طبيب واحد في عمران

أمراض يموتون في الطريق إلى صنعاء
إبراهيم الضلعي
July 17, 2021

طبيب واحد في عمران

أمراض يموتون في الطريق إلى صنعاء
إبراهيم الضلعي
July 17, 2021

يشكو المواطنون اليمنيون من تردي الوضع الصحي في معظم التخصصات الطبية وكذلك صعوبة إجراء العمليات الجراحية الخطيرة حتى في المدن الكبرى الرئيسية، في حين ساهمت الحرب في انهيار القطاع الصحي وتدهور كبير في المرافق والخدمات الصحية المقدمة في جميع المحافظات اليمنية.

يزيد الأمر سوءًا في محافظة عمران التي تبعد عن العاصمة صنعاء بنحو 50 كيلو متر، وتعاني من انحدار مضاعف في المرافق الطبية والصحية غير القادرة على تقديم أبسط الخدمات المناسبة والتدخلات الجراحية للحالات المرضية الطارئة كتلك الناتجة عن الحوادث المرورية الخطيرة ليتم نقل أي حالة من هذا النوع إلى العاصمة صنعاء.

يفقد الكثير حياتهم في الطريق إلى مستشفى مؤهل رغم كبر مساحة المحافظة والكثافة السكانية الهائلة إلا أن غياب الخدمات الصحية المتكاملة وتوفر الأشعة المقطعية إليها قبل أشهر فقط يجعل الجميع يتساءل عن الوضع الصحي الحالي فيها وسبب إهمالها بهذا الشكل منذ سنوات.

نموذج

قبل نحو عام وقع حادث مروري مروع على إحدى الطرق بالمحافظة، سقط على إثره معظم من كان في السيارة الذين يصل عددهم إلى سبعة أشخاص ما بين مغمى عليه ومضرج بالدماء، وقد تم إسعاف المصابين إلى أقرب مستشفى لتلقي التدخلات الطبية العاجلة.

على الرغم من التحسن الذي طرأ مؤخراً في توفير العناية المركزة والأشعة المقطعية في بعض المرافق الصحية بالمحافظة، إلا أن كثيرًا من المواطنين لا يثقون بقدرات المستشفيات وكفاءتها بناء على التجارب السابقة، حيث يصر بعض المواطنين على نقل مرضاهم إلى العاصمة صنعاء رغم عدم طلب المستشفى ذلك.

بحسب ما يفيد مصابون كانوا على متن هذه السيارة، فقد تفاجأوا بحديث العاملين الصحيين الذين أكدوا أن اثنين من المصابين حالتهما خطرة ويجب نقلهما إلى صنعاء بأسرع وقت، وأنهم لا يستطيعون علاجهما ولا يمكن لأي مستشفى بالمدينة القيام بالتدخلات اللازمة لهما. قال أحدهم لـ"خيوط"، "أدركت بعد ذلك أن الموت بات أقرب من الحياة".

بعد الوصول متأخرين إلى صنعاء صارت حالتهم أكثر حرجًا. لم تسعف التدخلات الطبية أحدهم ليتوفى بعد وصوله بلحظات، فيما أصيب الآخر بشلل نصفي منعه من المشي حتى اليوم. وأكد الأطباء أن تدهور حالتهما الصحية كان نتيجة نزيف في الرأس، والتأخر في تقديم التدخلات الطبية اللازمة لهما.

كان مصير عشرات من الحالات المشابهة الوفاة في الطريق إلى صنعاء وكأنّ ما مروا بها ليست مدينة ومركز محافظة يفترض أن تحوي خدمات علاجية متكاملة للحالات المرضية مهما كانت خطورتها. فالموت لا ينتظر وصول المصابين والمرضى إلى مستشفيات العاصمة صنعاء.

وصول متأخر

قبل سنتين تقريبًا تم افتتاح أول عناية مركزة في محافظة عمران وتحديدا بمستشفى 22 مايو، وقبل أشهر فقط تم توفير الأشعة المقطعية إلى المدينة، ورغم ذلك هناك تدهور كبير في خدمات العناية المركزة.

يقول رئيس قسم العناية المركزة في مستشفى 22 مايو بمحافظة عمران الدكتور عمر الكسع في حديثه لـ"خيوط"، أن العناية التي لديهم تقدم خدمات جيدة، لكن هناك حالات يتم نقلها إلى صنعاء مثل الحوادث المرورية التي تحتاج لجراحة في الأوعية الدموية، وكذلك جراحة المخ والأعصاب والقسطرة القلبية لعدم وجود إمكانيات وكوادر متخصصة في المحافظة.

ويضيف الدكتور لكسع أن المستشفى يعتمد على دخله الذاتي والدعم من المنظمات، بينما لا تقدم وزارة الصحة التابعة لحكومة صنعاء أي دعم لتوفير الاحتياجات الضرورية للمستشفى. ويأمل في قيام الجهات الرسمية بمهامها، وتقديم ما يحتاجونه من دعم، ورفدهم بالمعدات الطبية اللازمة حتى لا يضطروا لنقل أي حالة مرضية للعاصمة صنعاء قد تموت وهي في الطريق للبحث عن الحياة.

نقص الكادر وانعدام الثقة

في محافظة يبلغ عدد سكانها حوالي مليون نسمة، وينمو سكانها سنويا بمعدل (1.82%) لا يوجد فيها سوى طبيب واحد متخصص في جراحة المخ والأعصاب، حسب تصريح الدكتور محمد الديدي لـ"خيوط" الذي يعمل مديرًا لمكتب مدير الصحة بالمحافظة.

ويضيف الديدي أن هناك جهودًا تُبذَل لتوفير أطباء متخصصين في جراحة الأوعية الدموية والمخ والأعصاب، ورفد المرافق الصحية الرئيسية بما يلزم من الكوادر الطبية المتخصصة والمؤهلة.

وعلى الرغم من التحسن الذي طرأ مؤخرًا في توفير العناية المركزة والأشعة المقطعية في بعض المرافق الصحية بالمحافظة، إلا أن كثيرًا من المواطنين لا يثقون بقدرات المستشفيات وكفاءتها بناء على التجارب السابقة، حيث يصر بعض المواطنين على نقل مرضاهم إلى العاصمة صنعاء رغم عدم طلب المستشفى ذلك.

المواطن أنور علي من سكان مدينة عمران يؤكد لـ"خيوط" عدم ثقته بالخدمات المقدمة من المستشفيات في محافظة عمران، واضطراره للذهاب إلى صنعاء للحصول على الخدمات الطبية التي يحتاجها.

لعنة الجغرافيا

تعد محافظة عمران إحدى المحافظات اليمنية التي تم استحداثها بعد الإعلان عن قيام دولة الوحدة، وتبعد عن العاصمة بحدود (50) كيلو متراً، ويشكل سكان المحافظة ما نسبته (4.5%) من إجمالي سكان الجمهورية، وتقسم إداريا إلى (20) مديرية، ومدينة عمران مركز المحافظة.

ويرجح مواطنون وعاملون في القطاع الصحي لـ"خيوط"، أن قرب مدينة عمران من العاصمة صنعاء كان سببًا رئيسًا في عدم اهتمام الدولة بها وتطوير مرافقها الطبية العاملة، إذ إن اعتماد المواطنين على مستشفيات العاصمة صنعاء في مختلف التخصصات والعمليات الجراحية تسبب بإهمال القطاع الصحي في محافظة عمران وعدم الاهتمام به طوال السنوات الماضية.

في ذات السياق يقول لطف الشهاري، وهو مسؤول إداري في أحد المستشفيات بمدينة عمران لـ"خيوط"، أن الكثير من المواطنين يطلبون نقل مرضاهم إلى صنعاء خوفا عليهم من تدهور حالتهم الصحية، الأمر الذي جعل المستشفى يرحب بذلك خوفا من تحمل المسؤولية وتخفيفا من الضغط المفروضة على الكادر الصحي العامل الذين يتعرضون لتهديدات من قبل مواطنين عندما يحذرونهم من تدهور الحالة الصحية لمرضاهم.

يوافقه على ذلك مدير رئيس قسم العناية المركزة في مستشفى 22 مايو بالمحافظة، حيث يؤكد أنه في شهر مايو/أيار المنصرم تم نقل نحو 13 حالة كانت لديهم بالعناية المركزة إلى العاصمة صنعاء برغبة مرافقيهم وليس بطلب من المستشفى رغم استطاعة المستشفى تقديم الرعاية الطبية اللازمة لعلاجهم حسب تعبيره.

ويضيف أن خوف الأطباء والمسؤولين في المستشفى من حصول مكروه للمريض قد يتسبب بقيام أقربائه بتحميلهم المسؤولية يجعل أي طلب للنقل مرحبًا به، ويطالب المواطنين أن يثقوا بهم ويكونوا سندا ودعما لهم وليس مصدر للتهديد والخوف من القضاء والقدر.


•••
إبراهيم الضلعي

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English