هود باسيود وربع قرن من الزراعة الابتكارية

استفاد من بعثة طبية صينية في زراعة الأرز بحضرموت
محمد سليمان
October 30, 2020

هود باسيود وربع قرن من الزراعة الابتكارية

استفاد من بعثة طبية صينية في زراعة الأرز بحضرموت
محمد سليمان
October 30, 2020

    ارتبط الإنسان اليمني بأرضه منذ القدم، متحديًا شظف العيش وضنك الحياة، متشبثًا بها غير يائس من محاولة البحث عما يزيده ارتباطًا بها وحبًّا لها، وما يسد رمقه منها ويجنبه مرارة الكفاف والعوز.

     بنى اليمنيون على امتداد تاريخهم، السدود والصهاريج والحواجز المائية لتخزين مياه الأمطار والاستفادة منها في الزراعة، فأحيوا الأرض بعد موتها حرثًا وزرعًا وسقيًا، فاخضرّت من بعد قحط وجفاف، وهكذا توارث الإنسان اليمني حبه لأرضه، وأورثه لمن خلَفه من الأبناء والأحفاد.

     المزارع هود باسيود من أهالي مدينة سيئون، بمحافظة حضرموت جنوب شرقي اليمن، ربطته بأرضه قصة عشقٍ لافتة؛ أحب أرضه فأحبته، كان وفيًّا لها فأخلصت له، ارتوت بقطرات عرق جبينه، فأنبتت له حبًّا ونخلًا وقضبًا...، فنسجا معًا قصصًا من الإبداع الزراعي، ستحكى مستقبلًا للأجيال في حضرموت واليمن عموماً.

     بداية التسعينيات كانت الانطلاقة الأولى للمزارع هود باسيود في تجارب التهجين الزراعي، ومحاولة اكتشاف أصناف زراعية جديدة ذات مواصفات تتناسب مع المناخ. باسيود في حديثه لـ"خيوط"، أوضح أن بداية عمله في الابتكار الزراعي والتهجين كانت في العام 1996، من محصول الطماطم، حيث لم يكن يوجد منها في حضرموت سوى صنفين، هما "الصنف المحلي" و"الرنجيس".

    إلا أن كلا الصنفين لم يكونا يتحملان التخزين العادي حينها مع عدم وجود أجهزة التبريد الموجودة في الزمن الراهن، فحاول باسيود -كما يقول- ابتكار صنف من الطماطم تتحمل التخزين العادي، ونجح في ذلك بنسبة كبيرة.

     ويعرف التهجين الزراعي أنه عبارة عن تلقيح بين نباتين من نفس النوع، متشابهين في مواصفات، مثل الحجم والقدرات الإنتاجية والمقاومة للآفات، وذلك بهدف إنتاج محصول يختلف عن الأصلي بميزات مختلفة من حيث القوة والجودة.

مزرعة نموذجية 

    مزرعة هود باسيود الصغيرة تعتبر من أبرز المزارع في وادي حضرموت، من حيث التنظيم الزراعي، وتنوع المزروعات التي تراها مصطفة في طوابير منتظمة قلّ أن تجدها في مثيلاتها من المزارع، حتى تم تسميتها بـ"مزرعة هود باسيود النموذجية".

    المهندس الزراعي حبشي السقاف، مدير قسم التسويق الزراعي بمكتب الزراعة في حضرموت، يقول لـ"خيوط"، إن هود باسيود من المزارعين النادرين، سواء على مستوى محافظة حضرموت أو الوطن اليمني عموماً؛ فهو يتفاعل بشكل إيجابي مع البذور والتربة والجوّ، وبالمثل مع المعلومات الزراعية. "عند استلامه للأرض يفكر مليًّا كيف يقوم بتصنيفها ومسحها وتوزيعها على مستوى المحاصيل التي سيقوم بزراعتها". يقول السقاف.

    ويضيف: "لك أن تتخيل أن مزارعًا ليس لديه أي شهادة علمية بالمجال الزراعي أو غيره، يجري تجاربه في أرضه على بذور البصل والأرز والقمح واللوز الصنعاني، وأكثر من ثلاثين نوعًا من أنواع النخيل المحلي والعربي".

رغبة في التطوير الزراعي 

    سعي المزراع هود باسيود إلى التطوير الزراعي لا يتوقف، وشغفه لمعرفة كل جديد في مجال الزراعة ليس له حدود، حيث تجد في بيته الزراعي المتواضع وسط مزرعته، عددًا من الكتيبات والمطويات الزراعية التي تصدر عن إدارة الأبحاث في حضرموت، إلى جانب بعض البحوث التي قام بتوفيرها من المواقع الإلكترونية المختصة بالزراعة. فهو محب للاطلاع والمعرفة، وفي سبيل ذلك، سعى جاهدًا لتعلم تصفح شبكة الإنترنت، ونجح في ذلك، كما أشار أحد أبنائه.

     في السياق، يشير الباحث الزراعي مبارك بامفتاح، في حديث لـ"خيوط"، إلى أن المزارع باسيود تحصل على عدد من الطفرات الزراعية، وقام بجهوده الذاتية بتطويرها، وأن هذه الجهود أسفرت عن "نتائج مبهرة" تم تعميمها على بقية المزارعين.

المزارع: هود باسيود
استطاع باسيود القيام بدمج نوع من الأرز المسمى بالهوائي أو الأرز المزروع في المرتفعات، مع العينات التي يمتلكها، فنبت المحصول الذي حاول سقايته بكميات قليلة من الماء، وكانت النتيجة إيجابية، إذ حصد من المتر المربع الواحد حوالي نصف كيلو من الأرز

     حصل باسيود على طفرة من القمح، وقام بإكثارها وتقييمها تحت الظروف الزراعية بوادي حضرموت، وبعد أن تأكد من صفاتها الجيدة، وخصوصًا من حيث الإنتاجية، قام بتوزيعها على كثير من الفلاحين، بعد أن أعطى مكتب البحوث الزراعية في حضرموت كمية منها لتقييمها، وظهرت النتائج جيدة، وأطلق على هذا النوع من القمح "الغنيمي".

     كما حصل على بذور للبصل من مزارع صديق له في السعودية، وقام بإكثاره وتقييمه مع ظروف الزراعة بوادي حضرموت، وكانت له نتائج جيدة من حيث فترة مكوثه في الأرض التي كانت قصيرة، مقارنة بغيره من الأصناف، وأطلق على هذا النوع صنف "الهنعة".

اهتمام خاص بالنخيل

     وبما أن وادي حضرموت يشتهر بزراعة النخيل، فقد حظي النخيل بجل اهتمام المزارع باسيود. يقول في حديث لـ"خيوط": "كانت وما زالت النخلة هي الملاذ الغذائي الأبرز للسكان في محافظة حضرموت، في كل الأزمنة، ولهذا كنت دائمًا ما أسعى إلى ابتكار أصناف محسنة مقاومة للجفاف والحشرات وأمراض النخيل".

     بداية قام بإنشاء مشتل كبير يحتوي على أكثر من 500 حبة من نواة نخلة "دقلة نور التونسية"، وهي إحدى أصناف التمور التونسية، وانتخب منها أصنافًا جديدة، ذات مواصفات جيدة صالحة للزراعة بوادي حضرموت.

     يضيف باسيود في حديثه لـ"خيوط": "توفقت بالحصول على طفرة جديدة للنخلة أسميتها نخلة "دقلة نور الحضرمية"، وفي فترة العمل على هذا المشروع كنت في تواصل مستمر مع مدير مركز البحوث الزراعية، في تونس عثمان الخوليدية، الذي أشاد بهذه التجربة وبنجاحها.

     يحتاج هذا المزارع، الذي أبهر الباحثين بمساهماته المذهلة في التطوير الزراعي، إلى الدعم الكافي لإكثار هذه الطفرة وتعميمها على كافة مناطق وادي حضرموت والمناطق المشابهة لها في التربة والمناخ بالجمهورية اليمنية، لتعم الفائدة على الناس.

الأرز آخر الابتكارات 

     لم تتوقف ابتكارات المزارع باسيود على المزروعات التي يشتهر بها وادي حضرموت، بل سعى لنقل بعض التجارب الزراعية، التي تعتبر زراعتها من المستحيلات في اليمن، ومنها الأرز. إذ استغل المزارع وجود بعثة الأطباء الصينيين في مدينة سيئون، ووجود مزارع خاصة بهم في باحات منازلهم يقوم بتشذيبها وترتيبها، فطلب من أحدهم جلب عينات من الأرز من الصين، وبعد عدة أشهر كان له ما أراد.

     منذ العام 2006، وهو يجري عليها التجارب والمحاولات، لإيجاد طفرة تتلاءم مع المناخ والتربة بوادي حضرموت.

     يشير باسيود إلى أن المهمة كانت صعبة جدًّا، لمحاولة زراعة صنف يحتاج للكثير من المياه في أرض حارة. لكن مع الوقت، استطاع هذا المزارع المبتكر القيام بدمج نوع من الأرز المسمى بالهوائي أو الأرز المزروع في المرتفعات، مع العينات التي يمتلكها، فنبت المحصول الذي حاول سقايته بكميات قليلة من الماء، وكانت النتيجة إيجابية، حيث حصد من المتر المربع الواحد حوالي نصف كيلو من الأرز. ويقول إنه لا يزال يسعى إلى إيجاد طفرات أفضل وأقل كلفة، لتقييمها وتعميمها على الفلاحين بوادي حضرموت، بعد إثباتها من قبل مركز البحوث الزراعية.

     مساحة زراعية محدودة حفلت بقصة نجاحٍ ملهمة لمزارع أصبح مزارًا للكثير من الباحثين الزراعيين وطلاب قسم الهندسة الزراعية، للاستفادة من تجاربه الزراعية التي يجريها في مزرعته، فلم تتوقف حكايات النجاح وقصص الإبداع التي يحاول باسيود حث المزارعين على انتهاجها، حتى لا يتوقف الإنسان عن الحرث، والأرض عن الإنبات؛ فدائمًا ما يلد الحب الإبداع.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English