عن جمال بنعمر وقد بادر لتذكّر سنوات سجنه

فرصة سانحة لتذكّر دبلوماسي مرّ من هنا وأفسد كل شيء
ريان الشيباني
January 19, 2021

عن جمال بنعمر وقد بادر لتذكّر سنوات سجنه

فرصة سانحة لتذكّر دبلوماسي مرّ من هنا وأفسد كل شيء
ريان الشيباني
January 19, 2021

في العاشر من يناير/ كانون الثاني 2021، تذكّر الدبلوماسي الأممي جمال بنعمر، محطة مهمة من حياته، حدثت قبل 45 سنة، حين اختطفه الأمن المغربي واقتاده إلى مقر شرطة الرباط. هناك "حيث قضى ليلة طويلة تحت التعذيب بلا هوادة"، ومع تقادم كل هذه السنوات "ما زال وجه الجلاد عالقًا في ذهنه". 

كانت هذه الإطلالة الإلكترونية للمغربي جمال بنعمر، في صفحته على فيسبوك، هي الأولى منذ قدّم استقالته، في الـ16 من أبريل/ نيسان 2015، من مهمته كمبعوث خاص للأمين العام للأمم المتحدة بشأن اليمن، مخلفًا وراءه أزمة إنسانية هي الأسوأ عالميًّا منذ الحرب العالمية الثانية.

لا أحد من اليمنيين تساءل يومًا، ما الذي يفعله جمال بنعمر الآن؟ هل يشاهد نشرات الأخبار؟ أم يتوارى عنها بالاهتمام بمهام أممية أقل حملًا، قد تُخفف من على كاهله، ثقل أخبار الانهيار المريع لبلد، شارك في هيكلة شؤونه السياسية والعسكرية والاقتصادية. لو افترضنا أن تذكّراته الأخيرة لليالي عذابات معتقل "درب مولاي الشريف" السري في الدار البيضاء، هي من واقع محاولته القول: أنا أيضًا ضحية. 

لا أحد يتذكّره، غير أنه أثار، بمظلومية منشوره، عددًا من الناشطين اليمنيين، الموجودين بالضرورة على صفحته، فدخلوا إليه لتنفيس ما يقارب من ست سنوات حرب، قضوها إما في الدمار، أو الشتات أو المعتقلات أو البطالة أو الجوع، لكنه ضاق ذرعًا بهم، وبعبارتهم، فعمل على حذف تعليقاتهم وحظرهم من الدخول إلى عالمه.

منذ تعيينه في منصبه في أغسطس/ آب 2012، إلى أن قدم استقالته، ظل بنعمر يُذكر خلال هذه الفترة، باعتباره أحد الفاعلين الأكثر تأثيرًا في مرحلة انتقالية، خلقت الكثير من الأبطال، والقليل القليل من الوطنيين. وكان من شأن ذلك، أن أُشرِك كعنصر حي وفعال في منظومة الدعابة التي ولّدها القهر السياسي، حتى أصبح ذكر الرجل ملاصقًا لكل شيء له علاقة بخلافات اليمنيين فيما بينهم. سائق الدراجة النارية الذي تختلف معه على أجرة المشوار وقد نقلك من شارع إلى آخر، تجده يلجأ للتساؤل: "هل من الضروري أن يتدخل جمال بنعمر؟".

جاءت فترة، ذُكر فيها الرجل، باعتباره يمنيًّا، أكثر من اليمنيين أنفسهم، وقد أجاد مسرحة الأدوار التي أملاها عليه واقع مشوب بالعلاقات الشخصية، وجملة أعراف وتقاليد ناظمة للسياسة من خارجها. أحد المطلعين على عمل المكتب الأممي في اليمن، قال لي إن الرجل، قدم ابتداءً إلى منصبه، بشخصية متهيّبة ومتأنية ورصينة، ذلك أنه افترض القدوم إلى بيئة اعتراك سياسي عمرها أكثر من عقدين. 

إلى الوسط الذي أنضجت فيه التجربة، قوى اليمين واليسار والوسط، لتندغم في كتلة سياسية واحدة، وإلى ثوار أطاحوا بواحد من أعتى الأنظمة العسكرية، واستطاعوا إخضاعه سلميًّا، بالرغم من امتلاكهم ثلاثة مليون قطعة سلاح على الأقل. 

لكنه، وبعد جولة سريعة في أروقة العمل السياسي، رأى من الصائب أن يُنصّب نفسه زعيمًا، مع ثلة لا ترى أي قيمة للعمل الوطني، إن لم يكن العائد في المحصلة، يعني الشلة، أو الجماعة، أو الحزب، بمعية تقاليد تعطي الأجنبي الأولوية في الثقة، على أن الشر المحض هو في نقيضك السياسي.

بعدها أمكن رؤية بنعمر وهو يوبّخ السياسي المخضرم محمد قحطان، ويلّمح إلى أنه "مزايد"، وقد طلب قحطان من الأمم المتحدة موقفًا واضحًا بشأن الإعلان الدستوري التي أعلنته جماعة "أنصار الله- الحوثيين" وخوّلت لنفسها به، إدارة شؤون البلاد. 

قحطان أيضًا، سجّل موقفه العلني أمام الكاميرات، بعد أن بلغت كولسة مساعي المبعوث الأممي مبلغًا صار فيها الشك من نواياه الحسنة، في حكم المستساغ. 

عرفت سنوات هادي الأولى في الحكم، اجتماعات طويلة ومغلقة، بالمبعوث الأممي، يصل قوام بعضها إلى ثماني ساعات. وبالنسبة لرئيس غير صبور، وبدون وجهة، فإن هذه الخلوة السياسية، توفر عنه، عناء البحث عن المتآمرين الداخلين من خلال أجهزة التخابر الحكومي

أمكن رؤية كيف استشاط غضبًا من الشيخ القبلي محمد ناجي الشايف الذي خاطبه في إحدى جلسات الحوار، بـ"الرفيق"، وقد أدرك أن لا حاجة للدبلوماسية أو اللغة التوفيقية، أمام مكائد سياسيين متمرسين، على الحكم بالدسيسة. الشايف نفسه، والمحسوب على وسط اليمين، كان في موقف أراد من خلاله القول إن بنعمر، يساري سابق، والبقية لا شك أنها ستأتي من تلقاء نفسها: اليساري السابق سينحاز بالضرورة لليسار.

هذا الشكل من التواصل، انعكس بعد ذلك على أداء المكتب الأممي حينها بشكل كامل، وبالرغم من أنه لا يمكن الحديث على وجه الدقة عن مكمن الخلل، إلا أن المضي قدمًا لتسوية سوية، وبأي ثمن كان، قادنا إلى هذا الجحيم الماحق من الفرقة والدمار. 

في بداية ديسمبر/ كانون الأول 2014، وكنت حينها في إدارة تحرير صحيفة الأولى الأهلية، في تغطية لأحد الأخبار التي لها علاقة بعمل المبعوث الأممي. اتصلت بمدير مكتبه المغربي عبدالرحيم صابر، لأستقصي منه بعض التفاصيل، لكني، وبعد أن عرّفت بنفسي، تفاجأت به، غاضبًا، حين قال بلهجة متوترة: لن أتفاهم معك إن لم تعتذروا أولًا. 

  أعتذر؟ عمّا نعتذر؟ كانت الصحيفة قد نشرت خبرًا في ذات اليوم نقلًا عن مصدر مطلع أن جمال بنعمر، اشتكى لمجموعة من السياسيين، من بينهم الدكتور عبدالكريم الإرياني، من أن الرئيس هادي لم يعد متاحًا، وأنه لا يصحو إلا عند الساعة الثالثة عصرًا. صحيفة القدس العربي، أكدت في 4 ديسمبر/ كانون الأول 2014، الخبر من مصدر آخر، إلا أن مصداقية الخبر، ليست عين ما نقصده هنا. 

  طلبت من مدير المكتب، إن كان يرى الخبر كاذبًا، أن يرسل رده، وسينشر كاملًا بالمساحة التي نشرنا فيها الخبر المنسوب للمبعوث، وبدلًا من أن يقوم بالأمر، قال: "لن تعلمني الصحافة، عليكم بالاعتذار"، ثم أغلق السماعة في وجهي، وقد رددت عليه: "نحن أيضًا لا نتلقى دروسًا في كيف نكون صحفيين". 

  مع الاحتداد، الذي ظل حاكمًا لعلاقة المبعوث الأممي مع مجموع القاصرين، الذي نمثله نحن جميعًا، على اختلاف مؤسساتنا وانتماءاتنا، كان من المناسب -آنذاك- معرفة لماذا صار الرئيس اليمني إلى تلك الحالة الكسولة من العيش، إن لم يكن الإحباط؛ محصلة طبيعية لإيمانه الراسخ بالمجتمع الدولي الذي يمثله بنعمر، والضامن للعملية السياسية التي يقودها.

لقد عرفت سنوات هادي الأولى في الحكم، اجتماعات طويلة ومغلقة، بالمبعوث الأممي، يصل قوام بعضها إلى ثماني ساعات. وبالنسبة لرئيس غير صبور، وبدون وجهة، فإن هذه الخلوة السياسية، توفر عنه، عناء البحث عن المتآمرين الداخلين من خلال أجهزة التخابر الحكومي، وتصيغ بالنيابة عنه، القرارات التوافقية التي يجب أن تحمي كرسيه المهتز من التزعزع. حتى إن أحد العارفين بكواليس القصر الرئاسي في تلك الفترة، ردّ، عندما سألته عن أكثر شخصية مقربة من الرئيس، والأكثر كرهًا، في الأولى ذكر جمال بنعمر على وجه اليقين، وبن مبارك -إن لم تخنّي الذاكرة، وفي الطرف الآخر ذكر الشخصية القبلية حميد الأحمر. لكن إلى أين قاد كل ذلك؟

أصبح جمال بنعمر، في نهاية العملية السياسية، يذكر باعتباره مقربًا من جماعة أنصار الله (الحوثيين)، وداعمًا لتحركاتها، أيضًا، فقط لأن الرجل رأى في تطلعات الجماعة المسلحة الصاعدة، فوق احتمال العملية السياسية التي يسيرها، فاتجه معها إلى "باب بيتها"، لإخراج حل ترقيعي، ينهي مسيرته الدبلوماسية بسلام. لكن لا أحد يخوض في المستنقع اليمني، دون أن تصمه السياسة في هذا البلد بوصمة عارها.

آخر إحاطة لجمال بنعمر كانت على قناة الجزيرة، في 29 من أغسطس/ آب 2014، ولم يحِط بعدها "علمًا" أي جهة خارجية أو داخلية أخرى، عما يحدث في البلد بالضبط

في أربعة لقاءات إعلامية على الأقل، بالمبعوث الأممي جمال بنعمر، دوّنت في مفكرتي الصحفية بعض الشوارد عن هذه اللقاءات؛

في 26 يوليو/ حزيران 2011

جمال بنعمر، مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة خلال لقاء لنا معه في صنعاء أمس، والإعياء واضح على وجهه، ومع تلك التقاسيم التي أضنتها ثلاثة أيام مع النخب السياسية، أدركت أنه يريد أن يقول بأن البلد يتجه نحو الحرب، وإن لم يقلها صراحة.

في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني 2012

الليلة، حضرت مؤتمرًا صحفيًّا لجمال بن عمر. وصلت متأخرًا عن المؤتمر، وأنفقت نصف وقتي أجري في بهو الفندق ذهابًا وإيابًا، وكلما حاول أحدهم إرشادي؛ دلني على المصعد الدائري الذي لا يعمل؛ (وهناك ستجد سلالم مفروشة بالسجاد الأحمر، اصعد هذه السلالم).

وصلت إلى مكان المؤتمر لاهثًا بعد لحظات تيه، وجلست بجانب أحد عناصر الاستخبارات الموجودة في المكان، ونسيت نفسي في لحظة شرود. ولم أستطع أن ألحق بأي سياق لكلامه.

ولذا عندما انتهى المؤتمر، تشبثت بصديقي الزميل أمين الصفاء، الذي كان في الصف الأمامي. - ما الذي قاله جمال بنعمر، عن ماذا كان يتحدث؟

- لا أدري، حضرت متأخرًا أنا أيضًا.

- هل قال إن شيئًا ما نجح، أم سيسافر إلى مجلس الأمن الليلة لحل الخلاف؟

في حالة من العصيان المدني لذاكرتينا، أمسكنا أحد الصحفيين في المكان، وسألناه، ماذا قال الرجل؟

- اتفقوا، اتفقوا.

وعند البوابة الرئيسية في السيارة، قلت لزميلي: "كان يتحدث كثيرًا عن "لجنة"، من يقصد؟"

قال:

"الله يشلك؛ يقصد اللجنة الفنية للحوار الوطني".

في 11 سبتمبر/ أيلول 2014

مبعوث أممي وديكتاتور

آخر إحاطة لجمال بنعمر كانت على قناة الجزيرة، في 29 من الشهر الماضي، ولم يحِط بعدها "علمًا" أي جهة خارجية أو داخلية أخرى، عما يحدث في البلد بالضبط.

يؤكد جمال بنعمر، حالة الانخداع الكبير الذي وصلنا إليه نحن -اليمنيين- في التعامل مع "الخارج المنقذ"، ومن ثَمّ "يمننته" وتحويله إلى "شريك داخلي" في صنع "الهزيمة" التي نحظى بها في نهاية كل قصة تاريخية حزينة.

كلنا كيمنيين، كنا نعرف أن التمديد لجمال بنعمر ومهمته، مثّل مكسبًا سياسيًّا للمبعوث الأممي، وظل هذا المكسب يتنامى بتنامي غباء السياسيين اليمنيين، وخوفهم على مناصبهم وثروتهم المحروسة أمميًّا، وإلى الدرجة التي حظي فيها "بنعمر" بمنصب مُشرّع (مُقدّس)، صاغ ديباجات كثيرة في مؤتمر الحوار الوطني، وعندما اعترض "الأحرار"، ارتضى بنفيهم بشكل اختياري منه، وطال مراكز نفوذ سياسية، في الوقت الذي أدار فيه وجهه عن مراكز أخرى ترتكز في وجودها على أدوات ليست سياسية، بل وسعى أحيانًا إلى مجاملة هذه القوى.

وما ليس بجديد أن المبعوث الأممي، اتخذ من اليمن بالنسبة له، حصالة نقود، حيث إنه في كل جولة، يحصد آلاف الدولارات إلى جانب راتبه الكبير. ولذا كان من المجدي له أن تظل الأمور على حالتها المائعة هذه، لكن لم يكن في حسبانه أن "السبحة" التي بناها بعقلية مراوغة يمكن أن تندثر.

لكن في النهاية؛ ما الذي سيقوله بنعمر للمجتمع إذا دخلت البلاد في حالة فوضى؟

هل سيقول إنه زار البلاد في 2011، وليست فيه جماعات مسلحة على النحو الذي نحن عليه اليوم؟ وهل سيعترف أن الطائفية لم تكن موجودة في هذا البلد عندما زاره؟ هل سيعترف أنه كانت لدينا ميزانية صمدت نسبيًّا، وجيش غير مفكك؟ هل سيتجرأ بالحديث عن أخطائه، كيف أنه قاد السياسيين إلى هذا المستنقع الخطير، وكيف أنه كان يمضي أكثر من 8 ساعات في اجتماع مغلق مع عبدربه منصور هادي ليكرس ديكتاتورية المبعوث الأممي للمرة الأولى في تاريخ الأمم، وأن هذه هي النتيجة الطبيعية لتوجيهه الأمور وتسييرها؟ هل سيحدّث العالم بأنه دخل طرفًا في النزاع بين اليمنيين، واستعدى أطرافًا على حساب أطراف؟ هل سيتجرأ للحديث أمام العالم عن باسندوة وسميع والوجيه، ومن لف لفهم؟

رفعت بدوري يدي وكما لو أنني أتسلى، لالتقاط صورة بهاتفي المحمول، ربما لأذكّر نفسي، يومًا ما: هذا الرجل مر من هنا، وأفسد علينا كل شيء

7 مارس/ أذار 2015

الأسبوع الماضي حاولت أن أعيش تجربة، وكما لو أني في بلد مختلف، احتشدت بكل ما أوتيت من إحباط لأخذ فترة هدوء بعيدًا عن الضغط النفسي لسياسات العاصمة، وسافرت عدن. وتكفلت الصحيفة مشكورة بأمور الإقامة.

بداية أغلقت هاتفي المحمول، وكل الخدمات الإخبارية، بما في ذلك الواتس آب والفيسبوك، ومحطات الجزيرة والعربية الحدث، وحتى القنوات ذوات الشرائط الإخبارية أسفل الشاشة؛ يعني بقيت متنقلًا بين برامج "الخدع السحرية" و"خلق ليفترس"، على ناشيونال جيوجرافيك، وأفلام فوكس موفيز وإم بي سي. ومع احتشادي هذا، كان هناك في الطرف الآخر احتشاد مقابل، لإفساد لحظة صفاء يمكن أن يعيشها مواطن يمني.

فقبل هذه الأسابيع، كنت قد نويت أخذ هذه الإجازة، ومنعتني الظروف الأمنية التي رافقت استيلاء جماعة أنصار الله (الحوثيين) على دار الرئاسة، مما يعني أنني عندما بدأت الترتيب للأمر في الأسابيع التي تلت هذه الأحداث، كان عبدربه منصور بصدد وضع خطة لاستباقي إلى "العاصمة الشتوية" تحت جنح الظلام.

حاولت تجاوز المسألة، وغامرت بالنزول الجمعة الماضية. وللمفاجأة العجيبة وصلنا أنا وأحد موفدي قناة الجزيرة (جلال شهدا) إلى "الرسيبشن" في نفس الوقت. كما رأيت طاقمها الإعلامي في الرواق. قلت لنفسي: إجازة سعيدة إذن.

أَخْرُج للعشاء مساءً، فأتماسى بالأوجه العابسة في الفناء الرومانسي خافت الإضاءة. نعم، علي الصراري وعبدالله نعمان ويحيى منصور أبو أصبع واثنين لا أعرفهما، تلمّهم طاولة واحدة، وكما لو أنهم فراخ تائهة في ليل ماطر. 

ومع ذلك أحاول ألا أشغل بالي بشيء، وأقاوم رغبتي الصحفية في الحديث إليهم. بالرغم من أني أعرف مدى الروح التشاؤمية التي تتملكهم من رجال الصحافة الورقية. وفي المساء تنازعتني روحي، لشم نسيم الشرفة. لرؤية مزق القمر المنعكس على صفحة مياه البحر المائجة، فأتراجع خائبًا، لأن بالأسفل، هناك، فضاء مفتوح للسياسة والسياسيين، الذين يتشاركون النهش بعدوهم المشترك، ليطرحونه أرضًا من على فضائيات الخليج المتخم، بينما هو يمضي قدمًا بجحافله، ويبدو كما لو أنه في طريقه لاكتساح حتى هذه البقعة الصغيرة من الأرض؛ سيطل مسلحوه يومًا ما من هذه الشرفة، وسيدلون أقدامهم المتكلسة على ازرقاق هذا المسبح المتلألئ.

وفي الصباح، حين أخرج من صالة المطعم المفتوح، يكون الكرنفال الإعلامي الكبير قد بدأ، بانتظار القادم. وتكاسلًا لا أدع لنفسي الفضول بالسؤال عمن يكون. وفي النهاية، إنه بنعمر، بثيابه الرسمية التي بدت –هذه المرة- رثة على غير العادة. وبدا، وهو يمر بين الطاولات، شاحبًا وهزيل البنية. عرفت حينها أن خيوط المؤامرة اكتملت، لا متع في هذه البلاد. ولذا أفرغت شحنة انهياري العصبي في مؤتمره الصحفي، بكل كلمة سياسية فاتتني خلال يوم أو يومين من محاصرة نفسي عن السياسة. لوثني الرجل بحصاد أسبوع جديد من الإرهاصات والتفكك. ورفعت أنا بدوري يدي وكما لو أنني أتسلى، لالتقاط هذه الصورة بهاتفي المحمول، ربما لأذكّر نفسي، يومًا ما: هذا الرجل مر من هنا، وأفسد علينا كل شيء.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English