أطفال "حجر" في رحلات يوميّة لجلب المياه الملوثة

سكان يشربون من المستنقعات
عبدالله البيتي
March 23, 2023

أطفال "حجر" في رحلات يوميّة لجلب المياه الملوثة

سكان يشربون من المستنقعات
عبدالله البيتي
March 23, 2023

يقول الطفل صالح (12 عامًا، من أهالي قرية الكام في منطقة حجر، بحضرموت):؛ "هذا وضعنا مع مُشكِلة الماء منذ وعيت على نفسي، نحن على هذا الحال منذ فترة زمنية طويلة، كما أخبرني والدي.، أُرافِق أمي وأختي كُلّ مساء؛ لنتزوّد بالمياه، مهمتي أنا فقط معهن تقتصر على نقل الماء إلى منزلنا على هذا الحمار".

ويشهد اليمن تفاقمًا متواصلًا لأزمة المياه ومعاناة المواطنين لتوفير مياه صالحة للشرب، إذ يدفع ذلك سكان الأرياف على وجه الخصوص، إلى قطع مسافات طويلة بحثًا عن المياه.

وتشهد مديريّة حجر (وهي إحدى مديريات محافظة حضرموت، وتقع إلى الجنوب الغربي منها) أزماتٍ متكرّرةًٍ في المياه، حالها كحال معظم مناطق الريف اليمنيّ تقريبًا، خصوصًا البعيدة منها عن مراكز التّمدن، والتّي باتت تُعاني الحرمان والإهمال. 

في مناطق حجر،" مثل (الكام وباعشن) وغيرها من المناطق الريفية المجاورة؛ يتوجّه كثير من الأطفال كل يوم مع شروق الشمس وعند غروبها في رحلات شاقة؛ للتَّزود بِلِترات من المياه الملوثّة ذات اللّون الأحمر أو الأخضر الفاقِع، حاملين معهم عددًا كبيرًا من الأوعيةًِ البلاستيكيةً مختلِفة الألوان والأشكال التَّي ينقلون الماء بِواسِطتها.

وتُعرف محليًا بـــ (دَبَّة أو جلن الماء) وتتفاوت نسبيًّا أحجامها لتتسع من 10 إلى 20 لترًا، في حين يقف الجميع في مشهدٍ مأساوي وحولهم حميرهم ودوابهم التي بواسطتها تُحمل المياه إِلى المنازِل، ولا خيارَ لهُم إِلَّا التّزود من هذه المياه.

يشكو مواطنون من الأضرار الصحيّة والأمراض المنتشرة نتيجة الشّرب، والاستِخدام لهذه المياه الملوّثة، منها على سبيل المثال لا الحصر؛ "الإسهالات" المائية الحادَّة بأَنواعِها، والأمراض الجلدية والتّحسُّسيَّة، خصوصًا بين الأطفال.

ويلجأ كثير من المواطنين في مثل هذه المناطق المحلية التي تفتقر لأبسط الخدمات العامة، إلى الشُّرب من بطن الوادي أو المُستنقعات أو قنوات مياه الرَّي الجارية المفتوحة والمخصصة لأغراض زِراعيَّة، وتُعرف محليًّا باسم "الساقية".

وتُعدّ الحمير وسيلةَ السكان الوحيدة التي يستخدمونها لنقل المياه إِلى منازِلهم من مسافاتٍ تصل في بعض الأحيان إلى ثلاثة كيلو مترات ورُبما تزيد، أضِفْ إلى ذلك معاناة الكثير منهم المتمثلة في عدم وجود خزانات خاصَّة بِهم لحفظ هذهِ المياه، ولذلِكَ يضطرون للذهاب عدة مرّات في اليوم الواحِد، -خصوصًا في فصل الصَّيف-؛ للتّزود بالمياه، وسد حاجتهم اليومية منها، بالرّغم من عدم صلاحيتها للشُّرب.ِ.

أزمة المشروع

الطِّفلة سوسن (14 عامًا، من أهالي قرية باعشن) تقول في هذا الصدد، لـ"خيوط":؛ "أذهب صباحًا مرَّةً واحدة لأجلب الماء؛ حتّى يُسعفني الوقت للذهاب إلى المدرسة، ثُمَّ أَذهب مرتين مساءً مع أمي".

تتزوّد هذه الطفلة، كغيرها من أطفال ونساء مثل هذه المناطق المحلية النائية، بحسب حديثها، من أقرب ساقية لموقع مسكنهم، في حين يتم استخدام هذه المياه التي يتم جلبها للشرب، وغسيل أَواني المطبخ، ولا تستخدم للاستحمام والذي يتم إِمَّا في الوادي أو في الساقية".

تتابع سوسن حديثها:؛ "فكّروا أَهلي أكثر من مرَّة بأن أترك الدِّراسة حتَّى أَستطيع تأمين ما يكفينا من المياه، وأُساعِد أُمّي في هذِهِ المُهمِّة".

من جانبه، يصف علي سالِم (37 عامًا، من أهالي منطقة الجول)، أهمية المياه وحجم الأزمة التي يواجهونها في حديثة حديثه، لـ"خيوط":؛ "نحرص جاهدين على ادّخار المياه ونُحافِظ عليها كما نحافظ على عُيوننا". 

ويمثّل ضح ضخّ المياه من المشروع الرئيسي فرحةً كبيرة لمثل سكان هذه المناطق، لكن ما تلبث هذه الفرحة أن تنتهي بانقطاع المياه بعد ساعتين أو ثلاث من وصولها، ولا تأتي مرة أخرى إلّا بعد مرور خمسة أيام أو أكثر.

وتراجعت إنتاجية البئر التي تغذّي مشروع المنطقة بالمياه في ظلّ تعرّض خطوط النقل خلال الفترة الماضية، لجرف السيول، مع بروز العديد من التأثيرات؛ منها ارتفاع أسعار الوقود اللازمة لتشغيله، وأسباب إداريّة وفنيّة وحتَّى هندسيَّة خاصة بتشغيل المشروع وتسييره إِلى جانبِ عددٍ من الأسباب الكثيرة الأخرى.

وأدّى ذلك إلى اعتماد السكان على شراء المياه من خلال الصهاريج المحملة على الشاحنات "الوايتات"، إذ يصل سعر صهريج المياه سعة 1,500 لتر إلى نحو (12,000) ريال يمني؛ ما يُعادل تقريبًا (10) دولارات أمريكيّة. 

وهنا يختلف ما تستهلكه الأُسَر من المياه، وفقًا لمعدّل اِستِخدامها له بحسب حجم وعدد أفراد الأسَر، وهذه الطريقة متاحة فقط لميسوري الحال والمقتدرين من السكان، خصوصًا إذا ما وضعنا في الاعتبار ما تؤكّده تقارير بأنّ أكثر من ثُلثي اليمنيّين ممّن يعيشون في فقرٍ مدقعٍ لا يستطيعون تحمّل نفقات شراء المياه الباهظة، وهو ما ينعكس على كُلّ مناحي حياتهم بالتأكيد.

مدير عام الهيئة العامة لمشاريع مياه الريف بساحل حضرموت، زاهر بن خوار الكثيري، يشرح في تصريح لـ"خيوط"، عن أَهم التدخلات الإسعافية التي تقوم بها الهيئة لمواجهة هذه المشكلة، أهمّها حفر بئر ارتوازية بإنتاجيّة عالية بعيدًا عن مجاري السُّيول، وتوفير منظومة ضخّ بالطاقة الشمسيَّة للبئر نفسه.

وبهدف تعبئة الخزان الرئيس للمشروع، يُشير الكثير إلى تنفيذ خطٍّ ناقل آخر لربط الخزان الرئيسي للمشروع إلى إِحدى المناطِق، وفصل بعض الخطوط الأخرى عنه، وهذا سيُساهِم في القضاء على مُشكلة قلة إمدادات المياه، بينما يتم دراسة حفر بئِرٍ اِرتوازيَّة آخرى أخرى أَو أَكثر في مواقع قريبة من منطقة الجول نفسها مركز المديرية.

ويبرز التباعد الجُغرافي بين المناطق والتكاليف المترتبة على ذلك، أمن أَهم أسباب تعثّر المشروع، إلى جانب تشتّت السُّكان وعشوائية عمل اللجان، وغياب مستوى الوعي بين السكان، وعدم وجود أيّ دور مؤثّر للدولة، ممثلة بمؤسساتها العامة الخدمية في مثل هذه المناطق المحلية.

دور شاق للنساء

حملت المرأة في اليمن على عاتقها الكثير من الأعباء والمسؤوليات الثقيلة، فهي ربَّة البيت، وهي من تعمل جنبًا إلى جنب مع الرجل في الزِّراعة، وتقومُ برعي الأغنام، وغيرها من المهام والأعمال.

كما تضطر بشكلٍ يوميّ، بعد استكمال عملها في المنزل، وقبل التّوجه إلى الحقل، للخروج لمسافاتٍ طويلة لجلب المياه للمنزل، حاملةً على رأسها وبِكلتا يديها الأوعيةَ البلاستيكية الخاصة بذلك، في ظلّ حاجةِ كثيرٍ من الأُسر إلى ما يزيد على 200 لترًٍا من المياه في اليوم.

هذا العبء الكبير جعل الكثير منهن مُتعبات جسديًّا ونفسيًّا، ويعانين من مُضاعفاتٍ وأمراضٍ مُتعدِّدة على مستوى الرأَس، والعمود الفقري، والظّهر، والكتف كنتيجة حتميَّة لهكذا أثقال كهذه وأعباء تحملها بشكل يوميٍّ ودائمٍ.

 وفي هذا الصَّدد، يصِف وجدان الشّاذلي (38 عامًا، وهو ناشط مجتمعي من أبناء المديريَّة) هذا المشهد لـ"خيوط":، "هي في الواقع معاناة يومية قاسية ومُركَّبَّة تعيشها المرأة؛ توفير المياه من المفترض أن تكون مسؤولية الرجل لا المرأة، نحن الآن في العام 2023، وملا زالت المرأة هي التي يجب أن تؤمِّن المياه وتحملها للرَّجُل، وتمشي على هذا الحال لمسافات طويلة قد تصِل إلى أربعة كيلو مترات في بعض المناطق".

كثير من المنازل في مثل هذه المناطق المحلية والريفية لا تتوفر فيها دورات ومراحيض مياه، وسط انعدام الوعي حول علاقة هذا الأمر بالصحة العامة، حيثُ من المتعارف في مثل هذا الوضع بأن يقضي الذكور حاجتهم في العراء، بينما تقضي الإناث حاجتها في المزارِع وبين الأَشجار أو في مراحيض تقليدية.

ويعتبر الشاذلي أنّ ذلك عبارة عن ضغوطات نفسيّة وجسديّة هائلة تعيشها المرأة في مثل هذه المناطق، وهذا يجعلها عالقة في مشاكل اجتماعية أكبر، في مجتمعٍ لا ما زالت العقلية السائدة فيه تفرض على المرأة مُشاركة الرّجل في مهام شاقّة ومنوطة بالرجل أصلًا، من قبيل العمل في الفلاحة، وغيرها، إلى جانب تأمين المياه للمنازل.

نقص الإمدادات وأضرار صحية

في السياق، يشكو كثيرٌ من المواطنين من الأضرار الصحيّة والأمراض المنتشرة نتيجة الشّرب، والاستِخدام لهذه المياه الملوّثة، منها على سبيل المثال لا الحصر؛ "الإسهالات" المائية الحادَّة بأَنواعِها، والأمراض الجلدية والتّحسُّسيَّة، خصوصًا بين الأطفال.

لِذا، فإِنَّ المستشفى الحكومي الوحيد في المديرية، والمراكز والمرافق الصحيّة الحُكوميَّة المُنتشِرة في القُرى، تستقبِلُ بشكلٍ يوميٍّ الكثير من الحالات المرضية بسبب تلوّث المياه. وبلا شك فإنّ صعوبة الحصول على المياه الصالحة للشرب، وشُرب المياه الملوّثة، يُشكّل أَحد أهم أسباب سوء التغذية.

ويتحدّث بدر محمّد (34 عامًا، وهو أحد الأطباء الذّين عملوا في مستشفى المديرية الحُكوميّ لأربع سنوات متتالية)، عن انعكاسات وتأثيرات هذه المياه الملوثة على السُّكان، والأمراض النّاتِجة عنها من خلال الحالات المرضية الكثيرة التي تصلهم   إلى المستشفى بشكلٍ يوميٍّ سببها المياه الملوّثة، وَفقَ قوله لـ"خيوط".

ويضيف أنّ هذه الحالات عبارة عن أمراض متوطنة أو موسميّة، ومنها الحادَّة وكذا المُزمِنة، مشيرًا إلى ما قد ينتج عنها مع مرور الوقت من أمراض سوء التّغذية، وتليّف الكبِد، علاوةً على المشاكِل المُرتبِطة بالمعادِن والأَملاح، والتَّي بدورها يمكن أن تُسبِّب حصوات في الكُلى وإسهالات أُخرى مُتعدِّدة.

إلى ذلك، يقول عبد المنعم عبد المانع- "مدير مشروع مياه الجول"، لـ"خيوط"، إنّ خطوط نقل المياه الحاليَّة حجمها 4 هنش، في ظلّ كثافة سُكانيّة عاليّة، ومناطق كثيرة ومتباعدة يغطيها المشروع؛ ممّا يُشكِّل ضغطًا كبيرًا على المياه، وبالتَّالي هذا يُقلّص وصولها لكثيرٍ من المناطق؛، الأمر الذي يتطلب تبديل خطوط النقل القديمة بخطوط جديدة بحجم 8 هنش؛ لكي تصل المياه بسلاسة إلى مختلف المنازل والمناطق وبدون أي ضغط، إضافة إلى عدم وجود بنية تحتية للمشروع.

ويشير إلى المسؤوليات المتراكمة التي تفوق القدرات والإمكانيات الحالية، مؤكّدًا أاهمية تدخل المؤسسات العامة للدولة لحل ما تعترضهم من مشاكل والنَّظر للسُّكان وما يعانونه بشكلٍ يوميّ والعمل على ربط المشروع على وجه السُّرعة بالمؤسسة العامة للمياه والصَّرف الصِّحي بالمُحافظة.

الصرف الصحي

كثير من المنازل في مثل هذه المناطق المحلية والريفية لا تتوفر فيها دورات ومراحيض مياه، وسط انعدام الوعي حول علاقة هذا الأمر بالصحة العامة، حيثُ من المتعارف في مثل هذا الوضع بأن يقضي الذكور حاجتهم في العراء، بينما تقضي الإناث حاجتها في المزارِع وبين الأَشجار أو في مراحيض تقليدية، عادةً ما تكون موجودة بجوار المنازل، وتكون مغطاة بقِطعٍ من القماش أو القش أو الزِّنك من دون توفّر مياه فيها.

ونتيجة لعدم وجود تصريف في هذه المراحيض، الأمر الذي يتعرّض المُجتمع ككل، لمشاكل صحية مختلفة، أهمّها؛ اِنتِشار الحشرات النَّاقِلة لأَمراضٍ مُعدية، كالبعوض المسبب لمرض الملاريا، والَّذَّي كثيرًا ما عانت منه هذه المناطق واستفحلَ فيها لفتراتٍ قريبةٍ ماضية.

وذلك بالرغم من الجهود التي بُذِلت للقضاء عليه، إلى جانب العمل على حشدٌ واِلتِزامٌ رسمي وشعبِي مُستمِر للوقاية منه ومكافحته عبر البرنامَج الوطني لمكافحة الملاريا بِوِزارة الصِّحة العامَّة والسُّكان، حتى تم التّخلُص منه منذ فترةٍ ليست بالبعيدة.

ويعيد محمَّد صالح (42 عامًا، وهو من أهالي منطقة باقشيم)، أسباب ذلك إلى:؛ "شحَّة المياه وعدم توفرها، إضافة إلى عدم وجود شبكات للصرف الصحي على مستوى المنطقة"؛، لذا لا فائدة كما يرى سكان هذه المناطق، لوجود المراحبضالمراحيض في منازلهم.

وبشير ويشير الطبيب بدر محمّد إلى أنّ منطقة حجر تعرضت خلال الفترة الماضي لموجتين من مرض "الكوليرا"؛ بسبب اختلاط مياه الشرب بمخلفات الصّرف الصِّحي التَّي لا تتوفّر لها شبكات صرف خاصَّة، في حين تُساهم السّيول بجرفها إلى مصادر المياه التي يعتمدها الأهالي في شربهم، إذ يؤدّي ذلك إلى ظهور بؤر عديدة للكوليرا. علاوةً على انتشار واسع بين السُّكان للبلهارسيا والديدان الدبوسية والشريطية والإِسكارس وغيرها.

ويغيبُ عن أذهان السُّكان في هذه المديرية، حقَّهم الأصيل للعيش في بيئة آمنة ونظيفة،. وإمكانية حصولهم على مياه نظيفة ومرافق ومراحيض صحيّة، وممارسات نظافة تمنحهم بدايةً صحيةً في حياتهم. ولا تخطر حتّى ببالهم التأثيرات الضارة جدًّاً النّاتجة عن المرافق غير المأمونة للمياه والصرف الصحي والنظافة الصحية، والتّي قد تؤدّي ربما في بعض الأحيان إلى التَّسبب في وفاتهم، دون علمِهم.

*تحرير خيوط

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English