"كالبنيان".. مشروع كساء متنامي للفقراء والمشردين

شباب وشابات مستمرون في المشروع الخيري منذ 10 سنوات
عمران مصباح
November 25, 2020

"كالبنيان".. مشروع كساء متنامي للفقراء والمشردين

شباب وشابات مستمرون في المشروع الخيري منذ 10 سنوات
عمران مصباح
November 25, 2020

 قبل نحو عشر سنوات أخذ مجموعة من الشبان على عاتقهم إنشاء مبادرة خيرية سمّوها "كالبنيان"، وغرضها مساعدة الفقراء عن طريق تحفيز المجتمع عبر وسائل التواصل الاجتماعي على التبرع بملابسهم المستخدمة، التي سيعاد تأهيلها وتوزيعها على المحتاجين.

    "في البداية كان الأمر تحديًّا صعبًا، لكن سرعان ما تدفق المتطوعون والمتبرعون، وكان هذا الأمر مبهجًا إلى حد لا يوصف." تقول بنيان جمال، مسؤولة العلاقات في المؤسسة.

  يعيش اليمنيون وضعًا اقتصاديًّا خانقًا منذ نحو عشر سنوات، وتفاقم هذا الوضع بعد سيطرة جماعة أنصار الله (الحوثيين) على العاصمة صنعاء في 21 أيلول/ سبتمبر 2014، أعقبه تدخل سعودي إماراتي في اليمن تحت مسمى "التحالف العربي"، وقام بتنفيذ ضربات جوية في 25 مارس/ آذار 2015، تحت مسمى عملية "عاصفة الحزم"؛ ما ضاعف الحالة الإنسانية في اليمن الذي تصنفه منظمات دولية على أنه يشهد أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

    وفي الوقت الذي سخّرت فيه أطراف النزاع كل شيء لمجهوداتها الحربية، تاركة الفئات الأشد فقرًا يعانون، برزت مبادرات مجتمعية أخذت على عاتقها مساعدة هذه الفئات الضعيفة، ومنها مبادرة "كالبنيان".

    عملت مؤسسة كالبنيان للتنمية، بجهود مجموعة من الشباب والفتيات المتطوعين، على التخفيف من حدة الاحتياج لدى الفئات الأشد فقرًا. وتوسع هذا الفريق، ومعه توسع عدد المستفيدين من هذا الكيان لأكثر من 100 ألف شخص، بحسب ما قالته نهى العريقي، مديرة المؤسسة لـ"خيوط".

    وتضيف بنيان جمال في حديثها لـ"خيوط" إن "الفكرة في إنشاء المبادرة ابتدأت من داخل إحدى مدارس العاصمة صنعاء، قبل أن تتطور، لتصبح مؤسسة مستقلة، لها هيكل تنظيمي متكامل".

    بوجه مبتسم وحيوية لا تتوقف، تواصل الفتاة العشرينية: "المتطوعون في هذه المؤسسة تجاوز المئات، ليصلوا إلى قرابة الألف شاب وفتاة. ويعمل الجميع بنظام دقيق، وإدارة مقتدرة".

    تتابع بنيان، وهي تتجول في باحة مقر المؤسسة: "بالتأكيد، أن الوصول إلى هذه المرحلة، قد مر بصعوبات عديدة، منذ 2011، والبلد في تقلبات مستمرة، هذه الأحداث كانت دافعًا للاستمرار، وبنفس الوقت تؤثر علينا كثيرًا، وتعرقلنا، إننا نواجه صعوبة في كل شيء، مرورًا بالتصاريح التي يجب الحصول عليها من السلطات في صنعاء، وحتى آخر خطوة بالعمل". 

    وتعتبر بنيان تجربة العمل في هذه المؤسسة الخيرية مهمة لأنها صقلتها وزملاءها وجعلت منهم "شبابًا ذوي كفاءة عالية".

حالياً ينفذ فريق المؤسسة ثلاثة مشاريع أحدها المشروع السنوي الذي يقدم كسوتي عيدي الفطر والأضحى، ومشروع "فرحة"- زيارات مفاجئة لمراكز الرعاية الاجتماعية، ومشروع "شتاء دافئ" الذي يوزع الملابس والبطانيات للنازحين والمشردين

طبيعة العمل في "كالبنيان"

    تقول حنان الأصبحي، المديرة المالية في المؤسسة، لـ"خيوط": "إن هذا العمل مختلف عما يقوم به الآخرون، لقد اخترنا الملابس، كونها من الأساسيات في الحياة، ولا توجد مؤسسات تعمل في هذا المجال"، وبالتركيز على شيء واحد، استطعنا تقديم خدمة ملموسة للفقراء".

    أضافت: "كانت خطوتنا الأولى في العمل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومن خلاله، يستطيع فريق "كالبنيان" إقناع المتبرعين والمتطوعين بجدوى وقيمة عملهم، وفي الخطوة التالية، يقوم الفريق بتجميعها من تلك النقاط، ومن ثَمّ فرزها بشكل دقيق، يتم فيه، إبعاد ما هو رديء، والاحتفاظ بما هو جيد، لإعادة تأهيلها، والخطوة الثالثة، نقوم بنقلها إلى المولات والمتاجر التي نسقنا معها مسبقًا، وتوزيعها هناك حسب الخطة المتبعة".

    تقول لـ"خيوط" نهى العريقي، المديرة التنفيذية في المؤسسة، إن هذه الخطوات، عملية شاقة، تتطلب جهدًا جبارًا. 

    قدم فريق "كالبنيان" الكثير من المساعدات للفقراء؛ وهم يعملون بصمت ودون ضجيج، يغمرهم الرضى حين يرون الابتسامة في وجوه الفقراء.

    يخطط الفريق لعدة مشاريع في المستقبل، حسب حنان الأصبحي، في الوقت الذي ينفذون فيه ثلاثة مشاريع حاليًّا؛ أولها المشروع المستمر سنويًّا منذ 2011، وهو توزيع الملابس على الفقراء ويتم تقسيمه إلى: كالبنيان الفطر، وكالبنيان أضحى. والمشروع الثاني: "فرحة"، ويقوم على فكرة الزيارات المفاجئة لمراكز الرعاية، والإيواء، والأيتام، مثل دار الشفقة، والحياة، وغيرها، وفي هذا المشروع توجد عدة أنشطة هدفها دمج هؤلاء بالمجتمع ككل، وفي نفس الوقت يتم توزيع الملابس لهم.

   المشروع الثالث: "شتاء دافئ"، وهذا العام هو الرابع له، وفكرته توزيع الملابس الشتوية والفرُش والبطانيات على النازحين، والمشردين، بالإضافة إلى الأطفال في المرحلة الابتدائية من العائلات الفقيرة جدًّا، لحمايتهم من موجة البرد الشديدة.

علاقة "كالبنيان" بالمجتمع

    هذا النوع من الأعمال الخيرية، يتطلب تواصلًا جيدًا مع المجتمع، فالخدمة التي ستقدمها لشريحة معينة من الناس، تتطلب تعاون فئة أخرى، هم من يقدم هذه الملابس. أيضًا هناك فئة يعتبرون نقطة الوصل، وهم المتطوعون في المؤسسة، ويصل عددهم إلى أكثر من ألفي متطوع.

    تقسيم الفئات والعلاقة بينهم

    الفئة الأولى، هم الأساس، وعبرهم يتم العمل، وعدم وجودهم، يعني انتهاء المشروع، وهم الفريق الأساسي لمؤسسة "كالبنيان". هناك مواقف لم تجسد القدرة على استقطاب المتطوعين فحسب، بل على القبول المجتمعي الكبير لما يقوم به الفريق، والرغبة بمشاركتهم في هذا العمل التطوعي. أحد هذه المواقف، كان نهاية أغسطس/ آب 2020، عندما أعلنوا عبر صفحتهم على الفيسبوك، عن استمارة التقديم للتطوع، وبينما كانوا يأملون الحصول على عدد بسيط من المتطوعين، تقدم أكثر من العدد المطلوب. ربع ساعة كانت كافية، لكي يحصلوا على سبعين شخصًا، تقول بنيان جمال لـ"خيوط"، وتردف: "لأكون صادقة معك، كنا متوقعين هذا الإقبال الكبير، لكن لم أكن أتخيل أنني سأتلقى سبعين طلبًا في ربع ساعة فقط، كان شيئًا جميلًا جدًّا، ومفاجئًا".

يشير هذا الإقبال الكبير على إيمان الناس بما تقوم به مؤسسة كالبنيان.

يذهب الأب مع أولاده، إلى مكان التسوق المحدد، كأنه سيتم كساؤهم بطريقة طبيعية، يختار نوع الملابس التي يرغب باقتنائها، والمقاسات المناسبة لأطفاله، ومن ثَمّ يذهب إلى الكاشير، كأنه سيدفع قيمتها، ويقطع له فاتورة بيع، لكن الفارق أنه مجاني

الفئة الثانية: هم المتبرعون، الذين يجلبون الملابس إلى أحد المتاجر أو المولات التي تم التنسيق معها مسبقًا لاستقبال الملابس، وعناوين هذه المراكز متفرقة، والغرض منها التسهيل لهؤلاء المتبرعين من أجل الوصول إلى أقرب نقطة لهم. وإلى الآن يكاد التدفق لا يتوقف، وهذا أيضًا يدل على علاقة جيدة بين الفريق والمجتمع الداعم، ومدى إرادة المجتمع في استمرار هذه المؤسسة.

    تقول نهى العريقي: "أصبح الكثير منهم، لا يقدمون الملابس قبل جاهزيتها، كما كان في السابق، بل أصبح التجاوب إيجابيًّا أكثر، ويقومون بتجهيزها هم، أي: غسلها، ثم كيّها، وبالتالي إعدادها بشكل كامل، ومن ثم تقديمها".

    الفئة الثالثة؛ وهم الفئة المستفيدة من هذه المؤسسة، واختيارهم يكون بعد دراسة جيدة للمجتمع، من خلال عملية مسح، يتم فيها قياس الفئة الأشد احتياجًا، وتسجيل أسماء هذه الأسر، ومن ثم التواصل معهم لاحقًا، لاستضافتهم في مقر المؤسسة، وهناك يتم إعطاؤهم كروتًا، عليها تاريخ محدد، وعنوان معين. يذهب الأب مع أولاده، إلى مكان التسوق المحدد، كأنه سيتم كساؤهم بطريقة طبيعية، يختار نوع الملابس التي يرغب باقتنائها، والمقاسات المناسبة لأطفاله، ومن ثَمّ يذهب إلى الكاشير، كأنه سيدفع قيمتها، ويقطع له فاتورة بيع، لكن الفارق أنه مجاني، والأجمل: أنه يتم بسرية، دون معرفة أطفاله، مما يحفظ له كرامته، وهذه الطريقة للعطاء، فيها الكثير من النبل، على عكس الكثير من المنظمات والمؤسسات الخيرية التي تقوم بتصوير المستفيدين دون مراعاة لمشاعر التعفف لديهم.

يعمل جميع الشباب في مشروع "كالبنيان"، بمن فيهم الإدارة، بشكل تطوعي، باستثناء حارس المؤسسة، حسب حنان الأصبحي، المديرة المالية للمؤسسة؛ لذا فإن الدعم البسيط الذي يحصلون عليه، يتم صرفه في النفقات التشغيلية، وما تبقى منه، يصنعون فيه محتوى وثائقيًّا، يعبر عن مشروعهم، ويعطي الجمهور وعيًا عن أهمية العمل التطوعي. بالإضافة إلى أن هذه الفكرة تطورت في الفترة الأخيرة وقاموا بإنتاج فيديو كليب لأغنية خاصة بهم.

   إذن الفكرة التي لم تكن مكتملة في البداية، أصبحت تكبر كل يوم، ومعها يتكون لديهم تصورٌ أكثر وضوحًا، واستمرارهم في نفس العمل المتخصص في إعادة تدوير الملابس، يمنحهم المزيد من الخبرة في هذا المجال.

    لدى هؤلاء الشبان أحلام طموحة؛ إنهم يفكرون: لماذا لا نتوسع أكثر؟ لماذا لا نفكر أن يكون لنا مصنع خاص؟ أو حتى نعمل على تشغيل مصنع الغزل والنسيج؟ ومن يزورهم، سيتفاجأ بحجم العمل الذي يقومون به، وسيبدو له بأن تلك الطاقة الإيجابية قد لا تتوقف عند ذلك الحد.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English