من بين النتائج النموذجية التي توصل إليها موريتي أن عناوين الروايات في بريطانيا في القرن الثامن عشر، على سبيل المثال، أصبحت أقصر مع تزايد حجم سوق الروايات، وتلك حقيقة لا تثير الاهتمام إلا بين علامات الاقتباس)، ورغم هذا فإن هذا النوع من الاعتراضات لم تخفف من حدة الحماس الذي قوبل به عمل موريتي. وهذا لأن منهجه في حد ذاته - بعيدًا عن ظهور المشاريع البحثية الفردية التي يقوم بها موريتي - يقدم بيانات مفيدة. فهو يدفع النقاد إلى إعادة التفكير فيما يقومون به من أعمال (لا سيما النقاد الذين ينظرون إلى أنفسهم كأشخاص واسعي الاطلاع). ففي مقالة بعنوان "تخمينات حول الأدب العالمي" – نشرت عام 2000، وتم ضمها في كتاب "القراءة البعيدة" – يضع موريتي الأمر على هذا النحو: 

«ما الذي تعنيه دراسة الأدب العالمي؟ وكيف نقوم بهذه الدراسة؟ أعمل على دراسة السرد الأوروبي الغربي بين عامي 1790 و1930، وأشعر بالفعل كأنني أشبه بالمشعوذ خارج بريطانيا وفرنسا. الأدب العالمي؟

    وبالطبع لقد قرأ الكثير من الناس أكثر وأفضل مما قرأته، لكن الحديث يدور هنا حول مئات اللغات والآداب، ولذلك يبدو من الصعب اعتبار قراءة المزيد من الكتب حلًّا مناسبًا. أنا أعمل على السرد الأوروبي الغربي... إلخ. ليس صحيحًا، فأنا أعمل على الجزء المعتمد منه، الذي لا يمثل سوى واحد بالمئة من الروايات المنشورة؛ هناك ثلاثون ألف رواية بريطانية من القرن التاسع عشر، أربعون، خمسون، ستون ألفًا – لا أحد يعلم بالفعل عددها، ولم يسبق لأحد قراءتها، ولن يكون بوسعه فعل ذلك، ثم هناك روايات فرنسية، صينية، أرجنتينية، وأمريكية."

على الرغم من إعجاب العديد من النقاد بموريتي، فإن قلة قليلة نسبيًّا سوف تحذو حذوه. فالمهارات التقنية قابلة للتعلم، ويمكن للمتخصصين في اللغة الإنجليزية أخذ دورات في علوم الكمبيوتر. لكن التضحيات، إن جاز التعبير، كبيرة للغاية من الناحية الفكرية والفنية

     وإذا نحّينا تحليلات موريتي جانبًا؛ فإن الأرقام ذاتها تجعلك ترى الأدب بشكلٍ مختلف، تراه باعتباره شيئًا واسعًا واجتماعيًّا وغير شخصي، ولعل أفضل طريقة لمقاربته هي تناوله على نحو إحصائي. ففي عام 2005، كان موريتي قد حدّد هذه الأرقام ورسم إنتاج الروايات على مرّ تاريخها الحديث. ويمكنك رؤية بعض النتائج في كتابه "مخططات وخرائط وأشجار". وإنه لمن المؤسف ألا يتم تضمين هذه النتائج في كتاب "القراءة البعيدة"؛ وذلك لأنها من بين أفضل الأشياء التي قام بها موريتي. فالمخططات التي تتبّع فيها الروايات المنشورة سنويًّا ذات سمة شعرية تقريبًا، فتحدد الطموح والجهد على المحور (ص)، في مقابل اضمحلال الزمن على المحور (س). وهناك رسم بياني استثنائي تحت عنوان "أنواع روائية بريطانية" 1740 – 1900، يعرض ما يسميه موريتي "تغيير منتظم للحرس"، باعتبارها أنواعًا كانت ذات يوم بالغة الأهمية ازدهرت ثم اختفت كـ"رواية التحوّل"، و"رواية الرحلة"، و"رواية الطبقة المخملية".

     إن عظمة هذا النطاق الموسع تضفي على عمل موريتي طاقة جمالية، (وأظن أن هذا النطاق يلعب دورًا أكبر في جاذبيته مقارنة بأغلب المعجبين بعمل موريتي، الذين يرغبون في الاعتراف به). والواقع أن مقاربة موريتي تتمتع أيضًا ببعض القوة الأخلاقية. ومن بين المتع التي يقدمها كتابه "القراءة البعيدة"، أنه يضم العديد من المقالات المنشورة على مدى فترة طويلة من الزمن، وتحويلها إلى نوع من السيرة الفكرية؛ وهذا من شأنه أن يقودنا إلى التأكيد على الجذور الماركسية لموريتي. إن ميول موريتي شمولية وطوبائية، فهو يريد من النقاد أن يعترفوا بكل الكتب التي لا يدرسونها. إنه معجب بالتطبيق العملي القائم على التشارك في الأعمال العلمية. وإذا ما نظرنا إلى الأمر من قمة جبل موريتي الإحصائية، فإن النقد الأدبي التقليدي، بما يشتمل عليه من تركيز شخصي على الأعمال الفردية، قد يبدو منغلقًا على ذاته، بل قد يبدو عبثيًّا. ويبدو أن مخططاته هذه تسأل عن المغزى من الاستمرار في تفسير الكتب الفردية، خاصة تلك الكتب التي تم تفسيرها مرارًا وتكرارًا؟ يكتب موريتي مفسِّرًا: "لقد سبق أن قالوا ما كان يجب عليهم قوله"، ومن الأفضل التركيز على "قوانين التاريخ الأدبي"، التركيز على توضيح هذه القوانين بدلًا من تأويلها.

     كل هذا يبدو صارمًا ورصينًا ذاتيًّا. إنه ليس كذلك؛ إن "القراءة البعيدة" كتابٌ ممتعٌ للقراءة، وموريتي كاتب ذكي ويحظى بالقبول، وإذا كانت أفكاره في بعض الأحيان تشعرك أنها ذات مسلك وعر، فإنها قلّما تكون سَلِسة من فرط الاستخدام. وبطبيعة الحال فلدي عدد من الاعتراضات. فأنا أشك، على سبيل المثال، في فكرة وجود "قوانين التاريخ الأدبي"؛ ذلك أن موريتي قد يبدو كأنه مصمم على الطراز القديم في اكتشاف أنماط وأبنية مخفية داخل الثقافة، وذلك على الرغم مما يمثله من مستقبل تقني. لكن موريتي ليس مدعيًا؛ إنه صبور ومتمرس وذو عقل متفتح، ومن الواضح أنه يعتزم الاستمرار في جمع البيانات، واستبدال الإجابات بالتكهنات حيثما كان ذلك ممكنًا. إن تلقي كتابه لجائزة يعكس، بطريقةٍ ما، الدور الذي لعبه موريتي في تأمين مقعد دائم على طاولة البحث لنموذج جديد بالغ الأهمية، وهو أمر نادر الحدوث.

    ومع ذلك، أعتقد أنه على الرغم من إعجاب العديد من النقاد بموريتي، فإن قلة قليلة نسبيًّا سوف تحذو حذوه. فالمهارات التقنية قابلة للتعلم، ويمكن للمتخصصين في اللغة الإنجليزية أخذ دورات في علوم الكمبيوتر. لكن التضحيات، إن جاز التعبير، كبيرة للغاية من الناحية الفكرية والفنية. يبدو لي أن موريتي بدأ في مهمة في اتجاه واحد؛ ففي النقد الأدبي المألوف – وهو النوع الذي ينطلق من التمييز بين الفن والعلم – هناك أخذ وعطاء بين العام والخاص. فيمكنك العودة من النظرية إلى النص؛ وأنت بهذا تضمن العلم أو ترتقي بالفن. لكن النقد الأدبي عند موريتي لا يسير بتلك الطريقة؛ العمومية هي بيت القصيد عنده. قد يكون موريتي قادرًا على رؤية كل الأدب في نهاية المطاف، لكنه سيراه مثل رائد فضاء يقف على سطح المريخ وينظر إلى الأرض، يراه من بعيد من دون وسيلة عودة إلى الديار. في عام 2006، استضاف موقع الويب الأدبيThe Valve ندوة عبر الإنترنت حول كتاب "مخططات وخرائط وأشجار"، شارك فيها موريتي. وفي أحد ردوده تساءل عما إذا كانت مقاربته "تلغي متعة قراءة الأدب"؟ وأجاب بالقول: لا. وهذا يعني فقط، أنه ثمة فرق بين المتعة وبين معرفة الأدب (أو على الأقل جزء كبير من المعرفة)، فالمعرفة ليست القراءة.

     ربما كان من الغريب أن نشعر بالامتنان لعمل الناقد الذي لا نتفق معه بانتظام، ولكنني أشعر بالامتنان لموريتي. وبصفتنا قراء، نجد أنفسنا الآن مستفيدين من تقسيم العمل النقدي، وبوسعنا أن نستمر في قراءة الطريقة القديمة، وسوف يخبرنا موريتي بما يتعلمه من بعيد.


رابط المقال الأصلي:

https://www.newyorker.com/books/page-turner/an-attempt-to-discover-the-laws-of-literature


•••
ترجمات

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English