كادر طبي أعزل في قلب الجائحة

كيف يواجه أطباء اليمن وباء كورونا
عصام القدسي
June 12, 2020

كادر طبي أعزل في قلب الجائحة

كيف يواجه أطباء اليمن وباء كورونا
عصام القدسي
June 12, 2020

لا شيء أصعب من أن تكون طبيباً فيمكان ممتلئ بالمرضى، وبأرواح يخطفها الموت، بينما تعجز عن إيجاد جهاز تنفس اصطناعيلإنقاذها في ظل وباء قاتل، وفيما تقول منظمات دولية بأن "مستشفيات اليمنالمخصصة لمواجهة جائحة كورونا وعددها 38، امتلأت أسرّتها تماماً بمصابين بفيروسكورونا، وأن الأرقام الحقيقية للمصابين والوفيات قد تكون أعلى بكثير مما تمالإعلان عنه".

هذا هو حال الطبيب اليمني آدمالجعيدي، الذي ترك أسرته وكل ما يربطه بعالمه الخاص، وعمل في مركزي العزل (مستشفىالجمهوري ومركز شفاك) المخصصة لاستقبال مصابي فيروس كورونا في مدينة تعز. منذ مايقارب شهراً ونصف، يعمل الدكتور آدم في وضع يصفه بـ«المأساوي»، ووسط سلسلة طويلةمن الصعوبات على رأسها "نقص وسائل الحماية الشخصية، وشحة في أجهزة التنفسالاصطناعي بشكل يفوق التصور".

 "10 أجهزة تنفس اصطناعيفي تعز كلها." قال الجعيدي بحرقة وهو يحكي لـ"خيوط" عن الظروفالمُرّة التي يعمل فيها. ويواصل حديثه: "نضطر لنزع جهاز التنفس من المريضالأول ونقوم بتركيبه للمريض الثاني، فإما أن يموت المريض الأول أو يقاوم حتىيتعافى ويخرج، ثم نستخدمها للمريض التالي".

ويتابع: "إذا كان هناك مريض ويحتاج إلىجهاز تنفس اصطناعي، يظل المريض في الانتظار، وحياته رهن تحمله وقتاً أطول فيانتظار جهاز التنفس، وأحياناً يموت. نحن نعطيه العلاجات والباقي على الله، بصراحة،الوضع مأساوي بشكل لا يمكن تصوره".  

كما يتحدث الجعيدي عما وصفها بـ"المشكلةالحقيقية"، المتمثلة في وصول معظم المصابين محمولين على النعش، وبالتالي يعجزالأطباء عن إنقاذ المصاب. السبب في عجز الأطباء في هذه الحالة، يكمن في كون المصاب"يكون قد دخل في مضاعفات، وفي آخر مراحل المرض، بسبب الخوف من العزل والحجروسماع بعض الإشاعات، أن مراكز العزل تتخلص من المصابين." يضيف الجعيدي،مؤكداً فيما يتعلق بشائعات التخلص من المصابين: "هذا غير صحيح، نحن نضحيبأنفسنا من أجل إنقاذ حياة الناس لا من أجل التخلص منهم".

 لم يسلم آدم الجعيدي من الإصابةبفيروس كورونا المستجد. فقبل نصف شهر تقريباً (أواخر مايو/ أيار 2020)، ظهرت عليهأعراض المرض، وأكدت الفحوصات المخبرية إيجابية النتائج، وأثناء إجراء اللقاء معهعبر مكالمة هاتفية، كان لتوه قد عاد إلى عمله في مركز العزل قبل أيام. بنبرة ألمتحدث عن اشتياقه لأهله وأصدقائه، وأمور كثيرة خارج مراكز العزل.

ويتزايد القلق من انتشار الوباء أكثربين باقي الكوادر الطبية في العالم، باعتبار أن هذه الكوادر الطبية جدار الصدّالأول الذي يتعامل مع المصابين منذ لحظة الاشتباه في حالاتهم الصحية، وصولاً إلىتعافيهم أو وفاتهم.

 ويبقى السؤال: إذا كان هذا مايحدث في دول نظامها الصحي متطور ومؤهل علمياً وتكنولوجياً، فكيف بدولة تقول عنهاالتقارير الدولية أن 50% تقريباً من مرافقها الصحية خارجة عن الخدمة، ويواجه فيها السكانوالأطباء وباء قاتلاً عجزت أمامه أعتى الدول؟

تفيد الأمم المتحدة بأن نصف المرافق الصحية فقط، في اليمن تعمل الآن.وتفتقر عديد من تلك المرافق إلى المعدات الأساسية مثل الأقنعة، ناهيك عن الأكسجينوالإمدادات الأساسية الأخرى. "لا يعرف الكثير من أفراد الطاقم الطبي متى أوما إذا كانوا سيتلقون رواتبهم. وهم يتعاملون مع المرضى دون الحماية اللازمة لضمانسلامتهم".

في صنعاء، قال لـ"خيوط" الدكتورسفير الصري، وهو أحد الكوادر الطبية العاملين في مراكز العزل الصحي لعلاج المصابينبفيروس كورونا، إنه كان يتوقع أن يصل الوباء إلى اليمن بكثافة، بمجرد انتشارالأخبار عن تفشي فيروس كورونا في دول العالم، خاصة مع شحة الإمكانيات والأطباء وطواقمالتمريض. "كنا نتابع سقوط المئات من الأطباء حول العالم، فبدأنا نعلن تطوعنامع وزارة الصحة لنكون درعاً في مواجهة الوباء". يضيف.

الصري طالب في كلية طب الأسنان جامعةصنعاء، تم تدريبه ضمن فريق متطوع من كلية الطب تحت إشراف وزير الصحة في حكومةأنصار الله (الحوثيين) طه المتوكل، في دورات تدريبية وورشات عمل لمواجهة الوباء،منها في المجال التوعوي ومنها في التعامل مع الحالات والدفاع المدني. على حدقوله.

 

معظم الأطباء اليوم فارقواأهاليهم وأحبتهم، وصاروا مرابطين في المستشفيات وبين أسرة المرضى.

وأضاف أنه تم توزيعه مع زملائه في كلمن مستشفى الكويت وزايد (مركزي الحجر اللذان أعلنتهما وزارة الصحة في صنعاء)، ضمنالفريق الطبي الذي يستقبل الحالات المشتبه بإصابتها بوباء كورونا، والتي تصل إليهمعبر فرق الاستجابة الميدانية. كما أشار إلى أن جميع المصابين الذين يصلون إلىمركزي العزل، يعانون من الخوف والقلق، و"نحن بدورنا نقوم بتهدئة المصابنفسياً ومعنوياً".

ولفت الصري إلى أن المعاناة الحقيقيةللأطباء والعاملين في مراكز الحجر، هي "ارتداؤهم الملابس الوقائية، الكمامات،النظارات، السترات البيضاء الواقية، إضافة إلى أقنعة الوجه والقفازات الطبية،والتي تكتم أنفاس مرتديها بشكل غير طبيعي".

وأشار إلى أن "معظم الأطباءاليوم فارقوا أهاليهم وأحبتهم، وصاروا مرابطين في المستشفيات وبين أسرة المرضى،فمنهم من صار محجوراً لتوقع إصابته، ومنهم من صار مصاباً ويتلقى العلاج اللازم،ومنهم من فارق الحياة في المعركة المقدسة ضد هذا الوباء الخطير".

وبالرغم من ذلك، يحذر مختصون يمنيونفي المجال الطبي خارج اليمن، من إصابة الكوادر الطبية التي تعمل في مراكز العزلداخل البلاد. وبحسب الطبيب اليمني المقيم في كندا، غلام ضبعان، فإن "كورونايحصد أرواح الأطباء في اليمن لأسباب متعددة، أهمها البنية الصحية المنهارة وعدمتوفر أدوات وإمكانيات الوقاية للكادر الطبي، شحّ الدعم الطبي من قبل منظمة الصحةالعالمية، وعدم تفاعل السلطات الصحية في اليمن مع الأمر كما ينبغي، وتقاعس دوليعام".

ليست الكوادر الطبية المخالطة لمرضىكورونا فقط، هي الأكثر عرضة للإصابة، ولكن وفقاً للدكتور ضبعان، المختص في علمالميكروبات والمناعة: "هناك سبب آخر يؤدي إلى تلك الإصابات، وذلك نتيجة تعرضالكادر الطبي بشكل مفرط للفيروس (حمل فيروسي كبير)، أو ما نسميه بالـ (Viralload)، أثناء العناية بالمرضى في غرف العزل أوالأطباء في عياداتهم، وذلك بواسطة تعرضهم المتكرر للمرضى المراجعين، خاصة أولئكالذين لا يظهرون أعراضاً أو كما يسمون بالـ(Asymptomatic)، حيث يبدون كالأصحاء، ولكنهم أدوات قاتلة متحركة، ويجب على الأطباءتوخي أعلى درجات الحذر والوقاية".

وقال الدكتور غلام في حديثهلـ"خيوط" إن "عدم توفر الفحص الدقيق بكوفيد19 الـ(RT-PCR) بكميات كافية أدى إلى تعقيد المشكلة بلا شك". وهنا يطالب ضبعانالمنظمات الدولية بتزويد المختبرات اليمنية بالأدوات والإمكانات اللازمة لفحص كوفيد19،والعمل على رفع قدرة المختبرات المركزية، وزيادة عدد الفحوصات، مشدداً على الأهميةالقصوى لذلك في جهود السيطرة على هذا الوباء، أو على الأقل كبح انتشاره.

 

الكادر الطبي اليمني يعملبدون وسائل حماية شخصية، ودون تدريب كافٍ للتعامل مع هذا النوع من الأوبئة، وأكثرمن ذلك، دون رواتب أو حوافز أو تأمين صحي.

 ويقترح الدكتور غلام في حالةعدم توفر تلك الفحوصات بأعداد كبيرة، فإنه ربما يجب اعتماد استراتيجية أخرى هي أنيتم عمل فحص جماعي للعينات! (POOLED SAMPLING)، بدلاً من فحص كل عينة على حدة. موضحاً هذا الإجراء بالقول: "يتمأخذ 50-100 عينة من 50-100 مريض مشتبه به، فإذا تم اكتشاف وجود الفيروس يتم تقليصالعينات إلى عدد أقل تدريجياً إلى أن يتم العثور على العينة الموجبة، وبذلك يتمفحص عدد كبير من الحالات المشتبهة بتكلفة قليلة جداً وبتقنية ذات نتائج دقيقة".

ووفقاً لبيان نشرته "مبادرةأطباء اليمن في المهجر"، في صفحتها على "فيسبوك"، فإن "الكادرالطبي في اليمن يقف وحيداً بلا دولة ولا نظام صحي ولا دعم دولي حقيقي". وأفادالبيان أنه أحصى "٢٣ شهيداً من القطاع الصحي خلال شهر مايو/ أيار (2020)،معظمهم من حملة الشهادات العليا، وبعضهم في تخصصات نادرة يحتاج إليها اليمن بشدة".

ووصف البيان أن ما يحدث "خسارةكبيرة وكارثية في بلد هو الأقل في نسبة الأطباء إلى عدد السكان، ضمن نظام صحيمتهالك وشبه منهار بدون أوبئة، فكيف وقد اجتمع عليه أكثر من وباء، بالإضافة إلىالحروب والنزاعات وغياب الإدارة".

 الناطقة باسم اللجنة العليا في عدن: أكثر من48 كادراً طبياً توفوا جراء الوباء، من أخصائيين واستشاريين، وممرضين، ومخبريين

بالرغم من قلة عدد المصابين حتى الآنحسب إحصائيات الجهات الرسمية في اليمن، عن ضحايا فيروس كورونا المستجد "كوفيد-19"،إلا أن التقارير الدولية تفيد بأن معدل الوفيات يصل إلى نسبة أكبر مقارنة بالمتوسطالعالمي البالغ 7%، وفقاً للأمم المُتحدة، وإن كان الرقم غير دقيق فهو مقلق، فيبلد مترامي الأطراف فيه أكثر من سلطة وأكثر من جبهة مشتعلة في حروب داخلية وأخرىبالوكالة.

ووصلت طائرة تابعة لليونيسف السبت 30مايو/ أيار 2020، إلى مطار صنعاء تحمل إمدادات منقذة للحياة، وتشمل هذه الإمدادات،بحسب المنظمة، مساعدات طبية بما في ذلك معدات الحماية الشخصية مثل المآزر والأحذيةوأقنعة الوجه وقفازات للعاملين الصحيين في الخطوط الأمامية.

وقالت سارة بيزولو نيانتي، ممثلةاليونيسف في اليمن، إن هذه الإمدادات ستتيح الفرصة "لشركائنا العاملينالصحيين الشجعان، الذين يعملون على مدار الساعة، مكافحة انتشار كـوفيد-19، بأمانوفعالية أكبر".

وقالت إن "معدات الوقاية الشخصية،ستساعد ما لا يقل عن 1600 عامل صحي في مراكز الصحة الأولية والمستشفيات ووحداتالعزل في جميع أنحاء اليمن، على توفير الرعاية الصحية الأولية الآمنة وخدماتالتغذية لمدة ثلاثة أشهر".

وفي بيان صدر الجمعة 29 مايو/ أيار2020، شددت ليز غراندي، منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في اليمن، على ضرورةإجراء الاختبارات اللازمة لمعرفة عدد الأشخاص المتأثرين بالجائحة بدقة، وقالت إنالمأساة تتكشف، والمستشفيات تضطر إلى عدم استقبال الناس.

وأشارت غراندي إلى أن المنظماتالإنسانية تفعل ما بوسعها بالتمويل المتاح حاليا، وأضافت: "وصل إلى البلاد4،520 طن من المعدات الطبية ومجموعات الاختبار والأدوية، و4،500 طن في الطريق،والإمدادات قادمة عن طريق البحر والجو والبر".

 ويحتاج نحو 80% من السكان فياليمن، إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، بحسب المنظمات الإنسانية.ويضاعف انتشار العدوى بفيروس كورونا من هموم سكان البلد، إذ تشير غراندي إلى أنكورونا ينتشر في أرجاء اليمن دون رادع ودون قدرة على التخفيف من حدّته.

وفي عدن (جنوبي اليمن)، تبدو الصورة أكثرسوء، في ظل وقوع المدينة في قبضة تفشٍّ للوباء اتّخذ منحى كارثياً، عجز أمامه"العاملون في مجال الرعاية الصحية"، الذين تصفهم أطباء بلا حدود، بأنهم"يعيشون معاناة حقيقية". لأنهم يعجزون عن إنقاذ أرواح الناس، ويعانون لأنعدد الوفيات في ارتفاع مستمر، حسب قول تييري دوراند، منسق المشروع، الذي أنشأ مركزالعلاج الذي تديره أطباء بلا حدود في عدن.

مركز علاج مرضى كوفيد-19 في عدن، هو عبارةعن قسم تم تجديده على عجل من مستشفى قديم للسرطان، يقع في ضواحي المدينة، إلى جانبمحجر مستشفى الجمهورية، شرقي عدن، وهذان المركزان، وفقاً للمتحدثة باسم اللجنة العلياللطوارئ لمواجهة وباء كورونا الدكتورة إشراق السباعي: "لا تستوعبان المصابين".

وفي حديث لـ"خيوط"، أضافت الدكتورة إشراقأن "ارتفاع أعداد ضحايا كورونا في عدن، جاء نتيجة إغلاق بعض المستشفيات والمجمعاتالصحية أبوابها منذ أبريل/ نيسان 2020". وهو السبب الذي قالت إنه "أدى إلىارتفاع مخيف في عدد الوفيات في الشهر التالي، مايو/ أيار".  

وعن وضع الكوادر الطبية ومعاناتها فيمواجهة جائحة كورونا في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، فإنمعظم المرافق الصحية دُمرت بسبب الحرب، وفقاً للسباعي، التي أشارت إلى أن "النظامالصحي يعمل بنسبة 45% فقط". كما أشارت إلى أن النظام الصحي بحاجة إلى الدعم، وتوفيرالحوافز للكوادر التي تعمل فيه، إضافة إلى تدريبهم، وإضافة خبراء بجانبهم.

وتحدثت السباعي عن تعرض معظم الكوادر الطبية في المناطق الواقعة ضمن سيطرة الحكومةالمعترف بها دولياً، للإصابة بوباء كورونا، وكشفت أن «أكثر من 48 كادراً طبياً توفواجراء الوباء، من أخصائيين واستشاريين، وممرضين، ومخبريين".

وأشارت المتحدثة باسم لجنة الطوارئ فيعدن، إلى أن الكوادر الطبية التي تعمل في مراكز العزل لم تتلقّ ذلك التدريب الذي يهيئهالتكون في الميدان قوية، خاصة ما وصفتها بـ"المشكلة في عدم وجود ملابس السلامةالمهنية، والحماية من الفيروس". إلى جانب أن معظم الكوادر الطبية في معظم محافظاتاليمن شمالاً وجنوباً، يعملون ويتنقلون بين المستشفيات، الأمر الذي تقول عنه السباعيإنه "يعرضهم لخطر الإصابة بفيروس كورونا".

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English