مذكرات جار الله عمر

الصراع على السلطة والثروة في اليمن (2-2)
عبدالباري طاهر
July 28, 2021

مذكرات جار الله عمر

الصراع على السلطة والثروة في اليمن (2-2)
عبدالباري طاهر
July 28, 2021

الفصل الثالث: مكرس للسجن. والسجن في أي زمان وفي أي مكان، عقابٌ قاسٍ وأليم، ومصادرة للحق في الحرية والحياة الآمنة والمستقرة. وحقًّا؛ فقد عانى شباب الدفاع عن الثورة والجمهورية، وأبطال الانتصار في حصار السبعين يومًا من الجيش والأمن والمقاومة الشعبية- القهر حد الغبن؛ فبدلًا من تكريمهم، وتشريكهم في الحكم الذي انتصروا له، يُزج بهم في المعتقلات، وتجري تصفيات دموية لأبطالهم، ويشردون من مدينة حموها، ودافعوا عنها. هنا يكون الإحساس بالظلم راعبًا، خصوصًا وهم يرون من انتصروا عليهم من الملكيين قد أصبحوا هم الحكام.

تجربة هؤلاء الأبطال الفادين مريرة، وأستغرب أنه لم يشر إلى وجود عبدالحافظ قايد في المعتقل، فقد كنت حينها مختفيًا، وتمكنت من زيارته مرتين، ولكنهم تعلموا في السجن أمورًا كثيرة ومهمة، رغم قسوة معاناتهم فيه حينها؛ غير أنه لا وجه للمقارنة بين السجن أواخر الستينيات، وما استجد في السجون في عهد الحمدي وصالح حتى اليوم؛ حيث تم الإفادة من خبرات البريطانيين، والأردنيين، والإيرانيين (السافاك)، وشهدت الجمهورية العربية اليمنية فنونًا وألوانًا من التعذيب غير مسبوقة، واستشهد بسببها الكثيرون.

في الفصل الرابع: يتناول الحرب بين الشمال والجنوب، ويرى أن الجنوب كان يزايد على الشمال؛ لأنه نظام رجعي، ويعلل انتصار الجنوب على الشمال في حرب 72 بأن الأحزاب السياسية في الشمال كانت مؤيدة للجنوب، والأحزاب القومية قامت على أساس الوحدة.

يضيف، ومعه الحق: "أن أبناء الشمال موجودون في الجنوب، وجنوبيون موجودون في الشمال، وكلهم وحدويون، والشعب اليمني مؤيد للوحدة. من يرفع شعار الوحدة يحصل على التأييد".

يفطن المفكر السياسي والفادي جار الله لهذه المعاني الكريهة للحرب؛ وهي حينها تخاض باسم اليسار واليمين، أما اليوم، فتخاض الحرب داخل اليمن كلها: شرقًا، وغربًا، وشمالًا، وجنوبًا، بين قوى إقليمية: إيران، والسعودية وحلفائهما، وقوى قبلية، وجهوية وطوائفية وسلالية تهدف إلى تدمير الكيان اليمني، وتمزيق النسيج الاجتماعي، والاستيلاء على الجزر والموانئ، والثروات، وبعض المحافظات بالدعم والمساندة من أمريكا وإسرائيل، ونجد من أحزابنا ونخبنا وزعاماتنا وبعض مثقفينا مَنْ يساندها.

يوثق لفكرة الكفاح المسلح ضد نظام صنعاء؛ فقد كُلِّفَ بنقل رسالة إلى صنعاء من قيادة الدولة الجنوبية يُطلب فيها تشكيل وحدات عسكرية تقاتل حكومة صنعاء دفاعًا عن النظام في الجنوب، والجماعة في عدن مستعدون للدعم، وقد كان جار الله مأخوذًا بتجارب كوبا وأفريقيا وفيتنام وغيرها، وكان يعتقد إمكانية إسقاط صنعاء من الأرياف. (ص73).

يشير إلى انقسام قيادة الحزب الديمقراطي مع الكفاح المسلح وضده؛ فسلطان أحمد عمر، ومالك الإرياني، وعلي مهدي الشنواح وآخرون يؤيدهم صغار الضباط، والخارجون من السجون، والمطاردون، والمختفون- مؤيدون للكفاح المسلح، أما المعارضون؛ فيرون أنه لا إمكانية لحرب عصابات في الشمال؛ لأن الحزب ضعيف، والمجتمع متخلف، والقبائل قوية. كان السياسيون على رأس هذا القسم: عبدالحافظ قايد، وعبدالقادر سعيد؛ وهو سياسي كبير في الحزب، كما يقول جار الله، يضيف: "كنا نعتبرهم من اليمين، لكنهم كانوا أنضج منا يفكرون بشكل صحيح، إلى جانبهم يحيى عبدالرحمن الإرياني، وأحمد زيد". (ص 74). هكذا!، والظاهر أنه يقصد أحمد أمين زيدان- عضو اللجنة المركزية حينها، ومسؤول منظمة صنعاء. [الكاتب].

والحقيقة أن فكرة الكفاح المسلح كانت خطيئة كبرى منذ البداية، ولها دخل فيما وصلنا إليه اليوم. كانت الفكرة خاطئة وخطيرة، وكان الداعين إليها مغامرو اليسار الجديد، وبالأخص في المنطقة العربية: الجبهة الشعبية، والجبهة الديمقراطية، وبالأخص نايف حواتمة، ذو النفوذ الكبير حينها في الجنوب؛ وكتابه «تجربة الثورة في الجنوب» تعكس روح المغامرة الثورية. 

أدرك الفادي العظيم جار الله مؤخرًا أنه لا علاقة بما يجري في فيتنام، وكوبا، والصين، وبعض البلدان الأفريقية بما يجري في اليمن؛ فالحرب في اليمن بين الشمال والجنوب حرب أهلية بامتياز، ولها دلالات وأبعاد شديدة الضرر والخطورة. 

كانت إرادة قادة الجبهة، أو بعضهم على الأقل، حصر وقصر الصراع على أساس شمال، وجنوب، ويمين، ويسار. 

"تجربة فيتنام" التي حذرهم قادتها من تقليدها لا علاقة لها بما يجري في الحالة اليمنية، وكان الفيتناميون قد وضعوا لهم خمس محددات لنفي أي صلة أو شبه بين فيتنام واليمن، وقد أشار إلى بعضها جار الله عمر. كما أن فكرة الحرب الداخلية لا علاقة لها بالماركسية [الكاتب].

الحرص أن يكون المركز ومصدر القرار الوحيد الجنوب دفع في حالات إلى تأجيج الصراع بين الشمال والجنوب، خصوصًا عندما يحصل بعض الانفتاح، وينشط اليسار في المدن: صنعاء، وتعز، الحديدة، وإب، وبعض المدن- تتصاعد المواجهات العسكرية بين النظامين للخلاص من أي تفتح سياسي، أو بناء نقابي، أو تطور في الحياة المدنية، وكان الصراع المسلح يخدم أو يلبي إرادة مشتركة بين النظامين الشطريين، ثم إن الصراع بين الشمال والجنوب يعبر في جانب منه عن صراع جنوبي-جنوبي، وشمالي-شمالي، ويتخادم النظامان بالتركيز على هذا البعد.

إبعاد قحطان الشعبي، وفيصل عبداللطيف وقتله له علاقة بصراع اليمين واليسار، وبداية الصراع بين الشمال والجنوب، وحرب 1972 أزيح فيها محسن العيني، وجيء بعبدالله الحجري كرئيس للوزراء، وبدأت المواجهات الدامية، والاعتقالات الكيفية، والتعذيب حتى الموت في سجون صنعاء، وأسهمت حرب 1972، والمواجهات في الإطاحة بالإرياني. 

مقتل الزعيم ربيع والغشمي هو المساءل عن دفع السعودية بعلي عبدالله صالح، كما أن الحرب بين الشمال والجنوب، وفي كل شطر على حدة، أعاقت التنمية والتحديث والبناء، ودمرت التطور السياسي والتفتح والتمدن، وقوت عضلات الانتماء لما قبل الوطنية، وأبقت جذوة الصراع مشتعلة.

يفطن المفكر السياسي والفادي جار الله لهذه المعاني الكريهة للحرب؛ وهي حينها تخاض باسم اليسار واليمين، أما اليوم، فتخاض الحرب داخل اليمن كلها: شرقًا، وغربًا، وشمالًا، وجنوبًا، بين قوى إقليمية: إيران والسعودية وحلفائهما، وقوى قبلية، وجهوية وطوائفية وسلالية تهدف إلى تدمير الكيان اليمني، وتمزيق النسيج الاجتماعي، والاستيلاء على الجزر والموانئ، والثروات، وبعض المحافظات بالدعم والمساندة من أمريكا وإسرائيل، ونجد من أحزابنا ونخبنا وزعاماتنا وبعض مثقفينا مَنْ يساندها.

يدون بصدق وقائع مؤتمر الحزب الديمقراطي في الاعبوس، والذي لم يتم التوافق فيه على إعلان تنبني الكفاح المسلح؛ فعقد مؤتمر أخير في عدن أُطِيحَ فيه بالجناح اليميني: عبدالقادر سعيد، أحمد، وعبدالحافظ قايد، وانتخب مكتب سياسي يساري مؤيد للكفاح المسلح باسم جيش الشعب الثوري، وحتى بعد تأييد مطلب الجنوب، ظل التأييد الأقوى للمقاومين الثوريين. (ص 75).

كما يرصد جار الله، ويرى أن جذر التفكير ماوي وجيفاري، ويراه مبررًا في مواجه الهجوم على الجنوب إلا أنه غير صائب سياسيًّا في ظل موازين القوى (ص76)، ويرصد انقسام القيادة في الجنوب بين داعم للكفاح المسلح، ورافض لها (ص76). 

يأتي على تأسيس الجبهة الوطنية الديمقراطية 1976، واغتيال الحمدي 1977، مؤكدًا على علاقته بحركة القوميين العرب، وأنه استعاد العلاقة معهم بعد المواجهة مع كبار المشايخ والسعودية (ص 77). 

ويتناول محاولة انقلاب الناصريين، وحرب فبراير 79، ورفض السوفيت لها؛ آتيًا على محادثات الكويت من العام نفسه، والأهم الإشارة إلى أن أبناء الشمال لم يكونوا أطرافًا في الجبهة القومية والتنظيم السياسي، وأن العلاقة كانت تحالفية، ويتناول ولادة الحزب الاشتراكي الموحد.

في الفصل الخامس: يتناول إقالة عبدالفتاح إسماعيل، ووقف الكفاح المسلح في الشمال، وعدم تنفيذ النظام في الشمال الاتفاقيات مع الجنوب حول الجبهة الوطنية، وبداية مسلسل الاغتيالات، والاعتقالات، وتغول سلطة صنعاء ضد الجبهة وأعضاء الحزب.

في الفصل السادس: يتناول أحداث 13 يناير 1986، وبدايات الاستقطاب، وتفاصيل الصراع؛ وفي شجاعة نادرة تليق بالشهيد جار الله يعترف بأنه أصبح طرفًا في الموضوع مع الآخرين: "لم يعد بوسعي أن أكون قاضيًا، وأحكم على الآخرين، وأبرئ الطرف الذي أنا منه؛ فإننا جميعًا نتحمل المسؤولية" (ص117).

ويشير بذكاء إلى محاولة للانقلاب على علي ناصر أثناء عودته إلى عدن من زيارة للخارج، وحوار دار بين صالح مصلح وعلي عنتر؛ وهما قطبا الصراع في الجنوب، ويمثلان القوة العسكرية والمليشاوية- في لقاء مصالحة بينهما، ومعهما جار الله. يقول مصلح لعنتر بالنص: "أنا لا أصلح كي أكون رئيس دولة، والمنصب الذي وصلت إليه أقصى ما أطمح إليه. يجب علينا أنا وأنت أن نفهم الحدود التي نصل إليها؛ لأني أدير وزارة الدفاع بمستشار سوفيتي، ورئاسة الدولة تحتاج إلى عقل، ولا أستطيع ان أدخل المستشار السوفيتي في دماغي، ويعطيني نصائح في كل لحظة". وقال صالح مصلح: "الذي سيبدأ القتال سنكون ضده" (ص 118). 

كان صالح مصلح شديد الذكاء، وإشارته لعلي عنتر بأنهما لا يصلحان للرئاسة، وأن الرئاسة تحتاج عقلًا له دلالة وأي دلالة في ظل وجود الثلاثة: مصلح، وعنتر، وجار الله عمر.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English