أزمة وقود في حضرموت

يكتوي بنارها الموظفون المدنيّون
محمد سليمان
September 14, 2021

أزمة وقود في حضرموت

يكتوي بنارها الموظفون المدنيّون
محمد سليمان
September 14, 2021


يقطع المواطن عارف بن ساحب مسافة 100 كيلو متر يوميًّا، قادمًا من منطقته الواقعة شرق مديرية تريم (بمحافظة حضرموت، جنوب شرقي اليمن)، للوصول إلى مقر عمله بالدوائر الحكومية بوسط مدينة سيئون عاصمة وادي حضرموت. يحتاج لهذا المشوار الذي يقطعه يوميًّا حوالي 10 لترات من مادة البترول لسيارته كما يقول في حديثه لـ"خيوط"، والتي تكلفه يوميًّا حوالي 6000 ريال يمني بإجمالي مبلغ شهري 150000 ريال يمني.

وتشكل أجور المواصلات عبئًا كبيرًا يعاني منها أكثر من 18000 موظف ومتعاقد بالمكاتب والمؤسسات والهيئات الحكومية بوادي وصحراء حضرموت لا تتجاوز رواتب معظمهم 60000 ريال يمني، في ظل ارتفاع متزايد في أسعار الوقود وتدهور الوضع المعيشي بشكل عام، جراء الحرب الدائرة في اليمن منذ ما يزيد عن ست سنوات.

يحاول "بن ساحب" أن يجد حلولًا لمشكلة المواصلات للانتقال إلى مقرّ عمله؛ ففي بعض الأحيان يتنقل عابرًا الطريق بالأقدام، للوصول إلى مقر عمله، وتارة أخرى يشتغل بسيارته الأجرة لنقل المارّة إلى مدينة المكلا لكي يوفر تكاليف بنزين السيارة، في حين يستعين الكثير من زملائه بوسائل النقل العامة والتي تكلف الواحد منهم ما بين (20000-15000) ألف ريال يمني شهريًّا، بما يعادل أكثر من ثلث الراتب الذي يحصل عليه الموظف الواحد منهم.

إيقاف التسويات والزيادات 

بالرغم من الارتفاع المتزايد في تكاليف الحياة المعيشية مع غلاء الوقود وارتفاع أسعار السلع والمواد الغذائية، إلا راتب الموظف المدني في اليمن ظلّ ثابتًا بدون أن يطرأ عليه أي تحسن حقيقي ملموس، مع إيقاف مختلف العلاوات والتسويات السنوية للموظفين منذ نحو تسع سنوات في ظل مطالبات مستمرة بإعادة العمل بهذا النظام الوظيفي في القطاع العام، نظرًا لتوسع الأزمة المعيشية التي يعتبر الموظفين المدنيين أبرز من يكتوي بنارها.

لتلافي تبعات هذه الأزمات السعرية، حاولت السلطات المحلية بحضرموت إيجاد الحلول المناسبة للتخفيف من وطأتها عن طريق تقديم الدعم المباشر لمواصلات الطلاب، وصرف "إكراميات" لموظفي الدولة، وهي حلول تفتقد الاستدامة ولم تحقق الهدف المرجوّ منها

يقول مدير إدارة الأجور بمكتب الخدمة المدنية والتأمينات بحضرموت جميل السمين لـ"خيوط"، إن الموظفين بسبب هذا القرار فقدوا ما يقارب 7200 ريال يمني زيادة مقدرة في الراتب الشهري للدرجة الأدنى بالسلّم الوظيفي للأجور و36000 ريال يمني في الراتب الشهري للدرجة الأعلى من السلّم الوظيفي باحتساب توقف العلاوات السنوية لـ9 أعوام متتالية.

وأعادت الحكومة المعترف بها دوليًّا في العام 2017، صرف رواتب الموظفين المدنيين في المناطق الواقعة تحت سيطرتها مثل حضرموت؛ بينما يعيش الغالبية العظمى من الموظفين في العاصمة صنعاء ومناطق شمال اليمن الواقعة تحت نفوذ أنصار الله (الحوثيين) بدون رواتب للعام الخامس على التوالي، بعد توقف عملية صرفها إثر قرار الحكومة المعترف بها دوليًّا، بنقل إدارة عمليات البنك المركزي اليمني من صنعاء إلى عدن التي اتخذت منها عاصمة مؤقتة لها نهاية العام 2016.

غلاء الوقود

تشهد أسعار الوقود في محافظة حضرموت كغيرها من المحافظات اليمنية ارتفاعات متواصلة منذ منتصف العام الماضي، إذ قفز اللتر الواحد من البنزين من 200 ريال في أبريل/ نيسان من العام 2020 إلى 370 ريال في شهر فبراير/ شباط من العام الحالي 2021%.

كما استمرت الأسعار بالارتفاع بموجب قرار صادر عن شركة النفط في محافظة حضرموت ليصل اللتر الواحد من البنزين في المحطات العامة التابعة للشركة إلى 600 ريال، بنسبة زيادة تقدر بنحو 300، وذلك في شهر يوليو/ حزيران من العام الجاري، فيما يبلغ السعر التجاري للتر الواحد من البنزين 750 ريال.

وعزت الشركة هذه الزيادة في أسعار الوقود إلى التدهور المتسارع الحاصل في سعر صرف الريال اليمني أمام العملات الأجنبية، وهو ما دفع مستوردو المشتقات النفطية للمطالبة بأن يكون البيع بالدولار الأمريكي بدلًا من الريال اليمني إلى أن يستقر سعر الصرف، في حين تشكو الشركة من عدم قدرتها على الاستيراد المباشر لانعدام السيولة المالية لديها.

تدمير ممنهج لقطاع النقل

لتلافي تبعات هذه الأزمات السعرية، حاولت السلطات المحلية بحضرموت إيجاد الحلول المناسبة للتخفيف من وطأتها عن طريق تقديم الدعم المباشر لمواصلات الطلاب، وصرف "إكراميات" لموظفي الدولة، وهي حلول تفتقد الاستدامة ولم تحقق الهدف المرجوّ منها، وذلك بسبب التذبذب في أسعار المشتقات النفطية من جانب، ومن جانب آخر عدم القدرة على إلزام مالكي سيارات النقل بتسعيرة محددة، وخضوعها للعرض والطلب.

وتتعرض مؤسسات النقل العام للتدمير الممنهج منذ سنوات، لصالح القطاع التجاري الخاص المستفيد من هذا التدمير الحاصل، بداية بإيقاف الدعم الحكومي لقطاع النقل العام، مرورًا بقانون النقل البري رقم (33) للعام 2003، والذي تنص المادة الثالثة عشرة منه: "تتولى الوزارة تنظيم خدمات النقل البري على أساس المنافسة الحرة من خلال الترخيص لجهة/ جهات النقل بمزاولة أنشطة النقل البري المختلفة"، وهو ما ترك الباب مفتوحًا على مصراعيه لدخول الاستثمارات المختلفة في هذا القطاع وجعل مهمة الوزارة فقط إشرافية تتمثل بإصدار التراخيص وتنظيم المواقف وغيرها.

وانتهاءً بالقرار الجمهوري رقم (291) لسنة 2008، القاضي بإنشاء الهيئة العامة لتنظيم شؤون النقل البري، والذي حُلَّت بموجبه المؤسسة المحلية للنقل البري، والتي تتواجد في كلٍّ من عدن وحضرموت وصنعاء.

يلفت سالم السبايا نائب مدير التشغيل السابق في المؤسسة المحلية للنقل البري، في حديثه لـ"خيوط" إلى التجربة الناجحة للمؤسسة التي امتلكت أسطولَ نقلٍ برّيّ متكامل، يبدأ من سيارات النقل الصغير (لاندروفر) وشاحنات النقل التجاري (النيسان والفيات) وحافلات النقل الجماعي للركاب من الشركة الهندية ((TAT، إضافة إلى ما كان يمتلكه فرع المؤسسة بوادي حضرموت، وذلك نحو 16 حافلة لنقل الركاب ينتقل عبرها ما يقارب (350) موظفًا من المناطق المختلفة بوادي حضرموت بما نسبته في تلك الفترة (قبل العام 1990) 50% من إجمالي الموظفين بالقطاع الحكومي، بالإضافة إلى نقل الطلاب.

كما كانت هذه الحافلات تقدم خدمة النقل الداخلي بين مراكز المدن الرئيسية في فترات الدوام الرسمي، بتخفيض يصل إلى نصف المبلغ بالنسبة للمواصلات الخاصة. وهي تجارب مهمة وفق حديثه، يجب استلهامها والاستفادة منها لإعادة تأهيل وتطوير هذا القطاع بما ينعكس على تخفيف تكاليف المواصلات على المواطنين في المحافظة.

ويؤكد أن المؤسسة لو ظلت قائمة أو تم العمل على إعادة إحيائها بالتدريج ستستطيع الجهات الحكومية العامة المختصة تقديم دعمها بطريقة مستدامة وأكثر منفعة للجميع.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English