صغيرات يلدن الاكتئاب

مرض نفسي شائع يُواجَه بالشعوذة
منى محمد
June 19, 2021

صغيرات يلدن الاكتئاب

مرض نفسي شائع يُواجَه بالشعوذة
منى محمد
June 19, 2021

تعاني معظم الأمهات حديثات الولادة من "اكتئاب ما بعد الولادة"، والذي يشتمل في العادة على تقلُّبات في المزاج، ونوبات من البكاء والقلق، وصعوبة في النوم.

حيث تواجه الأم المصابة صعوبة في التعامل مع رضيعها، وقد تصل في بعض الحالات إلى إيذاء الأم لطفلها ولنفسها مع ميل للعزلة، وتجنب التعامل والاحتكاك بالآخرين؛ وقد لا تلاحظ الأم إصابتها باكتئاب ما بعد الولادة؛ كون الأعراض تتطور بشكل تدريجي. 

يسبب اكتئاب ما بعد الولادة شعورًا دائمًا بالحزن والإحباط، وفقدان الاهتمام بالعالم الخارجي، والشعور الدائم بالإرهاق وعدم القدرة على إنجاز أي شيء، وشعورًا بالخمول والنعاس أثناء النهار، والأرق أثناء الليل. ولا يعد اكتئاب ما بعد الولادة خللًا أو ضعفًا في الشخصية؛ بل يكون ناتجًا ببساطة من مضاعفات الولادة.

جهل مجتمعي بالمرض

يجهل كثير من الناس –خصوصًا في الأرياف- مرض اكتئاب ما بعد الولادة، مفسرين ما يحدث للمرأة المصابة بالسحر والعين.

يقول أخصائي الأمراض النفسية والعصبية،الدكتور عبده الشليلي لـ"خيوط": "يعتبر الناس أعراض اكتئاب ما بعد الولادة، على أنه سحر أو عين، وهي ثقافة مجتمعية منتشرة، إما للجهل بالمرض أو نتيجة للتجاهل وعدم الاعتراف به، تهربًا من وصم الجنون، باعتبار أن كل من يزور طبيبًا نفسيًّا مجنون بالضرورة، ولذلك حالات كثيرة تلجأ للمشعوذين".

نورا عبدالله (26 سنة) أم لطفلين، أصيبت بالمرض في الولادتين، وخاضت تجربة شاقة؛ متنقلة بين المشعوذين وقارئي القرآن، تقول لـ"خيوط": "كنت أشعر بقلق وخوف شديد بعد الولادة، جعلتني كثيرة البكاء، والقلق من كل شيء، ولم أكن أهتم بأبنائي، وقتها شعرت بأني عديمة مسؤولية، وبأني لا أصلح أن أكون أمًّا، مما زاد من حالة الاكتئاب لدي، وكنت كثيرة التفكير في انفصال والداي وأنا طفلة، وخوفي أن يحدث لابني مثل ما حدث لي وقتها".

وتضيف نورا: "لاحظ الجميع حالتي السيئة وعدم قدرتي على النوم، فكر الجميع بأنني مسحورة أو معيونة، فنحن في القرية لم نسمع قط عن الاكتئاب الولادي، رغم إصابة الكثيرات بأعراض مشابهة لإصابتي"، وأردفت: "خضعت لجلسات علاجية بالقرآن وزرت مشعوذين، لكن حالتي لم تتحسن".

صغيرات السن أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب الولادي؛ وذلك لأن قدراتهن النفسية والجسدية والهرمونية ضعيفة مقارنة بما تتعرض له الأم من آلام المخاض

بعد شهور زارت نورا طبيبًا نفسيًّا، بناءً على نصيحة من قريب لأسرتها، بعد أن أقنعهم بأن فكرة عرضها على الطبيب النفسي ضرورة وليست عيبًا؛ "تدهور حالتي هو ما أقنعهم أكثر بعرضي على الطبيب النفسي الذي بدوره قدم لي العلاج المناسب لحالتي، وشعرت بعد الزيارة بالفارق، حينها تأكد لنا جميعًا أن ما كنا نفعله خطأ، وأني مصابة بمرض وليس سحرًا أو عينًا"، تقول نورا.

زارت "خيوط" أحد أرياف محافظة صنعاء، والتقت فيه عددًا كبيرًا من النساء؛ قليل منهن حاصلات على شهادة الثانوية العامة، واتضح أن عشرات النساء أصبن ويصبن بشكل مستمر بمرض اكتئاب ما بعد الولادة، حتى صار من المتعارف عليه أن المرأة بالضرورة تمر بمرحلة من تغير المزاج وحدّة الطباع وكثرة الأوهام بعد الولادة، لدرجة أن عبارة مثل "الوالدة خفيفة عقل" منتشرة بشكل كبير، غير مدركين أنه مرض ويسبب مضاعفات خطيرة.

صغيرات السن أكثر عرضة

تعاني المجتمعات الريفية من تفشي ظاهرة زواج الصغيرات، الأمر الذي يساعد بشكل كبير في تعرض النساء لمرض اكتئاب ما بعد الولادة، حيث تعتبر صغيرات السن أكثر عرضة للإصابة، بحسب أخصائيين.

يقول الشليلي، إن "صغيرات السن أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب الولادي؛ وذلك لأن قدراتهن النفسية والجسدية والهرمونية ضعيفة مقارنة بما تتعرض له الأم من آلام المخاض ومسؤولية أعباء الطفل بعد الولادة، حتى أنهن أقل تقبلًا للجلسات النفسية". 

اكتئاب ما بعد الولادة إحدى أهم المشكلات التي يخلفها الزواج المبكر، غير أن ذلك لا ينفي إصابة الأخريات بهذا المرض، وهو ما يؤكده الدكتور الشليلي بقوله: "قد تتعرض المرأة للاكتئاب بسبب قلة المناعة، وأحيانًا بسبب الإهمال من قبل الزوج لها بعد الولادة، وتجاهله لحاجتها للدعم النفسي".

تزوجت صفاء أحمد (18 سنة)  وهي في ربيعها الخامس عشر، وأنجبت طفلها الأول بعد عام من زواجها، تقول في حديثها لـ"خيوط": "عندما أنجبت أول طفل قبل عامين، أصبت بحالة شديدة من الكآبة لدرجة أني كرهت ابني، راودني شعور أنه سبب كل ما يحدث لي، من خوف وقلق وبكاء شديد ومستمر وعدم قدرة على النوم".

وتقول صفاء: "بقيت لمدة أسبوع أعاني، والجميع يطمني بأن هذا الشيء طبيعي للمرأة النفاس، ولأن مستوى تعليمي ضعيف، كنت جاهلة بالاكتئاب الولادي، إلى أن ذهبت لدكتورة النساء وأخبرتها مما أعانيه، وأخبرتني أن ذلك هو الاكتئاب الولادي، ووصفت لي فيتامينات، ونصحتني بالتغذية الجيدة، وأوصت أمي برعايتي والاهتمام بي، بعدها تجاوزت اكتئابي خلال أسابيع".

درجات متفاوتة 

ثمة حالات نفسية متعددة بأشكال وأعراض مختلفة، ودرجات تأثير متفاوتة، تصاب بها بعض الأمهات عند الولادة، وتتطلب كل حالة نوعًا معينًا من العلاج، بالإضافة إلى اختلاف الفترة الزمنية لتجاوز الحالة.

في هذا الصدد تصنف الدكتورة إبتهال أحمد، أخصائية نساء وولادة، في حديثها لـ"خيوط" اكتئاب ما بعد الولادة إلى ثلاثة أنواع؛ "هناك كآبة ما بعد الولادة (postpartum blue ) وهو نوع خفيف من الاكتئاب، يحدث في أول أسبوعين بعد الولادة، ويخف بدون علاج، وغالبًا يكون سببه الحياة الجديدة للأم، وخوفها من المسؤولية، وتغيير نمط حياتها، وقلة النوم مع قدوم المولود الجديد".

وبحسب الدكتورة إبتهال، يأتي اكتئاب ما بعد الولادة (postpartum depression) في الدرجة الثانية، ويحدث غالبًا بعد أربعة أسابيع، وتحتاج الأم خلاله لعلاج نفسي، وعلاج طبي، وقد ترقد الأم بسببه في المستشفى".

وبدرجة أقوى وأشد فتكًا، يأتي فصام ما بعد الولادة (postpartum psychosis) وهو أشد الأنواع فتكًا، وغالبًا يحدث هذا النوع من الاكتئاب للأمهات اللاتي عندهن تاريخ مرضي نفسي، أو تاريخ أمراض نفسية في الأسرة"، وفقًا للدكتورة إبتهال أحمد.

يحتاج الاكتئاب الولادي إلى معالجة نفسية مبكرة بعد الولادة مباشرةً، من خلال دعم المرأة وتهيئة الجو النفسي المناسب لها، والاستماع لأفكارها ومناقشتها، وتصحيح الأخطاء بأسلوب هادئ، وتخفيف أعباء رعاية الطفل عليها

وتضيف: "في النوع الثالث غالبًا ما يكون للأم رغبة كبيرة في الانتحار أو في قتل طفلها، وهذا النوع يفترض وضع الأم في مصحة نفسية خاصة".

من جهته يوضح الدكتور الشليلي أن "الاكتئاب الولادي يشترك مع النفاسي في الأعراض المصاحبة لحالة الاكتئاب، من حيث الحزن، وعدم الرغبة في الحياة، ويختلف الولادي عن النفاسي في الفترة الزمنية، حيث إن الولادي قد تكون فترته من ستة أشهر إلى سنة وأكثر، فيما النفاسي يستمر من أسبوع إلى أسبوعين فقط، وقد يصل إلى أربعين يومًا".

تجاوز الحالة

تنتظر المرأة الحامل جنينها بلهفة وشوق، ولا تدرك بعض الأمهات أنها ستصاب بحالة تمنعها لذة احتضان طفلها ورعايته في أيامه الأولى في الحياة.

"لا يمكن تفادي حالة الاكتئاب الولادي قبل الولادة حتى وإن ظهرت بعض الأعراض بشكل أخف منها بعد الولادة"، يقول الدكتور الشليلي.

وينوه الشليلي إلى أن الاكتئاب الولادي يحتاج إلى معالجة نفسية مبكرة بعد الولادة مباشرةً، من خلال دعم المرأة وتهيئة الجو النفسي المناسب لها، والاستماع لأفكارها ومناقشتها، وتصحيح الأخطاء بأسلوب هادئ، وتخفيف أعباء رعاية الطفل عليها".

إجراءات أخرى في نظر الشليلي من الضرورة الالتزام بها لمساعدة الأم المصابة لتجاوز حالتها؛ منها "ترك الأم الوالدة ترتاح، وتنام بشكل كافٍ، وتقليل أيام وساعات الزيارة لها من النساء، وعدم تعرضها للتدخين بأنواعه، والأهم من ذلك التغذية الجيدة لها".

وفي سياق متصل، تقول الدكتورة إبتهال أحمد، إن من أهم الأشياء المساعدة للأم في تجاوز حالتها "الدعم النفسي خلال فترة ما بعد الولادة، بحيث يكون أهلها حولها، ويكون هناك من يساعدها في الاعتناء بطفلها الجديد وإخوانه -إن وجدوا- وإعطائها وقتًا كافيًّا للراحة والنوم".

تضيف إبتهال أحمد "من وجهة نظري، عندنا في اليمن وجود الأم مع ابنتها وقت الولادة، أو ذهاب البنت –النفساء- لبيت أهلها يساعدها كثيرًا في اجتياز هذه المرحلة، بالإضافة إلى الزيارات الخفيفة للوالدة تساندها وتدعمها".


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English