العنف يقتفي أثر النساء في اليمن

ضعف القوانين والترسبات المتوارثة تحولها إلى ظاهرة خطيرة
هناء عبدربه
October 17, 2020

العنف يقتفي أثر النساء في اليمن

ضعف القوانين والترسبات المتوارثة تحولها إلى ظاهرة خطيرة
هناء عبدربه
October 17, 2020

 قد يستغرق قتل امرأة ثوانٍ قليلة، لكن سنّ قانونٍ يحمي حياة النساء قد يأخذ سنوات من أصحاب القرار، إن كان ضمن اهتماماتهم من الأساس. وطالما كان هناك قوانين مسبقة تحمي الجناة بأغطية دينية ومجتمعية دافئة ومريحة، فإن التفكير في التخلص من حياة امرأة أسهل من التفكير في كتابة منشور فيسبوكي قد يعرض صاحبه للخطر في بلد كاليمن.

    تختلف أشكال العنف تجاه المرأة في اليمن، من الإذلال والتحرش الجنسي واللفظي والجسدي، والإقصاء من رسم ملامح الحياة العامة، بيد أن أسوأ أشكاله هو القتل، وهو الخيار "المستحسن" في المجتمعات المتشددة، التي تربط شرف العائلة بالمرأة، وإلزامها كأولوية مقدسة بالحفاظ عليه. وإن كانت أسباب قتل النساء غير محصورة على قضايا الشرف، فقد تكون هواية ولعبة، يجربها الرجال على النساء لتفريغ الفشل الذي يشعرون به أحيانًا، كما يحدث خلال الحرب الجارية من بعض الرجال الذين تولت النساء في منازلهم إعالة الأسرة وخرجت عن الدائرة المرسومة لها.

    تتنامى ظاهرة العنف ضد المرأة في العالم يومًا بعد يوم، إلا أنها في اليمن وجدت بيئة مناسبة تنمو فيها سريعًا، إذ يعتبر الازدراء والتمييز القائم على النوع الاجتماعي، أمرًا طبيعيًّا وثقافة مجتمعية متأصلة، في بلد عانى وما زال يعاني من ترسبات مجتمعية، على امتداد فترات زمنية طويلة، كانت فيها المرأة المتزوجة والفتاة على السواء، من ضمن الضحايا، خاصة وقد كانت معاناتهن تتفاقم بصمت مجتمعي تام، باعتبارها من الأمور الخاصة بكل أسرة لا يجوز اختراقها من أحد.

التصوير الدوني المتوارث منذ مدى بعيد جعل من المرأة محطة يقف أمامها الجميع وينظرون إليها في الغالب بعين الانتقاص، فتارة كانت ناقصة عقل ودين ولا يؤخذ بشهادتها، وتارة هي أكثر أهل النار

    ومع توسع رقعة هذه الظاهرة داخل المجتمع، أصبح التهديد والتعنيف أسلوبَ حياة معتاد، وثقافة راسخة، وتعبئة شعبية تظهر نتائجها بتزايد في سلوك وأساليب المجتمع، بل إن الأمثال والحكايات المتداولة بين عامة الناس صارت معبرة عن تلك الثقافة ومدى تعمقها، حتى أصبحت أسلوبًا رائجًا عند معظم الناس، وكثيرًا ما نسمع تلك الأمثلة الدارجة التي تحرض على النساء، ينطقها الصغير قبل الكبير، والمرأة قبل الرجل؛ لِمَا للأمثال من تأثير في الذهن والسلوك البشري، وتعبر عن الخطاب الذي يكشف الرمزية والنمطية حول المرأة في مجتمعاتنا. وأقل ما يمكن لرجل قوله للتعبير عن اعتداده "بذكوريته" أن يقول، "اعتبرني امرأة إذا تراجعت عن كلامي"، أو أن يعيّر غيره بأمه في موقفٍ ما في حال كان يتيم الأب.

المرأة والموروث الديني

    التصوير "الدوني" المتوارث منذ مدى بعيد، جعل من المرأة محطة يقف أمامها الجميع وينظرون إليها في الغالب بعين الانتقاص، فتارة كانت ناقصة عقل ودين ولا يؤخذ بشهادتها، وتارة هي "أكثر أهل النار".

    فالتأثير الجلي الذي أحدثه "المفسرون للنصوص الدينية التي يستمد منها الإنتاج المعرفي" في المجتمعات، حول هالة المرأة، كانت له نتائج سلبية على الحياة العامة ككل.

    كثيرًا ما أثارت الولاية على المرأة الجدل بينها وبين رجال الدين، وذلك في جانب إعطاء الرجل الحق في السيطرة على كافة حياة المرأة منذ طفولتها حتى الممات، ما دامت من أهل بيته أو من أحد فروعه، وهذا ما أثار حفيظة كثير من النساء، كونه اعتبر المرأة ناقصة لا يحق لها الأخذ بزمام أمرها.

    زينة الغلابي، ناشطة ومدافعة عن حقوق المرأة، تقول لـ"خيوط"، إن فكرة الوصاية تشرح كل أسباب عداء الرجل اليمني للمرأة في الداخل والخارج، والإشارة هنا للرجال لا تعني إطلاق حكم جمعي على كل الرجال.

    تتحدث الغلابي عن فشل القانون اليمني وضعف الدولة في فرض عقوبات قاسية تحمي النساء داخل اليمن ضد العنف القائم على النوع الاجتماعي، بعيدًا عن الاعتبارات الهامشية، وعن كون المعنِّف أب، أخ، زوج، أو غريب؛ لأن قرابة الدم لا تلغي وقوع الجريمة.

    تشدد زينة على أن "الوصاية" هي التي تبرر كل هذه الجرائم بحق النساء، وتجعل من قضايا العنف الجسدي تجاه النساء في أسوأ الأحوال "أمرًا أسريًّا خاصًّا"، وتضيف: "الوصاية تجعل العنف النفسي القائم على الابتزاز والإهانة للنساء في المهجر، في أسوأ الأحوال، بمثابة خوف وحفاظ على المرأة اليمنية".

    كل هذه المبررات، والادعاءات ليست إلا وصاية تناقلها المجتمع كحقيقة مسلم بها. وحسب زينة، فـ"الوصاية قتلت روح الخصوصية في حياتنا، وقتلت مفاهيم المدنية، وحرية الاختيار للفرد الراشد، طالما وهي تعتبر المرأة قاصرة وتحتاج توجيهًا، حتى وإن شارفت على الخمسين" من عمرها.

    فيما يتعلق بدور الناشطات في جانب الدفاع عن حقوق المرأة في اليمن، مع تنامي ظاهرة العنف ضدها، تؤكد الغلابي، أن من أولويات الحركة "النسوية" إسقاط الوصاية، التي تفرض السيطرة الكاملة على حياة النساء، والمطالبة بإعادة بناء القوانين المتعلقة بالنساء في القانون اليمني، التي تصفه زينة بالقانون "الذكوري".

    ترى زينة أيضًا أن مشاركة النساء في العملية السياسية، والمشاركة في إعادة صياغة القانون والقانون المتعلق بهن أمرٌ لا مناص منه، على المدى البعيد، خاصة مع إقصاء المرأة من الحياة السياسية في الوقت الراهن، في كل المشاورات التي تحدث حاليًّا وتستثنى منها المرأة، أو يتم تمثيلها شكليًّا، على سبيل المثال.

    وتطالب زينة بإشراك النساء من ذوات الخبرات، في طاولات الحوار، والتفاوض، وبناء السلام؛ "لأن من يدفع ضريبة كل هذه المعارك هن النساء قبل غيرهن"، ولكون "المزيد من خسارة الوقت في الاقتتال يعني المزيد من ضياع الحقوق وفرص التغيير لصالح النساء".

ضعف الحماية القانونية

    يعد العنف ضد المرأة، آفة خطيرة يعاني منها المجتمع اليمني، وعاملًا معيقًا لعملية التنمية المجتمعية الشاملة؛ فالمرأة التي تمثل نصف عدد سكان البلاد لا تتمتع بالمساواة مع الرجل، في بلد يعاني اختلالًا كبيرًا في المساواة بين الجنسين.

    القانون اليمني الخاص بالجرائم الواقعة على الأشخاص والأسرة، أتاح للرجل "ارتكاب جرائم" بحق نساء عائلته، فكانت المادة رقم 232 في القانون التي تنص على أنه: "إذا قتل الزوج زوجته هي ومن يزني بها حال تلبسهما بالزنا أو اعتدى عليهما اعتداءً أفضى إلى موت أو عاهة، فلا قصاص في ذلك، وإنما يعزر الزوج بالحبس مدة لا تزيد عن سنة أو بالغرامة، ويسري ذات الحكم على من فاجأ إحدى أصوله أو فروعه أو أخواته متلبسة بجريمة الزنا".  والمادة رقم 233: "إذا اعتدى الأصل على فرعه بالقتل أو الجرح فلا قصاص، وإنما يحكم بالدية أو الأرش، ويجوز تعزير الجاني في هذه الحالة بالحبس مدة لا تزيد عن ثلاث سنوات أو بالغرامة في القتل وبالحبس مدة لا تزيد عن ثلاثة أشهر أو بالغرامة في الجرح ما لم يحصل عفو".

    ضعف القانون قد يكون عاملًا محفزًا لتنامي ظاهرة العنف ضد المرأة، حيث لا تتعدى عقوبته الغرامة المالية والحبس من 3 أشهر إلى سنة إذا قتل امرأة من أسرته تعد فرعًا له كبناته، كما تنص عليه المادتان السابقتان.

كانت جريمة قتل مديحة (27 سنة) المضافة إلى سلسلة قتل النساء في اليمن، التي لن تنتهي في ظل غياب تام للسلطة والقوانين، مثالًا على هذا التعزيز للانتهاكات الموجهة ضد المرأة، وقد سبقتها الطفلة إصباح (16 سنة) التي قتلت بعد شهر كامل من التعذيب

     بحسب منظمة العفو الدولية فإن اليمن يعتبر أسوأ البلدان في العالم للنساء، فالظلم المطبق على الإناث من الصغر والتمييز القائم على النوع الاجتماعي والمشاكل الكثيرة التي تعاني منها المرأة اليمينة، مثل ظواهر الزواج المبكر، والحرمان من الميراث والتعليم، وجرائم الشرف، وختان الإناث، والتزويج بالإكراه، جعل منها بيئة أشبه بجحيم مبكر، يعصر الإناث ويسحقهن مع لهيب حرب مستمرة لفحتهن أكثر من غيرهن على وجه الخصوص، ناهيك عن الدعم المجتمعي المتكامل، في التصفيق للقاتل والتباهي به، لدواعٍ تتعلق بالعادات والتقاليد وغسل العار من أجل ما يعتبرونه شرف العائلة، الذي تذهب ضحاياه بالعشرات من النساء، بلا أدنى ذنب.

    وعلى الرغم من توقيع اليمن على اتفاقية الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، التي تنص المادة رقم (3) منها على حق الحياة والحرية لكل فرد، إلا أن الحكومات المتعاقبة لم تحرك ساكنًا من أجل إيقاف هدر حياة النساء، ورميهن للمجهول، ولو بتشريع قوانين ضامنة كأقل إجراء ممكن.

    استفحال "التوحش" في وجوه النساء خلال الفترات الأخيرة، أصبح ملحوظًا ومقلقًا مع ازدياد موجة العنف الموجهة بقوة، وتوسعه ليشمل نساء أخريات، خارج إطار الأسرة، بالتحريض والتهديد بالقتل والتحكم بنمط حياتهن وطرق عيشهن وإلا سيكون دمهن مهدورًا وسمعة أسرهن على المحك، طالما لم يرضخن للقيد الذي وضعه المجتمع. فالجرأة التي تدفع الأغلبية "الذكورية" لانتهاك حقوق الإناث تأتي من الرافد المجتمعي المتمسك بعادات لم يُسمح للزمن بتجاوزها، بل يضخ الحياة فيها باستمرار، ويعززها ببعض المفاهيم الدينية المغلوطة. 

    كانت جريمة قتل مديحة (27 سنة) المضافة إلى سلسلة قتل النساء في اليمن، التي لن تنتهي في ظل غياب تام للسلطات والقوانين، مثالًا على هذا التعزيز للانتهاكات الموجهة ضد المرأة، وقد لا تكون مديحة آخر من أُهدرت حياتها بدم بارد، كما سبقتها الفتاة إصباح (16 سنة) التي قُتلت بعد شهر كامل من التعذيب، تجرعت خلاله الألم، فقررت أن تتجرع السم لتنتهي حياتها بمباركة والدها المغترب، المشرف على الجريمة.

    ضمن القائمة المستحدثة لضحايا الانتهاكات، كانت سميحة والطفلة مآب، والقائمة تطول، وأخريات لقين حتفهن على مرأى ومسمع من شهود عيان، لكن هذه الجرائم أعيرت الأذن الصماء، وما خفي أعظم.

    يهز هذا النوع من القضايا مواقع التواصل الاجتماعي بين حين وآخر، وتلقى إدانات واسعة ومطالبات بمحاسبة المجرمين، لكن لا أفعال تذكر حقيقية على أرض الواقع، كالخروج والتنديد الفعلي أو حملات التوعية التي ربما تساعد على تخفيف التوتر القائم على النوع الاجتماعي، كأضعف الإيمان، في ظل وضع عام يصعب فيه الالتفات لقضايا النساء وأخذها بعين الاعتبار من قبل الحكومتين المنقسمتين.

    المثير للانتباه أن مثل هذه القضايا تجد لها تبريرات واسعة على أرض الواقع، من قبل الجنسين على حد سواء، وتحديدًا ردة فعل بعض النساء اللواتي يبررن ارتكاب هذه الانتهاكات والجرائم لدواعٍ تخص ثقافة المجتمع السائدة والعادات والتقاليد والدين معًا، ولم يشعرن بحجم الخطر، الذي طال نساء كثر مما قد يجعلهن في مرمى العنف يومًا ما، وهذا ما يضاعف من صعوبة مهمة التوعية ومحاولة التغيير، داخل مجتمعٍ متجذّرة فيه ثقافة العيب والحرام والعار.

الوضع يزداد سوءًا

    ألحقت الحرب آثارًا بالغة بالمرأة في اليمن، وضاعفت المخاطر القائمة منذ ما قبل الحرب، إذ زاد وضع المرأة سوءًا، بدءًا من الإقصاء من المشاركة في الحياة العامة، والزواج المبكر للصغيرات في السن للاستفادة من مهورهن، والعديد من الظواهر التي تنامت مؤخرًا، وانتهاءً باحتجازهن أو وقوعهن ضحايا لرصاصة قناص أو لغارة جوية أو لقذيفة مدفعية.

كما تأثرت النساء بسبب الحرب في جوانب أخرى عديدة، مثل التعليم وتردّي المستوى المعيشي مع ارتفاع معدل عدم المساواة بين الجنسين في اليمن، حسب تقارير أممية، وواجهن تمييزًا في القانون والممارسة، زادت حدتها مع انشغال الأطراف المتنازعة بالقتال، مثل الإقدام على ممارسة الوصاية في كيفية ارتدائهن للعباءة، والتضييق عليهن في أماكن التنزّه والمتنفسات العامة، مثل المقاهي وغيرها، علاوة على أن القانون يعطي الحق للرجل بممارسة السلطة على النساء، بل منحه الحق في قتل المرأة طالما أتت بقضية "فجور".

•••
هناء عبدربه

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English