صوت اليمن القادم من العراق

السندباد الذي انتهى قاربه في شواطئ حضرموت
خيوط
April 20, 2021

صوت اليمن القادم من العراق

السندباد الذي انتهى قاربه في شواطئ حضرموت
خيوط
April 20, 2021

في السادس من يناير الماضي، ودّع في مرثية قصيرة صديق عمره "ألفريد سمعان" بكلمات معبرة نابعة من قلب فنان شعر بفداحة رحيل قامة فنية كألفريد سمعان، في زمن يتسرب مبدعوه وخيرة نخبته تاركين واقعًا تسوده الوحشة والكآبة، يرحل خيرة رجاله ويطفو على السطح أسوأ ما فيه.

قال الفنان والموسيقيّ جعفر حسن في وداع صديق عمره "الفـريــد سـمعـان":

وداعًا رفيق الدرب الصعب

وداعًا شاعر الوطن والشعب

وداعًا شاعر الحب والإنسانية

نَمْ قرير العين، لن ننساك

وستبقى في القلبِ والوجـدان

كأنه وضعها ليودع بها نفسه أيضًا ونودّعه بها، فقط ثلاثة أشهر من مرثيته ليلحق بصديقه، بعد مسيرة فنية ونضالية زاخرة، تاركًا إرثًا فنيًّا واسعًا، أحد رواد الأغنية الوطنية وأحد مؤسسي الأغنية السياسية، حسب ما يصنفه باحثون ومختصون في مجال الأغنية السياسية.  

وُلِد الفنان جعفر حسن عام 1944، في مدينة خانقين التابعة لمحافظة ديالى بالعراق، ثم شق طريقه إلى الفن منذ عام 1958، ليصبح فيما بعد أحد رواد الأغنية السياسيّة، ليس فقط في بلده العراق، بل في الأغنية العربية بشكل عام. في العام نفسه الذي شهد انطلاقته، قام بتلحين قصيدة اسمها "اغضب كما تشاء" للشاعر نزار قباني، ثم أسس فرقة الرواد المركزية الخاصة بالأغاني الوطنية والشعبية.

حسن صاحب أغاني "عمي يابو جاكوج"، و"عمال نطلع الصبح"، و"يا حبّي يا بغداد"، و"وديني البصرة"، والعديد من الأغاني.

عند تذكر اسمه أو سماع أغانيه، وفق نقاد فنيين ومتذوقين لفن جعفر حسن، كأننا نستحضر زمنًا جميلًا حافلًا بالأحلام ومغمسًا بالعذابات، فهو يحلم بعالم جديد وسعيد، وكما وصف الإعلامي زاهي وهبة تجربته وتلك الحقبة من حياته بالرومانسيّة الثوريّة. تلك التجربة المريرة جعلته سندبادًا ينتهي قاربه في شواطئ حضرموت، حيث وجد مسكنًا طيبًا لقلبه العاشق، فأحب مدن حضرموت وأحب ناسها ومغنيها وبادلوه ذات الحب والتقدير.

الفنان جعفر حسن، حسب مركز التراث الموسيقي اليمني، فر من بغداد إلى عدن واستقر فيها، وكوّن فرقة "أشيد" الفنية، التي قدمت العديد من الأغاني، حتى إنها قدمت أغانيَ باللغة الكردية. الفنان جعفر حسن هو شقيق زوجة الفنان اليمني الكبير جميل غانم.

فترته في عدن

تحدث القاصّ والباحث العراقي المعروف رحيم الحلي، في مدونة على موقع مؤسسة الحوار المتمدن بإسهاب عن جعفر حسن ومسيرته الحافلة والزاخرة، وخصّص الحلي جزءًا كبيرًا في مدونته عن الفترة التي عاشها جعفر حسن في اليمن.

هكذا بدأ الحلي هذا الجزء الأهم من حياة حسن؛ "في جلسة غنائية في عدن، في اليمن الجنوبي، في الثمانينيات، غنى جعفر حسن قصيدة "أشواق" من ألحان رياض السنباطي وشعر مصطفى عبدالرحمن، كان أحد الحضور من مصر وهو موسيقي سابق ويعمل في مكتب الأمم المتحدة في عدن، سجل الأغنية في السهرة، وأخذه التسجيل إلى مصر وكان على علاقة بالفنان الكبير رياض السنباطي".

في جمهورية اليمن الديموقراطية أسس فرقة "أشيد" الموسيقية الغنائية المشهورة التي ضمت العديد من الفنانين والمغنين اليمنيين الشـباب، حيث قدم لها العشرات من الألحان والأغاني القديمة والجديدة ونقل تجربته في الأغنية السياسية التضامنية الإنسانية بنجاح واقتدار إليها

حين استمع السنباطي إلى التسجيل، طلب منه أن يأتي بالفنان جعفر حسن إلى مصر، قائلًا: "هو ده بيعمل إيه في اليمن؟"، لم يتمكن الفنان جعفر حسن بجواز سفره اليمني وقتها من دخول مصر، كما يقول هذا الباحث، وحين سنحت له الفرصة بدخول مصر كان القدر السيئ يقف مرة أخرى أمام فناننا الرائع جعفر حسن؛ حيث توفى السنباطي قبل أن يتمكن من الوصول إلى مصر، استطاعت الفنانة ميادة الحناوي من الحصول على اللحن وتسجيله بصوتها، فحظ جعفر حسن ليس كحظ ميادة الحناوي.

أثر خالد

في جمهورية اليمن الديموقراطية أسس فرقة "أشيد" الموسيقية الغنائية المشهورة، التي ضمت العديد من الفنانين والمغنين اليمنيين الشـباب، حيث قدم لها العشرات من الألحان والأغاني القديمة والجديدة، ونقل تجربته في الأغنية السياسية التضامنية الإنسانية، بنجاح واقتدار إليها.

تقلد قيادة فرقة أشيد الشبابية الموسيقية الحديثة، التي كان له الفضل في تأسيسها ورفدها بألحانه المتميزة في شكلها النغمي وأسلوبها الموسيقي الغنائي (الجماعي والفردي)، ورشاقة إيقاعاتها وحسن اختياراته لمواضيع نصوص أغانيها البديعة المتألقة، ولعل من أبرزها:

عمي يا أبو الشاكوش، هيلا يا صياد يا بو السفينة، شامة على خد الزمن، قالت عدن، عمال نطلع الصبح، اليمن نعشقها، وغيرها من التحف الفنية الرصينة والرائعة.

عن الفترة التي عاشها في عدن، كتب الفنان العدني عصام خليدي، عن جعفر حسن: "أحبته الجماهير بشغف، بسبب دماثة أخلاقه وألحانه الباذخة المترفة الثرية المتجددة في مقاماتها وقوالبها اللحنية وتوزيعها الموسيقي المتفرد النوعي، كانت أغانيه وألحانه ذات صلة بقضايا ومعاناة الشعب وهمومه وأفراحه وأتراحه".

تركت موسيقاه، كما يقول خليدي، أثرًا رائعًا راقيًا في نبض ووجدان مدينة عدن، وبصمات لا تنسى في الذاكرة الجماعية الفنية النابضة الحية ملحنًا وفنانًا متمكنًا، تدخل أغانيه إلى القلوب وتستوطنها، ويأسرنا بصوته الساحر العذب الذي يشنف الآذان، ويثير لواعج النفس والروح وتلابيب الأفئدة والقلوب.

الموسيقار جعفر حسن، كان وسيظل فنانًا ديدنه تبني القضايا والمواقف النبيلة السامية الملتزمة التي لا يحيد عنها من أجل المال ولا المناصب والجاه، كما كتب خليدي.

في حوار أجراه في العام 2013، تحدث جعفر حسن عن الفترة التي عاش فيها في عدن جنوب اليمن، حيث أكد أنه وصل إلى عدن: "مشيًا على الأقدام؛ لأن المضطر يركب الصعاب، حينها كنت معتقلًا وخرجت، وكان لا بد أن أرحل من البلاد، وهناك في عدن استقبلوني استقبال الأبطال، فأغنياتي كانت معروفة لديهم ومنتشرة هناك، واحتضنوني لمدة 20 سنة، وبعدها غادرت إلى الإمارات".

أسس حسن فرقًا موسيقية إلى جانب "أشيد"، وقام بأنشاء أول أستوديو في عدن، كما عمل أستاذًا وعميدًا في معهد الفنون الجميلة، وأسس فرقًا للشبيبة، وشارك في مهرجانات عالمية، وحصل على عدة جوائز، وأنتج عشرات الأغاني في عدن.

في بداية الثمانينيات قام بتصوير أول أغنية فيديو كليب "مجالس الشعب" من ألحانه وغنائه نالت شهرة واسعة، ثم أعقبها بأغنية "مشكلتك إنته" من ألحانه وكلمات رسول الصغير، وكانت هاتان الأغنيتان أولى الأغاني التي تم تصويرها بطريقة الفيديو كليب في عـدن بين عامي 86 و87

كما لحن لفنانين يمنيين كثيرين، وكان له فضل في اكتشاف أصواتٍ فنية كثيرة، غنّى من التراث اليمني، وجدد بعض الأغاني التراثية اليمنية، ومزج ما بينها وبين التراث العراقي، وبخاصة التراث العدني والحضرمي، الذي يعتبره جعفر حسن قريبًا في الإيقاعات والأوزان والشعر والموسيقى، ثم بعد 20 سنة، وذلك في العام 1997، سافر إلى الإمارات وعمل مستشارًا بالمجمع الثقافي في أبو ظبي.

مسيرة زاخرة في اليمن

حين وصل عدن وجد أغانيه السياسية الممنوعة في العراق تسبقه إليها وتباع في الأسواق، وما زالت ليومنا هذا يرددها الشباب والشيوخ، ومنها أغانٍ باللهجة اليمنية والإيقاعات والنكهة اليمنية، بالإضافة إلى أغانيه العراقية العديدة، فالكل كان يغني "يا بو علي"، و"يا بو الجاكوج"، و"نيرودا"، و"لا تسألني"، وكذلك أغانيه اليمنية في اليمن "لاقيت خلي"، وأغنية "قالت عدن" المعروفة، و"هيلا يا صياد" وعشرات غيرها.

يقول الحلي، إن جعفر حسن أعاد صياغة بعض الألحان التراثية اليمنية بأسلوبٍ جديد، كما أن معظم الفرق الموسيقية اليمنية تعزف وتحفظ أغانيه وألحانه. كما حصل على شهادات تقديرية عديدة لجهوده في تطوير معهد الفنون وتأسيس فرق الشبيبة للموسيقى والغناء في المحافظات الأخرى، وأسس أول أستوديو للتسجيلات الصوتية الحديثة في عدن عام 1989.

عام 1987، ومن ثمرة لقائه بصديقة الشاعر أحمد فؤاد نجم في عدن، لحن له مسلسل من 30 حلقة، بعنوان "مذكرات جحـا" لإذاعة عدن، ومجموعة أغاني ألبومه "عابر سبيل" الذي سيرى النور أخيرًا، وبالإضافة إلى عشرات السهرات الغنائية التلفزيونية والأماسي الفنية التي اشتركت فيها أيضًا الفنانة إلهام حسن، التي غادرتنا منذ أوائل القرن، وبقي مرقدها في مدينة عـدن.

في بداية الثمانينيات، قام بتصوير أول أغنية فيديو كليب "مجالس الشعب" من ألحانه وغنائه، نالت شهرة واسعة، ثم أعقبها بأغنية "مشكلتك إنته" من ألحانه وكلمات رسول الصغير، وكانت هاتان الأغنيتان أولى الأغاني التي تم تصويرها بطريقة الفيديو كليب في عـدن بين عامي 86 و87.

كما كان بيته مضيافًا وملتقى للأصدقاء والفنانين اليمنيين والعرب، الذين غالبًا ما يحضرون للمشاركة في الاحتفالات والمهرجانات التي كانت تقام باستمرار، ومنهم صديقاه الحميمان الشيخ إمام والشاعر أحمد فؤاد نجم، كذلك الشاعر عبدالرحمن الأبنودي، والفنان محمد منير، والفنان محمد حمام، والفنانة محسنة توفيق، والكاتبة فتحية العسال، والفنانة سميحة أيوب، وعشراتٍ غيرهم من الفنانين؛ حيث كان جعفر حسن يشكل جسرًا للتواصل بين الفنانين من مختلف أنحاء العالم المتوافدين على جمهورية اليمن الديموقراطية.

كانت أغاني حسن تصل عبر تهريبها إلى كل مكان، لم يغنِّ لرئيس في حياته، ولم يغنِّ باسم حزب، غنّى للشعب وللوطن وللمرأة والطلبة والفلاحين، أغنيات تضامنية مع شعوب العالم من أفريقيا إلى أمريكا اللاتينية إلى فلسطين، كان أول من لحن للمقاومة الفلسطينية في الستينيات، وقد بدأ مع محمود درويش وتوفيق زياد وسميح القاسم، لحن عشرات الأغاني للمقاومة الفلسطينية، من ضمنها أغنية "ما دامت لي من الأرض أشبار" و"شدوا وثاقي"، وأسس في لبنان فرقة فنية عام 1974، كما قدّم حفلات في أوروبا وشارك في مهرجانات عالمية.

لماذا غادر جعفر عدن بعد هذه الفترة التي أصبح فيها صوت اليمن القادم من العراق، هنا كان السبب، كما تحدث عن ذلك بنفسه: "ساءت الأوضاع بعد عام 1994، بسبب الحرب، وما عادت الحياة مثلما كانت، عدن كانت جنة وحياة وثقافة، وفيها فرق موسيقية وغنائية وحضارة. رغم مغادرته عــدن واليمن إلا أن حنينه إليها لم ينتهِ، فهناك بقيت آثاره الموسيقية وأغانيه ومحرابه الذي يحكي ذكرياته وقصصه مع الغناء والناس والبحر والنوارس، حتى رحيله اليوم عن الحياة الدنيا عن عمر 77 عامًا، قضى ثلثه الحافل بأهم محطاته الفنية في موطنه الإبداعي والموسيقي عدن.

•••
خيوط

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English