مذكرات جار الله عمر.. الصراع على السلطة والثروة 1/2

المفكر الذي قرأ المشهد المشارك فيه بصدق وموضوعية
عبدالباري طاهر
July 21, 2021

مذكرات جار الله عمر.. الصراع على السلطة والثروة 1/2

المفكر الذي قرأ المشهد المشارك فيه بصدق وموضوعية
عبدالباري طاهر
July 21, 2021

المذكرات ثمرة حوار أجرته معه ليزا ودين، وقدم للكتاب وأشرف على التحرير والإعداد فواز طرابلسي. استمر الحوار من 1999-2003. 

في المقدمة يشير الأستاذ فواز إلى أن الباحثة قدمت له الحوار- الوثيقة النادرة؛ فجار الله عمر -والكلام لفواز- نادر بين القادة الثوريين الذين تجرؤوا على مراجعة تجربتهم مراجعةً جذرية، على النقيض من ممارسة مألوفة لدى الكثير من المعارضين العرب الذين يستسهلون موالاة نظام استبدادي آخر".

يشير فواز إلى وقوف جار الله أمام مفارقة تأييد حزب وحيد حاكم في الجنوب، وقيادة معارضة مسلحة وسياسية لإسقاط حكم الحزب الواحد في الشمال.

وحقيقة الأمر أن النظامين في الجنوب والشمال لم يكونا ديمقراطيين، والسلطة والثروة علة صراعهما كعنوان المذكرات [الكاتب].

يضيف فواز: "هكذا كان جار الله عمر يبتكر، يتحايل، يلتف في الرد على تكتيكات السلطة بواسطة مخيلة وحنكة سياسيتين نادرتين، لكنه دخل منطقة الخطر عندما كان أحد مهندسي اللقاء المشترك".

الدكتور فواز -كمفكر سياسي، ويسار جديد- تربطه علاقات وطيدة وعميقة بالشهيد العظيم الفادي جار الله عمر، وبتجربة الثورة في الجنوب، وبالحزب الاشتراكي الذي كان جار الله أحد مؤسسيه. 

أما مقدمة المحاورة، فتتذكر لقاءها به عندما بدأت عملها على مشروع جديد عن تكون الهُوية في اليمن؛ فقد رأت فيه -والكلام لها- "إشعاعًا وخيالًا استثنائيين"، تضيف: "كان له حضور نادر قد يسميه البعض كارزما؛ جاذبية شخصية تجذب إليه حتى الأعداء؛ هذا ما قد يسميه آخرون شعبية؛ فقد شارك في تشييعه 500 ألف إنسان".

يقرأ بذكاء سياسي فذّ انقلاب الـ5 من نوفمبر، ويسفه اعتقال المعارضين لحكومة السلال في مصر قبيل هزيمة 1967، وهم كبار مسؤولي الدولة وضباطها بمن فيهم الأستاذ النعمان، وفرض الإقامة الجبرية على القاضي الإرياني

وتشير أنها تشاركت وجار الله في مشروع مقابلات معمقة ومفتوحة؛ فقد كان همّها تسجيل روايته عن الأحداث أكثر من الأحداث ذاتها، كما أنها تتناول جانبًا من حياته في هذه المذكرات.

تختتم مقدمتها الضافية بالقول: "كان ديمقراطيًّا بأغنى ما للكلمة من معنى؛ رجلًا كرس القسم الأخير من حياته لبناء حياة سياسية تداولية أكثر حريةً وأكثر انفتاحًا. كان ملتزمًا على أساس يومي بالسؤال الأساسي: ما الذي علينا أن نعمل؟

جار الله عمر علَم من أعلام اليمن، ومن أبرز قادة الحركة الوطنية، ومن مؤسسي الحزب الديمقراطي الثوري، والحزب الاشتراكي، وأمين عام الوحدة الشعبية، ورأس قيادة الجبهة الوطنية الديمقراطية.

كان الفادي جار الله سردية ثورية بسيط كالكتاب، عميق كالطفل، واضح كاليقين، شجاع في الجهر بخطئه كشجاعته في الدفاع عن رأيه، والقضايا التي يؤمن بها. لقد اتفقنا، واختلفنا، وفي كل الحالات نظل أصدقاء". 

تقع المذكرات المتوسطة الحجم في 250 صفحة، تتوزع على ثلاثة عشر فصلًا. تتناول في الفصل الأول: القرية، والنشأة. 

أمّ الطفل اليتيم تريده أن يكون مثل أبيه- معلم القرية [الكاتب]. لفترة قصيرة درس في ذمار، ثم انتقل بعدها إلى دار العلوم بصنعاء. اشترك في المظاهرات التي فجرها طلاب الثانوية في صنعاء، والتحق بهم طلاب دار العلوم والمتوسطة وبقية المدارس، وامتدت المظاهرات إلى تعز. لوحشية الاعتقال فرّ مع ابن عمه إلى عدن، ليعود إلى صنعاء مرة ثانية مواصلًا دراسته. 

يدون تفاصيل طفولته في قريته كهال إحدى قرى محافظة إب، ويذكر الاهتمام بالتعليم التقليدي السائد يومذاك، راصدًا دراسته في ذمار وصنعاء، والهروب إلى عدن، والعودة إلى القرية، ثم صنعاء.

يتذكر الطالب قيام الثورة ليلة الـ26 من سبتمبر؛ فقد كان مبنى المدرسة قريبًا من دار البشائر- قصر الإمام البدر.

في الفصل الثاني: يتناول نشاط حركة القوميين العرب، والبعث في صفوف الطلاب، ويذكر توزيع كتب سيد قطب. 

محمد محرم أول من اتصل به للالتحاق بحركة القوميين العرب. يُقَيِّم جار الله السلال- أول رئيس للجمهورية بأنه طيب القلب، وتلقائي، مخلص للثورة، ويصفه برباطة الجأش، والإبلاء في المعارك، ويؤرخ بصدق لبداية الخلاف بين حركة القوميين العرب، والمصريين، واعتقال عبدالفتاح إسماعيل، وأنور خالد- رئيس مؤتمر الخريجين، وأحد زعماء الجبهة القومية، وكانت حياتهما معرضة للخطر، وقد تولى حراستهما محمد عبدالسلام منصور، وناصر السعيد. والمهم إفشال خطة اغتيال عبدالفتاح إسماعيل، وأنور خالد. ويذكر أن قيادة حركة القوميين في صنعاء: عبدالحافظ قايد، وسلطان أحمد عمر، وأحمد قاسم دماج، وعلي سيف مقبل، وعبدالقادر سعيد هادي. ومن الملاحظ في كل المذكرات يورد اسم عبدالقادر سعيد هادي، والمؤكد أن جدّ عبدالقادر أحمد طاهر، وهادي اسم مقحم خطأً. 

دخول حركة القوميين إلى صنعاء جاء متأخرًا ومتزامنًا مع قيام الثورة، وبفضل النشاط في صفوف الطلاب، والفئات الكادحة، وتشكيلات الجيش والشرطة، والدعم المصري في البداية- فقد كان تأثيره قويًّا، والبعث قد سبقهم حضورًا، ووجودهم في تنظيم الضباط الأحرار كبير إلا أن الخلاف بين سوريا ومصر، وانصرافهم إلى المشايخ، وكبار الضباط أعاق توسعهم الشعبي. 

يقرأ بذكاء سياسي فذّ انقلاب الـ5 من نوفمبر، ويسفه اعتقال المعارضين لحكومة السلال في مصر قبيل هزيمة 1967، وهم كبار مسؤولي الدولة وضباطها بمن فيهم الأستاذ النعمان، وفرض الإقامة الجبرية على القاضي الإرياني. 

انقلاب 5 نوفمبر 1967 

يقدم جار الله قراءة مائزة عن انقلاب 5 نوفمبر تعبر عن نضج سياسي، ومسؤولية أخلاقية رفيعة، ويروي موقف حركة القوميين العرب من الانقلاب، والأسباب المؤدية إليه، والأطراف المشاركة فيه، ويفترض أن المصالحة كانت ممكنة بإجراءات معينة، ولكنه يرى أن الأولوية كانت الاستيلاء على السلطة [ص 41]. 

صحيح أن بعض المشاركين في الانقلاب لم تكن قراءتهم دقيقة ولا صائبة، وأن قضية حماية الثورة والدفاع عنها كان حاضرًا في ذهن البعض، ورغم طموح السعودية، وتحبيذها للانقلاب إلا أنها كانت تريد إسقاط صنعاء بقوة السلاح، كما حصل في 1948، مستفيدةً من أجواء هزيمة 1967، وأيضًا للتوقي من ثوار ردفان الذين كانت تنعتهم بـ"الذئاب الحمر". حينها كان ثوار الجنوب يدقون بقوة أبواب النصر، وكان انسحاب آخر جندي مصري من الحديدة متزامنًا مع انسحاب آخر جندي بريطاني من عدن [الكاتب].

قراءته لمظاهرات 3 أكتوبر 1967، المؤيدة للسلال كانت في الحقيقة إضعافًا له؛ فقد أدت إلى إسقاط الحكومة، ومهدت للانقلاب [ص 43]. وهي المظاهرات التي تشارك فيها الحركيون، والبعث، والماركسيون، وبعض من القوى المشيخية والتقليدية المعادية للثورة والجمهورية وللجيش المصري.

يقرأ حصار السبعين يومًا؛ وهو أحد أبطال الدفاع عن صنعاء في المطار الجنوبي- الجبهة الأخطر في الحصار، وكتابه القيّم "القيمة التاريخية لحصار السبعين" من أهم الأعمال التوثيقية لوقائع الحصار. حينها كان جار الله عمر ليس قائدًا عسكريًّا فحسب، وإنما أيضًا مفكرًا سياسيًّا، ومناضلًا وطنيًّا. 

المفارقة أن جار الله عمر مع بداية الحصار كان مفصولًا من الأمن مع بعض من رفاقه القوميين؛ فقد تم استدعاؤهم من قبل وزارة الداخلية، وكلفوا بقيادة طلاب الكلية المتمردين على يحيى الراعي ومحمد خميس. 

يشيد يدور الجيش، والأمن، والمقاومة الشعبية، والأحزاب المشاركة؛ ذاكرًا البعث، والقوميين العرب، والماركسيين: اتحاد الشعب الديمقراطي، ولا يشير إلى الماركسيين المستقلين، مع ذكر عمر الجاوي، وسيف أحمد حيدر؛ وهما من مؤسسي المقاومة، وكانا يمثلان الماركسيين المستقلين حينها، ويؤكد على دعم النظام في الجنوب لصمود صنعاء؛ مشيدًا بدعم روسيا لصنعاء، وإرسالها طائرات وطيارين لقصف القوى المحاصرة، كما يتذكر أيضًا الدعم السوري [ص 46].

يقدم جار الله رؤية جديدة جدّ مختلفة ومغايرة؛ فلم يعد المتعصب الأيديولوجي قصير النظر، ومحدود التفكير، وضيق الأفق؛ فهو ينظر إلى أحداث أغسطس 1968 -والنص له- "مأساة جمهورية تدل أن العنف عندما يسود المجتمع يتحول إلى قانون يستخدمه طرف ضد طرف، ثم يستخدمه الطرف ضد بعضه" [ص 47].

جار الله عمر ومحمد عبدالسلام منصور كانا من أهم المتحمسين للمواجهة بحسب شهادة فتحي الأسودي في كتابه "صنعاء الحصار والانتصار"، ولكن المفكر جار الله يدرك أن الصراع الداخلي الأهلي لا يحل بالسلاح؛ فهو طاحونة إذا بدأت وتحركت لا تتوقف أبدًا؛ لأنها تدور -كما أشار- داخل طرف واحد؛ وهو نزاع على إرث بين أخوين؛ بغض النظر عن دعاوى كل طرف، وهو ما لا يدركه بعض مثقفينا وكتّابنا حتى اليوم، وبعد حرب ستة أعوام بين "الإخوة الأعداء". 

يقرأ المفكر السياسي الملهم المشهد المشارك فيه بموضوعية وصدق، ويدرك خطورة ازدواج السلطة، وتدخل عوامل مختلفة: جغرافية، ومذهبية.

 قراءته للمشهد غاية في الصدق والشجاعة، ويرى أن الضباط الصغار متحمسون سريعو الانفعال، وأقل صبرًا، وأكثر طموحًا، وكان الصف الباقي من الضباط الكبار لا يطيقون نزق هذا الجيل الجديد، ويتوجسون خيفةً من اندفاعاتهم، ويؤكد على دور القوى التقليدية التي بدأت بنسج علاقات مع الطرف الملكي المهزوم للخلاص من بيت حميد الدين، ومواجهة خطر القوى الجديدة، ويخلص إلى القول: "وأعترف اليوم أننا كنا -نحن الشباب- نفتقر حينها إلى القدر الكافي من التجربة والحكمة والعبر؛ فقد كان الكثير من الصف الآخر الذين اختلفنا معهم حلفاء لنا" [ص 48]. كما أن الصراع، الذي كان قائمًا بين حركة القوميين العرب وبين حزب البعث، لعب دورًا كبيرًا في هذه العملية [ص 48].

ما أشار إليه جار الله هو أقل ما يقال في نقد ما يسميه إنجلز: مزاج نفاد الصبر؛ فقد كان قياديون في الحركة يقودون مظاهرات مسلحة شبه يومية إلى بيت القاضي الإرياني.

انتصار الجبهة القومية في الجنوب خلق حالة من الهوس بالسلاح؛ "فمن فوهة البندقية تنبع السلطة السياسية"، ومورست إجراءات قاسية وعنيفة ضد البرجوازية الصغيرة والمتوسطة "العميلة"، وكممت الأفواه، وصودرت الحريات العامة والديمقراطية، وجرى إفقار الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وسادت الشعارات الماوية، والجملة الثورية الفارغة كما يسميها لينين، وإلى أمد قريب ظل قياديون في حركة القوميين العرب يلومون عبدالحافظ قائد؛ لأنه رفض قرار الاستيلاء على السلطة. 


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English