عقم الفكرة وخصوبتها

مقاييس المنافع بين عدم القدرة على الإنجاب وعقم إنتاج الأفكار
د. أحمد سنان
September 3, 2021

عقم الفكرة وخصوبتها

مقاييس المنافع بين عدم القدرة على الإنجاب وعقم إنتاج الأفكار
د. أحمد سنان
September 3, 2021

العقم والخصوبة مفردتان تلخصان فكرتي الموت والحياة. العقم هو الموت للمجتمع، للأرض حرفيًّا. الخصوبة هي الحياة لكل شيء. الأولى تعني الاندثار للحاضر وانعدام المستقبل، والثانية تعني تلازم الماضي مع الحاضر لاستيلاد المستقبل. 

العقم حالة مرضية خطيرة؛ أيّ مجال يصيبه العقم تصبح معه الحياة همًّا ومعاناة، بل وضربًا من المستحيل. الكثير من البشر، خاصة الساسة، وكثير من المثقفين لا يعترفون بالعقم إلا في الحالة الفيزيولوجية فقط، أي حالة فقدان القدرة على الإنجاب؛ لأنهم بكل بساطة يحيلونها إلى إرادة الله (وهي كذلك). بينما لا يعترفون بالعقم في بقية مناحي الحياة، وهي مليئة بأصناف لا تحصى من العقم.

والعكس صحيح، فحيثما تجد الخصوبة ترى الأشجار وارفة والثمار يانعة، تكون الأرض مستبشرة ومبشرة، ويكون الإنسان خلاقًا مبدعًا. كل شيء يقودك نحو المستقبل. ترى الطيور على اختلافها صادحة محلقة بجناحيها التي لا تمل الرفيف. تنشر الفرح والبهجة وتلقح كل نبات الأرض.

العقم لا يعمل من ذلك شيئًا، وهو ليس حالة واحدة، هو ليس ثابت في الأشياء، لا في الجوهر ولا في المضمون؛ إنه حالة موات وانهيار، هو متعدد بتعدد الحياة وأساليبها، متى ما حلَّ يُصِبها في الصميم.

فمن عقم التفكير إلى عقم اتخاذ القرار وعقم الإدارة والعلاقات والسياسة والقضاء، وسمّي ما شئت من حالات العقم التي تصيب أي مجال.

فإذا كان هناك من لا يقدر على إنجاب الأطفال، فإن هناك أيضًا من لا يستطيع أن ينجب فكرة يدير بها مؤسسته أو مرفقه بصورة منتجة وعقلانية تفيد، ليس فقط كوادرها، بل وتخلق وفرة مادية معينة تضاف إلى تراكم القيم المادية للمجتمع.

إن فكرة بسيطة بإمكانها تغيير الواقع الاجتماعي والديموغرافي بصورة طبيعية وغير تعسفية في أي منطقة ما زالت تعيش حياة ما قبل الشعب وما قبل الدولة، حيث تهيمن العصبية والعلاقات البدائية

وبمقياس المنافع، فإن ذلك الذي يعاني من عدم القدرة على الإنجاب أقلُّ ضررًا، وربما أكثر نفعًا، للبلاد من ذلك الذي يعاني عقمًا في إنتاج أفكار تعينه في تطوير مؤسسته وتحفيز موارده البشرية لإنتاج الأفكار، وبالتالي إنتاج قيم مادية أو روحية ذات مردود للمجتمع؛ فالأول تنحصر المشكلة وآثارها في ذاته؛ بينما تتجاوز مشكلة الآخر لتشمل "المؤسسة" وتتجاوزها للمجتمع؛ لأن المؤسسة تكف عن كونها خلية إنتاج متسلسل، لإنتاج قيم تنتج بدورها وظائف وتلبي احتياجات، ثم تتكرر العملية في سلسلة لا متناهية.

يمكن إيراد مثال بسيط على هذه العلاقة السببية:

نفترض أن الشركات النفطية العاملة في مأرب وشبوة، قامت بتوفير الأسباب لموظفيها للاستقرار في هذه المناطق بدلًا من منحهم إجازات مدفوعة الأجر كل شهرين أو كل ثلاثة أشهر، طبعًا معروف أن الأجور في هذا القطاع معادلة بالدولار. لماذا لم تفعل الشركات النفطية ذلك؟ لأن هذه الشركات من سياستها ألا تفعل ذلك؛ ولأن السلطات القائمة لم تلزمها بذلك، ولأن الكثير الموظفين كذلك يفضلون في الغالب البدل النقدي.

طيب! ما الذي كان سيحدث لو أن الشركات بادرت لخلق ظروف استقرار للموظفين، أو أن الدولة ألزمتها بذلك؟ 

نوضح ذلك ببساطة:

نفترض أن عدد عمال وموظفي القطاع النفطي في شبوة يبلغ 1500 موظف وعامل، هذا يعني أننا نتحدث عن 1500 أُسرة، متوسط أفرادها خمسة أشخاص. إذن، الحديث يدور عن 6000 شخص يسكنون في 1500 مسكن أو شقة، هي مدينة في طور النشوء.

ماذا يعني وجود شخص في منطقة ما؟

هذا يعني أن هؤلاء يحتاجون إلى:

أولًا: الغذاء (إذن، لا بد من توفر مطاعم، أفران، بقالات، بوفيهات، مطاحن، بهارات، سوبر ماركتات إلخ، إلى جانب مرافق مساعدة كثيرة).

ثانيًا: سيحتاجون للملابس والمفروشات والأثاث والأجهزة المختلفة. وهذه لا بد أن تتوفر لها المحلات التجارية العاملة في هذه المجالات مع الخدمات المرافقة، مثل (الخياطة، والصيانة باختلافها، والمغاسل، وصالونات التجميل والحلاقة).

ثالثًا: يحتاجون للتطبيب (مستشفيات، عيادات، صيدليات، مستوصفات، مراكز علاج طبيعي وشعبي).

رابعًا: يحتاجون للأمن (مراكز شرطة، نيابات ومحاكم، وكل ما في حكم سلطات تنفيذ القانون).

خامسًا: يحتاجون للتعليم (حضانات، مدارس، معاهد، جامعات).

سادسًا: يحتاجون إلى مرافق ترفيه (مراكز ثقافية، نوادٍ، منتزهات، مسارح، دور عرض، مقاهٍ، ملاعب، مسابح، صالات متعددة الأغراض).

سابعًا: يحتاجون وسائل نقل ومواصلات.

ثامنًا: يحتاجون لوسائل إعلام (إذاعة، تلفزيون، دور نشر)، واتصال (شبكات نت وهاتف).

تاسعًا: يحتاجون للطاقة (كهرباء، غاز، بترول(.

عاشرًا: يحتاجون للخدمات المالية بأنواعها المختلفة، ومن سيقدم هذه الخدمات إذا لم تتواجد المؤسسات المالية ومحلات الصرافة والتحويلات؟ 

نحن ما زلنا نتحدث عن 6000 شخص تقريبًا. وأوردنا مجموعة من الاحتياجات التي لا بد من تلبيتها لهؤلاء. ولكن بكل تأكيد هناك احتياجات أخرى لم نأتِ على ذكرها. وبالتأكيد سنلاحظ أن السلسلة الواحدة من الوظائف والاحتياجات تولد سلاسل لا متناهية من الوظائف والاحتياجات كذلك.

هذه الاحتياجات هي عبارة عن تخليق طبيعي لفرص عمل كثيرة، تبدأ ولا تنتهي؛ لأن كل فئة من الاحتياجات تلبيها فئة مختلفة من الناس تكون لها احتياجاتها التي سيلبيها آخرون. وبالتالي فإن عدد الناس لن يتوقف عند الرقم 6000، فالاحتياجات التي ذكرناها تحتاج ربما إلى جيش كبير من أصحاب المهن والعمال والحرفيين لتلبيتها، إذن، الرقم سيتضاعف كثيرًا. على أن الجميع سيتشاركون الاحتياجات نفسها في نهاية المطاف.

من الوهلة الأولى يبدو الأمر عاديًّا، لكن دعونا نوسع شرح المسألة.

علينا أن نفهم أن موظفي القطاع النفطي لن يكونوا من منطقة واحدة، وليسوا من سن واحدة وليسوا في تخصص واحد، كما أنهم ليسوا من مستوى علمي أو ثقافي واحد.

ماذا يعني ذلك؟

ذلك يعني أننا سنخلق في هذه الحالة شكلًا من أشكال الاندماج الاجتماعي، ليس بين الموظفين والعمال فقط، بل بين هؤلاء وبين المجتمع المحلي للمنطقة، وسنخلق اندماجًا ثقافيًّا سينتج في آخر المطاف بيئة اجتماعية وثقافية وسيطة أقرب للمجتمع المدني المنفتح على الآخر؛ الأمر الذي سيقود بالضرورة إلى تخلي المجتمع القبلي عن كثير من القيم القديمة كالثأر والعصبية والانتقال تدريجيًّا نحو مفهوم الشعب الذي تجمع أفراده الحياة والقيم المشتركة، لتحل مكان منطق القرية والقبيلة والعصبية.

ولأن العمال والموظفين وأسرهم لن يكونوا من جنس واحد فقط، فهذا يعني أننا سنكون إزاء حاجة لخلق مجتمع جديد قائم على علاقات المصاهرة المتعددة، وهذه بدورها ستقلل إلى حدٍّ ما من ظاهرة زواج الأقارب، والحد من هذه الظاهرة من شأنه أن يقلل من تفشي الأمراض الوراثية التي تنتشر اليوم في المنطقة، وهذه مبرهن عليها علميًّا.

وبعد...

المهم أن فكرة بسيطة بإمكانها تغيير الواقع الاجتماعي والديموغرافي بصورة طبيعية وغير تعسفية في أي منطقة ما زالت تعيش حياة ما قبل الشعب وما قبل الدولة حيث تهيمن العصبية والعلاقات البدائية.

لا يستطيع كل مواطن مثلًا دفع مئات الآلاف للحصول على ترخيص خدمة معينة، ولنقل ترخيص بناء بحيث يلبي البناء المتطلبات القياسية. ولأن بعض الموظفين يستغلون اللوائح المتعددة والمتناقضة ويفسرونها بما يسمح لهم بابتزاز الناس، فيكون عندها من السهل ترك القانون وشأنه والقيام بالبناء بما هو متاح 

هذا ممكن الحدوث فيما لو كانت الدولة تسعى لتحقيق تنمية بمضمون وطني، ولكن لأن مثل هذه المناطق تزخر بالمستفيدين من بقاء الحال كما هو عليه، حيث تتقاطع مصالح هؤلاء مع مصالح لوبي الفساد في منظومة الحكم المستفيد هو كذلك من وجود الوضع الرخو، حيث تسود دولة اللا دولة وقانون اللا قانون.

ولكن علينا أن نفهم بأن قطاع النفط هو مجرد مثال على ما يمكن أن ينتجه الفكر السياسي والإداري والاقتصادي العقلاني لصالح المستقبل المستقر.

 إن أي فكرة أو مشروع في أي مجال سيكون له أثر مماثل. ستختلف النسبة تبعًا لحجم المشروع واحتياجات الناس القائمة عليه والمستفيدة منه.

يمكن أن يكون المشروع (الفكرة) في السياسة (قد يكون الحوار موضوعًا مناسبًا لبيان ذلك، لكنه يحتاج مقالة خاصة)، ويمكن أن يكون في السياحة والزراعة والصناعة و...، طبعًا الأمر ليس حكرًا على المؤسسات والهيئات المنتجة. إنه يتجاوز حتى ليمكن تطبيق الأفكار المحفزة البسيطة في أي هيئة (المرور، المستشفيات، البلديات، التخطيط العمراني، النظافة... إلخ(.

فمثلًا، يمكن أن نحافظ على النسق المعماري والمظهر الجمالي للمدن والحد من البناء العشوائي بأن نفهم أن قانون البلديات أو التخطيط أو المرور، إنما سن لتسهيل الأمور في هذه المجالات وليس للجباية العامة والخاصة.

أي تنفيذ القانون ينبغي أن يؤدي إلى إزالة التعقيدات وعدم افتعالها، بحيث يتم دفع المواطن للمخالفة دفعًا. فالرسوم المبالغ فيها في أي مجال لا يمكن إلا أن تجعل الناس يخالفون.

لا يستطيع كل مواطن مثلًا دفع مئات الآلاف للحصول على ترخيص خدمة معينة، ولنقل ترخيص بناء بحيث يلبي البناء المتطلبات القياسية. ولأن بعض الموظفين يستغلون اللوائح المتعددة والمتناقضة ويفسرونها بما يسمح لهم بابتزاز الناس فيكون عندها من السهل ترك القانون وشأنه والقيام بالبناء بما هو متاح.

بينما لو أن القائمين على التخطيط العمراني سهّلوا الأمر وجعلوا الحصول على الوثائق والمخططات متاحة للجميع لكان تغير الواقع كثيرًا. كان يمكن لهذه الجهات الحصول على موارد مختلفة من الجميع؛ لأن سهولة الأمر وقلة التكلفة لن تفتح مجالًا لأحد للتهرب، كما يمكنها أن تحصل على موارد معتبرة من خلال بند المسؤولية الاجتماعية الذي يقع على كاهل رجال المال والأعمال والشركات.

ومثل بسيط آخر، في بداية التسعينيات وبعد أن رأينا خلوّ مساحات كبيرة منها من البيوت الخشبية، حاولنا تسريب فكرة بسيطة للمهندس البلدي حينها، تقضي بأن تقوم دائرة المهندس البلدي بوضع مخطط حضري للجبال المحيطة بكريتر وجعلها متاحة للمواطنين، بحيث يراعى فيه التناسق مع تخطيط المدينة والمخارج والمداخل وخطوط الخدمات المختلفة وتوزيعه على الراغبين في البناء برسوم ميسرة أو مجانًا. إن أحدًا لم يستمع لما يقال؛ لأن الجميع يعتقد أنه الوحيد الذي يفهم مصلحة الدولة. النتيجة تفاقم البناء العشوائي وحرمان المدينة من المظهر الجمالي وانعدام ممرات التهوية وصعوبة الحركة وغياب الغطاء النباتي الذي كان يمكن أن يضعه المخطط في الحسبان، وحرمان الدولة من الرسوم التي كان يمكن جبايتها من الناس عن طيب خاطر.

في منتصف التسعينيات تواترت أخبار عن أن شركة استثمارية تقدمت بعرض لإقامة مشروع (إعادة تدوير النفايات في عدن)، لكن العرض رفض في حينه؛ لأنه يضر بالمصلحة الوطنية. ومع مر السنين عرفنا طبيعة المصلحة الوطنية التي هددها المشروع؛ ذلك أن الجماعة أرادوا الحصول على حصة في المشروع تعادل النصف مقابل (ضمان التسهيلات والحماية)، ثم تحول ذلك إلى قانون عرفي، تطبيقه أولوية على القانون والدستور، ولذلك شاهدنا ولا نزال نشاهد هروب الاستثمارات الوطنية والأجنبية؛ لأنها لم تجد البيئة الجاذبة المنافسة.

لا نعتقد أن هذا المبدأ قد زال أو أنه سيزول قريبًا ويحل محله مبدأ آخر يعلي من شأن القانون ويحفز على البناء وتوليد الفرص بدلًا من ابتلاعها أو إحراقها.


•••
د. أحمد سنان

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English