طريق الهروب من المجهول

زيادة حالات الانتحار في اليمن، قد تتطور إلى ظاهرة
عبدالرحمن زمام
October 9, 2021

طريق الهروب من المجهول

زيادة حالات الانتحار في اليمن، قد تتطور إلى ظاهرة
عبدالرحمن زمام
October 9, 2021
© UNITED_NATION

في كل عام يضع أكثر من 700 ألف شخص نهاية لحياتهم حول العالم، وتحتل اليمن المرتبة الثالثة عربيًّا بعد مصر والسودان، مسجِّلة 2335 حالة انتحار سنويًّا- حسب تقرير لمنظمة الصحة العالمية، الذي أشار إلى أن الانتحار يشكل السبب الرابع للوفاة عند الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و19 سنة.

تشهد اليمن مؤخرًا، تزايدًا مقلقًا لحالات الانتحار بحيث صارت الفترات الزمنية بين انتحار وآخر متقاربة، ولكل حالة قصةٌ وأسباب وتداعيات، أبرزها استمرار الحرب بتبعاتها التي لم يسلم منها الكبار والأطفال، ناهيك عن الوضع الاقتصادي الآخذ بالتردي والانهيار المتسارع خلال السنوات القليلة الأخيرة. 

ووفقًا لبيانات منظمة الصحة العالمية، فإن 77% من حالات الانتحار تسجل بين فئات متوسطي الدخل والأسر الفقيرة. واعتبرت منظمة الصحة العالمية أن البيئة التي تشجع على الانتحار في دول الشرق الأوسط، متوفرة، نتيجة لما تشهده هذه البلدان من حروب ونزاعات. 

ولا يزال الانتحار أحد الأسباب الرئيسية للوفاة حول العالم، وفقًا للتقديرات الأخيرة لمنظمة الصحة العالمية الصادرة شهر يونيو/ حزيران 2021، في تقديراتها عن "الانتحار حول العالم في عام 2019".

ففي كل عام، يفوق الأشخاص الذين يموتون انتحارًا عدد من يتوفى منهم بسبب فيروس الإيدز أو الملاريا أو سرطان الثدي، أو حتى الحرب والقتل، وجاء الانتحار في المرتبة الرابعة من الأسباب المؤدية للوفاة في فئة الشباب بين عمر 15 إلى 29 عامًا، بعد حوادث الطرق والسل والعنف بين الأشخاص.

حادثة انتحار شاب عشريني في أمانة العاصمة صنعاء، وهو من أهالي محافظة حجة، ولم يمرّ على زواجه سوى ستة أشهر. انتحر الشاب في وضع غامض حول قصته التي تسببت بالهلع والقلق في أوساط المجتمع. وفتحت قصة هذا الشاب وغيره ممن يضعون نهاية حاسمة لحياتهم بالانتحار، جدلًا ومخاوف في محيطه الاجتماعي الذي لم تكن لهذه الظاهرة وجود فيه من قبل، فيما يثير تزايد حالات اللجوء للانتحار، مخاوف اجتماعية على نطاق أوسع.

وفي 16 سبتمبر/ أيلول 2021، تم العثور على الشاب (ح. م. ح 18 سنة)، وهو أيضًا من أهالي محافظة حجة، مشنوقًا في إحدى الأبنية المهجورة في شارع الخمسين (جنوب غرب العاصمة صنعاء).

قصة انتحار هذا الشاب، بحسب ما أفاد بعض أقاربه ومصادر في أسرته تحدثوا لـ"خيوط"، أنه قرر العمل لتكوين مستقبله، وبدأ في توفير المال اللازم لذلك، ثم ساء وضعه وتوقف عن العمل، واضطر لإنفاق المبالغ التي كان قد ادّخرها؛ الأمر الذي أدخله في حالة اكتئاب حاد.

حاول أكثر من مرة الانتحار، لكن محاولاته كانت تبوء بالفشل لوجود أهله بجواره، حتى تمكن ذات يوم من الهروب من البيت، وبعد أن حلّ المساء ولم يعد، خرج أقاربه -كما روى بعضهم لـ"خيوط"- للبحث عنه وأبلغوا أقسام الشرطة، وفي صبيحة اليوم التالي، وصلهم الخبر من مستشفى الشرطة بوجود جثة ابنهم فيه، وتمّ تشريحها وثبوت حالة الانتحار شنقًا.

يتوقع أستاذ علم النفس لطف حريش، زيادة عدد حالات الانتحار في اليمن، بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة وازدياد متطلبات الحياة التي أصبحت صعبة ومعقدة، وبسبب الاحتراق النفسي الذي يعانيه الإنسان اليمني.


قصة أخرى لرجل من أبناء محافظة عمران (ق.ش)، يروي قصته أحد أبناء القرية لـ"خيوط" قائلًا: "كان هناك خلاف بين المنتحر وأبناء عمومته، وتم الاتفاق على الاجتماع وحُدِّد يومٌ لحل الخلاف بعد تحكيم شيخ قبلي للإصلاح بينهما، وفي اليوم المتفق عليه للحضور خرج (ق.ش) من بيته ولم يعد، بحثت عنه زوجته وأطفاله ليشاركهم وجبة الغداء إلا أنهم لم يجدوه، وبدؤوا بالبحث حتى وصلوا إليه، وهنا كانت الفاجعة للأسرة بل للقرية بأكملها، وجدوه مشنوقًا في غرفة مهجورة وسط أرض زراعية تسمى بالعامية "كنان أو سقيف"، حيث شنق نفسه ومات هروبًا من مشكلات الحياة وضغوطاتها ليجد الانتحار حلًّا لإنهاء همومه ومشاكله، بحسب اعتقاده.

اليمن الثالثة عربيًّا 

نظرًا لمشقة الحياة البالغة، ونتيجة لما تمر به البلاد من حرب متواصلة، وانقطاع رواتب الموظفين الحكوميين، وشحّة فرص العمل وتزايد معدل البطالة، وتردي الخدمات الأساسية، انتشرت حالات الانتحار بصورة لافتة في أغلبية المدن اليمنية، لتصل اليمن إلى المرتبة الثالثة عربيًّا في تسجيل عدد حالات الانتحار بعد مصر والسودان. 

ويوافق الـ10 من أيلول/ سبتمبر، اليوم العالمي للوقاية من الانتحار، وقد مرّ هذا العام في ظل استمرار قصور دور وسائل الإعلام اليمنية في التوعية بخطورة وصول الانتحار إلى مستوى الظاهرة، على المجتمع. كما أن تناميها اللافت في الآونة الأخيرة لم تواكبه دراسات اجتماعية ترصد وتحلل السلوك الانتحاري ودوافعه، كما أن توعية المجتمع بآثار وسلبيات الانتحار شبه منعدمة، وبالمثل البرامج الوقائية من وصول الأفراد إلى قرار الانتحار.

حول الوقاية من الوصول إلى قرار الانتحار، ومكافحته، يفيد تقرير لمنظمة الصحة العالمية أن هناك عددًا من التدابير التي يمكن اتخاذها على مستوى الفئات والفئات الفرعية من المعرضين للانتحار.

على الرغم من ثبوت الصلة بين الانتحار والاضطرابات النفسية، (خاصة الاكتئاب والاضطرابات الناجمة عن تعاطي الكحول) في البلدان المرتفعة الدخل، بحسب تقرير الصحة العالمية، فإن كثيرًا من حالات الانتحار تحدث باندفاع في لحظات الأزمة عندما تنهار قدرة المرء على التعامل مع ضغوط الحياة، مثل المشاكل المالية، أو الانفصال أو الطلاق أو الآلام والأمراض المزمنة.

وبالإضافة إلى ذلك، ثمة صلة قوية بين النزاعات والكوارث والعنف وسوء المعاملة أو فقد الأحبة والشعور بالعزلة بالسلوك الانتحاري. وترتفع معدلات الانتحار كذلك بين الفئات الضعيفة التي تعاني من التمييز، مثل اللاجئين والمهاجرين.

ويشير التقرير إلى ضرورة تواصل الجهات المختصة بمكافحة السلوك الانتحاري، مع وسائل الإعلام لعرض مواد إعلامية مسؤولة ومختصة بشأن الانتحار. كما يشير إلى أهمية التعرف المبكر على الأفراد الذين يظهرون سلوكيات انتحارية، وتقييم حالاتهم وإدارتها ومتابعتها وتعزيز مهارات الحياة الاجتماعية والعاطفية لدى المراهقين.

ويوصي التقرير بضرورة التنسيق والتعاون بين قطاعات متعددة في الحكومة وإشراك المجتمع في ذلك، ومنها القطاع الصحي، والتعليم والعمل والزراعة والعدل والإعلام، من أجل مكافحة ظاهرة الانتحار ورصد السلوكيات الانتحارية ومعالجتها. كما يوصي بأن تكون هذه الجهود شاملة ومتكاملة، ويتعين أن تقترن بالركائز الأساسية، وهي: تحليل الوضع، وبناء القدرات، والتمويل، والرقابة، والرصد، والتقييم. ويتحدث التقرير عن المعرضين للانتحار وصلتهم القوية بالنزاعات والكوارث والعنف وسوء المعاملة أو فقد الأحبة والشعور بالعزلة.

تتعدد الأسباب 

عن أسباب اللجوء للانتحار، تحدث لـ"خيوط"، الدكتور لطف حريش، وهو طبيب نفساني، محدّدًا هذه الأسباب في: "ضعف الأيمان، الفقر والبطالة أو العكس، الغناء الفاحش، الجهل وقلة الوعي، خاصة في مجتمع كالمجتمع اليمني الذي تبلغ نسبة الأمّية فيه 80%". ووفقًا للدكتور حريش، فإن أهم الأسباب يتمثل في الخوف من المجهول، وقلق المستقبل، نتيجة ضبابية الرؤية التي أفرزتها الحرب.

ويضيف حريش أن "انعدام الأمن، والاضطرابات والقلاقل السياسية، لها دور أيضًا في تنامي ظاهرة الانتحار، كما يلعب الرفقاء السيِّئون والأصدقاء السلبيون، دورًا لا يقل شأنه عن الأسباب الأخرى التي تدفع الفرد إلى الانتحار". كما يعتبر التعليم الهشّ والثقافة السطحية والمشاكل الأسرية والاجتماعية والاقتصادية والسلوكية والنظرة السوداوية المتشائمة للحياة، ضمن العوامل المؤثرة في تعزيز السلوك الانتحاري.

ويتوقع أستاذ علم النفس لطف حريش، زيادة عدد حالات الانتحار في اليمن، بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة وازدياد متطلبات الحياة التي أصبحت صعبة ومعقدة، "والظروف المأساوية والحالة المعيشية المزرية، وضغوط الحياة، والاحتراق النفسي الذي يعانيه الإنسان اليمني".

من جانبه يقول الأخصائي في علم الاجتماع وديع عبيد لـ"خيوط"، إن الحرب ألقت بتبعات قاتمة على اليمنيين، خصوصًا فئة الشباب، والذين وجدوا أنفسهم أمام واقع محبط وفرص منعدمة؛ فالطالب الجامعي يضع ألف استفسار عن الجدوى من التعليم ونيل الشهادة الجامعية ما دام سيلقى نفسه مرميًا على رصيف البطالة، وهذا بالطبع نهج خاطئ لا يجب الاستسلام له، لكنه واقع يعيشه كثير من الشباب.

ويرى أن تراكم هذه الكتلة من الإحباط مع ثُقل الأعباء وتفاقم المعاناة وانعكاسها على المجتمع والعزلة الاجتماعية، كما هو حاصل في المناطق الريفية النائية، كل ذلك وغيره يدفع البعض إلى التفكير بخيارات صعبة وقاسية؛ منها ما هو لا إرادي كالجنون والاضطرابات النفسية والانتحار، والذي قد لا يكون عادة بطريقة مباشرة.

وتتعدد طرق الانتحار في اليمن، سواءً بشرب جرعات من المبيدات القاتلة، والشنق، وإطلاق النار، والغرق في الماء، وهذه الطريقة شائعة غالبًا في الأرياف، حيث توجد السدود والآبار، وأغلبية ضحايا هذه الطريقة من النساء. غير أن وصمة العار التي قد تلحق بأسرة الضحية نتيجة انتحار المرأة، تجعل سبب الانتحار غامضًا، خاصة في مجتمع تسود فيه التقاليد والأعراف القبلية التي تقسو على المرأة، وتدفعها أحيانًا إلى اليأس وإنهاء حياتها.

قد تؤدي استمرارية تردي الأوضاع الاقتصادية التي تعاني منها البلاد، وفقدان الناس الأمل في تحسن الأوضاع، وغياب فرص العمل، والجهل وغياب دور الإعلام والمؤسسات المختصة، إلى نموّ متسارع لظاهرة الانتحار التي تشكّل عبئًا وثقلًا على شعب يقدم كل يوم ضحايا في جبهات الحرب، وضحايا للأمراض والأوبئة وانعدام الأمن المعيشي.

"تحرير خيوط"


•••
عبدالرحمن زمام

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English