سوق سوداء للاتّجار بالبشر

ظاهرة وقودُها الفقراء في اليمن
October 20, 2020

سوق سوداء للاتّجار بالبشر

ظاهرة وقودُها الفقراء في اليمن
October 20, 2020
حقوق الصورة © : موقع ارفع صوتك

تحقيق: أحمد عوضه - نجم الدين قاسم

  "لظروف قاهرة جدًّا يؤسفني أن أعلن عن بيع كليتي لتسديد ديوني المتراكمة منذ أربعة أعوام، وعلاجات مهمة جدًّا، بالإضافة إلى دفع إيجار الشقة لثلاثة أشهر متراكمة، عجزنا عن دفعها، وذلك بعد تعثري عن سدادها لأشهر...".

  بهذا الاستهلال، فاجأ موسى العيزقي متابعيه وأصدقاءه على فيسبوك، غداة إعلانه عن قراره بيع إحدى كليتيه، بعد أن اضطرته إلى ذلك الحاجةُ وعسرُ الحال. وهي الأسباب ذاتها التي يتشاركها مع يمنيين كُثُر، لم يجدوا حرجًا في ترويج أعضائهم على مواقع التواصل الاجتماعي، بدافع الفقر وقلة الحيلة. 

  "كانت لحظةً صعبةً وحادّة"، كما يصفها موسى في حديثه لـ"خيوط" موضحًا: "كنت جادًّا حينها في بيع كليتي، فالأمر لا علاقة له باستدرار عطف الناس للحصول على المساعدة، كنت عازمًا على قراري، فحين ترى ابنك يتألم من المرض تكون مستعدًا أن تفديه بروحك". 

  يؤكد موسى، الذي يعمل صحفيًّا مستقلًّا، أن كثيرين أعربوا عن استعدادهم لشِراءَ كليته، منهم مواطن سعودي عرض عليه مبلغ 200 ألف ريال سعودي (53 ألف دولار)، فيما عرض عليه آخرون المساعدة لكنه رفض العون، قبل أن يذعن أمام إصرار أحد زملائه المقربين الذي أقسم بيمين الطلاق أن يقبل المساعدة، ويعزف عن بيع كليته، حين تسنى له استكمال علاج ابنه والعودة إلى اليمن. 

  يستطرد بكثيرٍ من الحسرة: "نحن -الصحفيين المستقلين- أكثر من دفع ثمن الصراع في اليمن. يجبرنا الواقع القاسي على مثل هذه المجازفات، هناك صحفيان أعرفهما شخصيًّا كانا بصدد بيع شيءٍ من أعضائهما في ظروف مشابهة لما حدث معي".

الفقر والحرب 

  ما حدث مع "موسى" لم يكن استثناءً فرديًّا مُنْبَتًّا، بقدر ما هو انعكاسٌ لواقعِ مئاتٍ سواه، اضطرتهم هموم المعاش إلى بيع أعضائهم تحت ضغط الحاجة، في ظل الانهيار الاقتصادي الذي تعيشه البلاد، وتبعات الحرب التي أنعشت بموازاتها سوقًا سوداء لتجارة الأعضاء البشرية، تحولت مؤخرًا إلى ظاهرة مزدهرة، وقودُها الفقراء وجيوش العاطلين اليمنيين في الداخل والخارج. 

  من عديد النظائر التي رصدتها "خيوط" في المدى ما بين 2015 - 2020، كان لافتًا الارتفاع التصاعدي في عدد اليمنيين الذين يعرضون أعضاءهم للبيع على حساباتهم في المنصات التفاعلية، خلال السنوات الخمس الأخيرة، ورغم أن تلك العروض انفعالية في معظمها، لكنها - على كثرتها - تفصح بجلاء عن عمق الظاهرة ورواج فكرة اللجوء إليها كآخر الخيارات سدًّا للفاقة. 

  حاليًّا، يتصدَّر اليمن التصنيف الخامس عربيًّا والخامس عشر عالميًّا ضمن أسوأ الدول التي تشهد اتّجارًا بالبشر في العالم، وفقًا لتقرير الخارجية الأمريكية السنوي عن واقع تجارة الأعضاء البشرية في العالم لسنة 2020، بعد أن كان في التصنيف رقم عشرين عالميًّا، في تقرير سنة 2016، أي بفارق خمسة مستويات خلال أربع سنوات. 

إلى جانب الحرب وانهيار الهيكل الاقتصادي للبلاد، يُعْزَى رواج ظاهرة الاتجار بالأعضاء البشرية في السنوات الأخيرة إلى وجود شبكات بيروقراطية تُشكِّل في مجموعها مافيا منظَّمة، يعضُدُها جيش من السماسرة يعملون على اصطياد الضحايا من الفقراء

  حيث يشهد اليمن منذ مارس/ آذار 2015، صراعًا مسلحًا يدخل عامه السادس بين جماعة أنصار الله (الحوثيين) المسيطرة على صنعاء من جهة، والقوات الحكومية والتحالف الذي تقوده السعودية من جهة أخرى، تسبب في مقتل وجرح أكثر من 17,500 مدني، وتشريد نحو مليوني نازح، بينما يعاني أكثر من 20 مليون شخص في اليمن من انعدام الأمن الغذائي؛ منهم 10 ملايين معرضون لخطر المجاعة، وفقًا للتقرير العالمي لمنظمة هيومن رايتس وتش، لسنة 2020. 

   وزاد الوضع الإنساني تفاقمًا مع انهيار العملة المحلية (الريال) بشكل كبير أمام العملة الأجنبية، وانقطاع مرتبات أكثر من مليون ونصف المليون موظف في القطاع العام منذ أغسطس/ آب 2016، بعد قرار الحكومة اليمنية (الشرعية) نقل البنك المركزي إلى عدن، إلى جانب القيود المفروضة على الواردات وإغلاق معظم المطارات والموانئ اليمنية، الأمر الذي أسهم في تعقيد الوضع الإنساني وزيادة معدلات الفقر وظهور ملامح حادة لخطر الأمن الغذائي في البلاد. 

مافيا منظمة

  إلى جانب الحرب وانهيار الهيكل الاقتصادي للبلاد، يُعْزَى رواج ظاهرة الاتجار بالأعضاء البشرية في السنوات الأخيرة إلى وجود شبكات بيروقراطية تُشكِّل في مجموعها مافيا منظَّمة، يعضُدُها جيش من السماسرة يعملون على اصطياد الضحايا من الفقراء، ولاسيما من الفئات الأقل حظًا من التعليم، واقناعهم ببيع كلية أو أجزاء من الكبد، مقابل أثمان زهيدة، وغالبًا ما يتم إغراؤهم بالسفر إلى مصر في عملية أشبه بالاستدراج- حسب ما كشفت عنه عديد التحقيقات التي نشرت ما بين 2014 إلى 2019 - حيث يتم سحب وثائقهم وابتزازهم، أو عدم السماح لهم بالعدول عن بذل العضو المتفق عليه. 

   وفي معظم الأحيان لا يحصل المتبرع إلا على عُشر أو خُمس المبلغ الذي يدفعه المرضى الميسورون الذين يأتون من جنسيات مختلفة قاصدين مستشفيات بعينها في بلدان، مثل مصر، دأبت على تقديم ذلك النوع من البضاعة البشرية نظير عمولةٍ تقتطعها من حصة المتبرع دون علمه أو رغمًا عنه. 

  يعقوب منذر (34 سنة)، أحد الضحايا الذين تم استدراجهم بذات الطريقة، سنة 2017، بينما كان حينها يعمل سائق شاحنة على خط صنعاء – إب، لصالح أحد مصانع المياه المعدنية، حين أقنعه سمساران يمنيان بالسفر إلى مصر والحصول على مبلغ 16 ألف دولار قابل للزيادة، مقابل التبرع بإحدى كليتيه وتعهدًا بترتيب كل الإجراءات والوثائق اللازمة للسفر بدون عراقيل.

  مزيج من الانفعال والندم يدمغان نبرة يعقوب، وهو يسرد لـ"خيوط" تفاصيل صدمته بعد وصوله إلى القاهرة برفقة أحد السمسارين، يقول: "ما إن خرجنا من المطار حتى استقبلنا يمنيان آخران، أحدهما يدعى محمد والآخر فؤاد كانا بانتظارنا هناك". 

  ويتابع: "بالطبع لم أكن بحاجةٍ لكثيرٍ من النباهة حتى أتبيَّن أنني وقعت ضحيةً لمجموعة شريرة، لم تمر ربع ساعة حتى أصرّ ثلاثتهم أن أسلّمهم الجواز خاصتي وكل الوثائق التي أحملها. مكثت هناك نحو 15 يومًا، تم خلالها كل شيء، وأجريت العملية، لكن ما زاد من كربي أني لم أحصل إلا على 7 آلاف دولار فقط، حاولت أن أحتج لكن من دون فائد؛ ماذا بوسعك أن تعمل وقد جنيت على نفسك!". 

  ويضيف يعقوب أنه يشعر الآن بمضاعفات كثيرة، "لم يعد في استطاعتي العمل بالقدرة ذاتها التي عليها في السابق، أحيانًا أشعر بألم في الكلية الأخرى، لم أجرِ أي فحص بعد العملية، ألجأ غالبًا إلى المسكنات، ما أخشاه أكثر أن يكونوا قد عبثوا بجسمي أو انتزعوا منه شيئًا آخر دون علمي". 

مضاعفات صحية 

  لا تخلو مخاطرة بيع الأعضاء البشرية من مضاعفات قاتلة على الواهب، قد تكون سببًا مباشرًا في الوفاة، أو التسبب في علل مزمنة، قد تؤثر على أداء وكفاءة أجهزة أخرى في الجسم.                  

  في حديث لـ"خيوط" تُشير الطبيبة الاختصاصية "وعد محمد" إلى مضاعفات عضوية ونفسية ترتد على الواهب على المدى القريب والبعيد، منها الالتهاب الجراحي، وما ينجم عنه من آلام قد تستمر حتى بعد التئام موضع الجراحة، وهذا يعرّض الواهب (المريض) لمضاعفات خطيرة إذا لم يتم علاجه بالمضادات الخاصة، إلى جانب أن البعض قد يفقد حياته أثناء الجراحة بسبب الاستخدام غير المسؤول للبنج. 

  ووفقًا للدكتورة وعد محمد، فإن بعض المتبرعين بالكلية، خاصة صغار السن قد يتعرضون للفشل الكلوي عند تقدمهم في العمر، وحين ذاك، لن يكون لديهم كلية بديلة، كذلك لا يختلف الضرر بالنسبة للمتبرعين بفصوص الكبد، فمن المحتمل تعرضهم لـ"الصفراء وارتجاع المريء" وغيرهما، فضلًا عن حالات الاكتئاب التي قد تلازم بعضهم لفترات طويلة بعد الجراحة. 

مُحرّمٌ شرعًا

  هناك شبه إجماع لدى الفقهاء المسلمين في عدم جواز بيع الإنسان لأي من أعضائه لغرض المتاجرة أو الكسب مهما كانت المبررات، كما يؤكد الشيخ السلفي محمد محسن أبو الحسام، في تصريح لـ"خيوط". ذلك أن "أعضاء الإنسان ليست ملكًا له، كما أن الإنسان ليس سلعة تباع وتشترى، إنما مخلوق مكرَّم وله حرمته حيًّا وميتًا، ولا يجوز بحال، بيع المسلم لأعضائه خوفًا من إملاق أو دفعًا لفاقة".

  وبحسب الشيخ أبو الحسام، فالاستثناء في الشرع، يكون في حال كان التبرع طوعًا وقربة إلى الله بنية إنقاذ نفسٍ مسلمة، وغلب على ظن الأطباء أن نقل العضو الموهوب لا يحتمل ضررًا على المتبرع أو المريض، دون اشتراط مقابل، إلا في إن جازاه المُتبَرَّع له بشيء من قبيل الامتنان والعرفان. 

اليمن، ليس من البلدان الموقعة على البروتكول المكمل لاتفاقية الأمم المتحدة ضد الجريمة المنظمة العابرة للحدود القومية، الخاص بحظر وتجريم ومعاقبة الاتجار بالبشر. 

  قريبًا من هذه الفحوى، أكد قسم الفتاوى بدار الحديث في منطقة معبر لـ"خيوط" على عدم جواز بيع الأعضاء البشرية أو التكسُّب من تجارتها، نافيًا أن يكون الفقر والحاجة مسوغين شرعيين لبيع المرء لأحد أعضائه. "أما بالنسبة لمن يعمل سمسارًا لإقناع الناس ببيع أعضائهم، ليحصل مقابل ذلك من المال، فهذا أيضًا مكسب محرم، لا يجوز لمسلم أن يجعله سببًا لحصوله على المال، أو لغير ذلك من المصالح...، والسعي في بيعها وسيلةً لذلك. من القواعد المتفق عليها في شرعنا: "الوسائل لها أحكام المقاصد"، فعلى من يقع في هذا التوبة إلى الله تعالى، والسعي الحثيث في البحث على مكسبٍ حلال لا حرمة فيه ولا شبهة"، بحسب نص الفتوى المعمَّدة التي بعثها القسم لـ"خيوط". 



فسحة قانونية وتغاضٍ رسمي!

  يؤكد يعقوب منذر -كما تؤكد شهادات متقاربة لضحايا مرّوا بنفس التجربة- صحة ما يشاع عن جود تسهيلات رسمية، في إصدار الوثائق وغيرها لصالح شبكات الاتّجار بالبشر أو التغطية القانونية على نشاطهم.

  وبحسب المحامي والقانوني توفيق الضبيبي في حديث لـ"خيوط"، ما يزال هناك هامش كبير من التسيب القانوني في مكافحة ظاهرة الاتّجار بالبشر في اليمن، لافتًا إلى أن "قانون حظر الاتجار بالبشر شبه معاق حاليًّا، بحكم أوضاع الحرب التي تمر بها البلاد، وتأثيرات الصراع الداخلي التي صرفت الاهتمام إلى أولويات أخرى، وهو ما فتح المصراع لتوسُّع الظاهرة وانتشارها". 

  ويعتقد "الضبيبي" أن السلطات الرسمية ليست في غفلة عما يحدث، لكنها تتعاطى بطريقة أقل جدية وأكثر إبهامًا، الأمر الذي يثير التباسًا في تعريف تلك الفسحة: ما إذا كانت "تسامحًا" أم "تواطؤًا". 

  يُذكر أنه حتى الآن لا يوجد في القانون اليمني قانون مُفَعَّل في حظر وتجريم الاتّجار بالأعضاء البشرية، عدا ما كانت زمعت عليه الحكومة اليمنية في أكتوبر/ تشرين الأول 2014، حين كانت بصدد المصادقة على قانون يُجرِّم الاتجار بالأعضاء البشرية، ويحدّ من نشاط سماسرة الأعضاء المنتشرين في أكثر من محافظة يمنية، خصوصًا في العاصمة صنعاء، بيد أنّ دخول البلاد في متوالية الحرب التي ما تزال تستعر حتى الآن، حالت دون إقرار المادة رقم 248 من قانون العقوبات اليمني، التي تقضي بالسجن 10 سنوات لأي شخص "يقوم بشراء أو بيع أو إهداء البشر أو يتعامل بالاتّجار بالبشر أو من يقوم باستقدام شخص إلى اليمن أو ابتعاثه خارج اليمن لغرض استغلاله". 

  وفي يناير/ كانون الثاني 2018، أصدرت وزارة الشؤون القانونية في حكومة أنصار الله (الحوثيين)، قانونًا تضمن 45 مادة تنص على حظر جميع أشكال الاتجار بالبشر وفصَّلَتْ عقوبتها بالسجن والغرامة. 

  كما أن اليمن، ليس من البلدان الموقعة على البروتكول المكمل لاتفاقية الأمم المتحدة ضد الجريمة المنظمة العابرة للحدود القومية، الخاص بحظر وتجريم ومعاقبة الاتجار بالأشخاص وخاصة النساء والأطفال. 

  ولعل هذا يفسِّر حالة التغاضي الرسمي عن سماسرة الأعضاء، وحرية نشاطهم وسهولة حصولهم على وثائق رسمية مزورة لآلاف الضحايا سنويًّا، كالوثائق التي تثبت صلة القرابة بين المتبرع والمريض.


•••

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English