"ختان الإناث" في اليمن

صراخٌ غير مسموع
مطهر الخضمي
December 6, 2020

"ختان الإناث" في اليمن

صراخٌ غير مسموع
مطهر الخضمي
December 6, 2020

في ظهر يوم عادي من أيام يوليو/ تموز 2020، كانت هديل (17 سنة)، على وشك الانتهاء من تحضير "كيكة الأناناس" التي أعدّتها على شرف جارة جديدة، كانت قد أخبرتهم أنها ستقيم حفلة في مساء ذلك اليوم لابنتها "إنتصار"، ذات الثماني سنوات. 

    من نافذة المطبخ، كانت الشمس تنحدر إلى الزوال، فيما كانت الألواحُ الشمسية تَبْرُقُ في هالاتٍ نجمية على سطوح منازل حي "السنينة" (غرب صنعاء)، الطقس كان أكثر صفاءً، وكل شيء بدا لـ"هديل" أليفًا ومسالمًا، لولا أن شيئًا أثار توجُّسها في اللحظة ذاتها، صرخات حادة تأتي من جهة الشقة الملاصقة لشقتها.

    انتاب هديل القَـلقُ أن يكون أيٌّ من أبناء جارتها الجديدة قد تأذَّى أو أصيب بمكروه، لكن بمجرد أن دخلت من باب شقة جارتها، وجدت طفلةً ممددة في وضعيةٍ جانبية تمسك بكلتا يديها على أسفل جذعها، وفي عينيها المليئتين بالدموع كثير من الفزع والنقمة، بينما تحاول والدتها تهدئتها وإغرائها بالسكاكر والشكولاتة، وتذكيرها أنها ستقيم لها حفلة عامرة بالطيبات، قبل أن تنتبه لنظرات الفضول والشفقة في عيني هديل، وتبادر موضحةً: "ما فيش حاجة يا بنتي، احنا ختنّا لإنتصار، شوية وتهدأ طبيعي، هكذا أخبرتني الممرضة قبل قليل"، قالت أم إنتصار.

تقول هديل في حديثٍ لـ"خيوط": "كنت أعتقد أنها ستقيم حفلة عيد ميلاد أو شيءٍ شبيه بهذا، كانت تلك المرة الأولى التي أسمع فيها أن البنات يُختنَّ كالأولاد الذكور! ترددتُ لبرهة في سؤال الخالة مناهل (والدة انتصار)، وأضمرت أن أبحث عن الموضوع في الإنترنت، لكني لم أقاوم فضولي في معرفة ما بدا لي حينها لغزًا وجوديًّا".

    بحسب هديل، فإن السيدة مناهل أخبرتها أن ذلك أمر طبيعي، خصوصًا في بعض الحالات (دون أن تسمي حالات الاستثناء تلك)، "لكن ما صدمني أكثر أنها (والدة إنتصار) أيضًا قد خُتنتْ في طفولتها بالطريقة ذاتها"، تضيف هديل لـ"خيوط".

لا تنفي السيدة مناهل التي سبق أن مرت بتجربة الختان في طفولتها، أن ختان الأنثى غير جيد، لكنها تبرر ذلك قائلة: "نحن تشردنا من بلادنا، وجئنا نازحين إلى هنا، وأنا أخاف على بناتي"

    استغرق الأمر بعض الوقت حتى تسنَّى، بمساعدة هديل، إجراء لقاء مع السيدة مناهل.ع، كانت سيدةً في بداية الأربعينيات من العمر، حديثُها وقسمات وجهها يوحيان بامرأة رصينة ومتدينة، تعيش الآن بمعية أبنائها الثلاثة في حي "السنينة" بصنعاء، منذ سنتين وبضعة أشهر، قادمين من مدينة الحديدة التي تركوها هربًا من جحيم الحرب بداية سنة 2018، أما زوجها الذي كان قبل الحرب يعمل في مخبز بحي 7 يوليو في الحديدة، فقد توفي نتيجة فشل في الرئة قبل 4 سنوات، وترك زوجة و3 أبناء، أكبرهم سنًّا عبدالوهاب (19 سنة)، وهو من يُعيل والدته وأختيه سهى وإنتصار، من خلال عمله في محلٍ لبيع شرائح البطاطا المقلية (الشبس)، دون أن يكمل تعليمه الجامعي. على نحوٍ لا يخلو من المفارقة، لا تنفي السيدة مناهل، التي سبق أن مرت بتجربة الختان في طفولتها، أن ختان الأنثى غير جيد، لكنها تبرر: "نحن تشردنا من بلادنا، وجئنا نازحين إلى هنا، وأنا أخاف على بناتي، خصوصًا أن أباهن قد تُوفي، وأنا لا أدري متى سيوافيني الأجل". وتردف: "بعض الشر أهون من بعض".

    وتضيف: "في أيام طفولتي كان ختان الإناث شائعًا وطبيعيًّا، وكنت أنا من البنات اللاتي خُتنّ بطريقة التكميد"، وتستطرد مناهل: "كنت أظن أنني لن أضطر إلى فعل الشيء نفسه مع ابنتي، لكنَّ وضعنا الاجتماعي والمادي يُحَتِّمُ عليّ فعل ذلك"، وتختم مناهل حديثها قائلةً: "ما عانيناه خلال هذه الأعوام، جعلني أعيد النظر، وقررت أن أختن لابنتي الصغرى، كونها ما تزال صغيرة وتتصرف بطيش يثير مخاوفي، بعكس شقيقتها الكبرى سهى، التي لم أعد أخشى عليها، فهي سوف تتزوج من ابن خالها بعد أشهر، ريثما يعود من السعودية، حيث يعمل".

موروث يثقل كاهل الفتيات

    لم يكن صراخ الطفلة "حلا" ذات الأربعة أشهر، أقل حدّة من صراخ "هديل"، غير أنها أقل إدراكًا لعملية الختان التي خضعت لها على يد "داية" شعبية (امرأة تقوم بعملية الختان)، في مدينة بيت الفقيه بالحديدة، بعد إصرار والدتها، لأسباب تجانب الصواب كليًّا؛ إذ تبرر أن الفتاة التي لا تخضع للختان تصبح "نجسة" ولا تكون صلواتها مقبولة.

    تضيف م.ي (38 سنة)، في حديثٍ لـ"خيوط": "النساء هنا كلهن مختونات؛ لأنه تطهير من النجاسة، ويساعد في تخفيف شهوتها الجنسية، كما يحافظ عليها من الوقوع في الخطيئة، مشيرةً أن المجتمع من حولها يمارس الختان على جميع الفتيات، حتى هي خضعت له منذ وقت مبكر، أي بعد شهور من ولادتها، حد قولها.

    وتمارس عادة تشويه العضو التناسلي الأنثوي في عدد من المحافظات اليمنية، خصوصًا الساحلية، تحت مسوغات اجتماعية، ثقافية، ودينية عديدة، أبرزها بحسب الحقوقية إنتصار شاكر، طهارة الفتاة والحفاظ على عفتها، وكبح جماحها الجنسي، بالإضافة إلى الاعتقاد الديني، والعادات والتقاليد المتوارثة في المجتمع.

    وبيّن مسح وطني نفذته وزارة الصحة والسكان بالتعاون مع الجهاز المركزي للإحصاء في سنة 2013، أن "ختان الإناث" يتباين بحسب المحافظات، لكنه أكثر شيوعًا في محافظات الحديدة وحضرموت والمهرة، وهي المحافظات التي تصل نسبة ختان الإناث فيها إلى أكثر من 60%، إذ يتم الختان في مرحلة مبكرة من عمر الطفلة.

    وكشف المسح الذي شمل 20 ألف أسرة يمنية، أن 19% من النساء اليمنيات اللواتي تتراوح أعمارهن بين (15-49 سنة) تعرضن لعملية تشويه العضو التناسلي الأنثوي، وأن نسبة 84% من اللاتي تعرضن للختان أشرن أنهن خضعن للختان في الأسبوع الأول للولادة، فيما 11% خضعن للختان ما بين الأسبوع الأول وحتى العام الأول.

   من جانبه، يقول عبدالسلام الدروبي، مستشار وزارة حقوق الإنسان بصنعاء، إن ختان الإناث يمارس في الغالب في المناطق الريفية في بعض المحافظات الساحلية والجنوبية الحارة، حيث يتفشّى الجهل ويتدنّى مستوى التعليم ومستوى الوعي الصحي لدى الأهالي بخطورة هذه العادة.

    ويضيف في حديثه لـ"خيوط"، أن الفهم الخاطئ للموروث الثقافي والموروث الديني، ساهم كثيرًا في استمرار "ختان الإناث" حتى اليوم. وهو الأمر الذي يؤكده محمد عادل، طالب علم شرعي، إذ يقول، إن الآراء الدينية حول ختان الإناث تباينت لعدم وجود نصوص قرآنية صريحة تؤيد ذلك.

    ويردف، تعليقًا على الحديث النبوي -"لا تُنْهِكِي فَإِنَّ ذَلِكَ أَحْظَى لِلْمَرْأَةِ وَأَحَبُّ إِلَى الْبَعْلِ"- الذي يستند إليه البعض لتبرير ممارسة الختان: "هذا الحديث يدل على النهي من الإنهاك الذي يعود سلبًا على صحة المرأة الجسدية والنفسية وعلاقتها بزوجها، وهو بمثابة نهي عن ممارسته ما دام يسبب أضرارًا صحية".

معاناة فاقمتها الحرب

    بالرغم من الجهود التي بذلتها المنظمات الدولية والمحلية بالشراكة مع الجهات الحكومية من أجل القضاء على ختان الإناث في اليمن خلال العقدين الماضيين، إلا أن الحرب الدائرة منذ ما يقارب ست سنوات بين جماعة أنصار الله (الحوثيين) وقوات الحكومة المعترف بها دوليًّا، أفضت إلى توقف كل الأنشطة التي تهدف إلى الحد من ظاهرة ختان الإناث، بل وساعدت في تنامي الظاهرة في بعض المناطق الريفية، حد قول فتحية عبدالله، رئيسة اتحاد نساء اليمن (منظمة غير حكومية).

    وتضيف في حديث لـ"خيوط"، أن اتحاد نساء اليمن عمل مع شركائه الدوليين والمحليين من أجل مكافحة ختان الإناث في كل المحافظات اليمنية، خصوصًا التي ينتشر فيها بشكل أكبر، ولكن منذ سنة 2014، توقفت كل البرامج والأنشطة والمشاريع المعنية بهذا الموضوع، واتجهت كل الجهود نحو العمل على خطط الاستجابة الطارئة وبرامج الحماية والتمكين الاقتصادي للمرأة.

    وتوضّح، فتحية عبدالله، أنه لا توجد أي إحصائيات أو دراسات حديثة حول ظاهرة ختان الإناث باليمن، غير أنها نشطت بشكل ملحوظ في العاصمة صنعاء خلال الست السنوات الماضية، نتيجة للظروف التي خلفتها الحرب ونزوح آلاف السكان من المحافظات المجاورة إليها، مشيرةً في الوقت ذاته، أن هذه الظاهرة ما زالت تتركّز بشكل أكبر في الأرياف والمناطق النائية الساحلية، بينما باتت في المدن شبه منعدمة، حد قولها. 

    الدكتورة أفراح الأديمي، أخصائية برامج الصحة الإنجابية بمكتب صندوق الأمم المتحدة للسكان في اليمن، تتحدث عن قضية ختان الإناث في اليمن، بالقول إن هذه الممارسة منتشرة بكثافة في مناطق اليمن الساحلية مثل الحديدة، وعدن، وحضرموت، مشيرةً إلى توقف برامج التوعية بشأن مضار هذه الممارسة، بسبب اندلاع الحرب وتحولها إلى برامج وخدمات إنقاذ الحياة، وخدمات الطوارئ التوليدية ومنع العنف الذي يمكن أن تتعرض له المرأة، سواء كان العنف الجنسي أو العنف بسبب الانتقال من مكان لآخر.

عنف مستمر

    في السياق، تقول الحقوقية لمياء الإرياني، الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للأمومة والطفولة، ورئيس منظمة مدرسة السلام، إن ختان الإناث "صورة من صور العنف ضد الفتيات وفيه انتهاك لحقهن في حياة صحية سليمة، ويترك آثارًا سلبية والكثير من الخوف والرعب في ذاكرة الفتيات تجاه الحالة نفسها والأهل".

    وتضيف الإرياني في حديثٍ لـ"خيوط"، أن عادة تشويه الأعضاء التناسلية للإناث، تعتبر انتهاكًا لحقوق الفتيات وتتسبب في حالات عديدة، بتأثيرات نفسية سيئة في اللاوعي لديهن، مشيرةً إلى ضرورة الحد من استمرار هذه الظاهرة من خلال التوعية والتثقيف وتعديل التشريعات والقوانين الوطنية، بحيث يتم تجريم ممارستها.

    وبالرغم من القرار رقم 1/3 الصادر عن وزير الصحة والسكان، عام 2005، الذي نص على أنه "يمنع منعًا باتًّا القيام بعملية ختان الإناث من جميع العاملين في الخدمات الصحية العامة والخاصة"، إلا أنها ما تزال تمارس في عدّة مناطق عبر الدايات الشعبيات أو الأقارب، وهو ما يشكل خطرًا على الفتيات.

    في رسالته، بمناسبة اليوم الدولي لعدم التسامح مطلقًا إزاء تشويه الأعضاء التناسلية للإناث، الذي يتم إحياؤه سنويًّا في 6 فبراير/ شباط، قال الأمين العام للأمم المتحدة غوتيريش، إن تشويه الأعضاء التناسلية للإناث هو مظهر صارخ لعدم المساواة بين الجنسين، الراسخ بعمق في الهياكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، مشيرًا إلى أنه يمثل أيضًا انتهاكًا لحقوق الإنسان، وشكلًا من أشكال العنف الشديد ضد الفتيات.

أضرار صحية ونفسية

    في هذا السياق، تقول الدكتورة أمل البشيري، أخصائية نساء وولادة، إن هناك العديد من المخاطر التي تعاني منها المرأة بسبب الختان، تتمثل في النزيف والألم الشديد الناتج عن إجراء العمليات بدون تخدير، ما يسبب التهاب فتحة البول وتسمم الدم أحيانًا، وتفاقم وضعها الصحي على المدى الطويل، كما تضاعف معاناتها أثناء الحمل.

    وتضيف البشيري في حديث لـ"خيوط"، أن المخاطر النفسية أيضًا، لا تقل تأثيرًا عن المخاطر الجسدية، إذ تظل الفتاة تشعر بالإحساس بالنقص كلما تذكرت التشويه التي تعرضت له أعضاؤها التناسلية، بالإضافة إلى البرود الجنسي الذي يؤثر على علاقتها مع الزوج أثناء المعاشرة.

    إلى ذلك، لا يخفي ص.الشرعبي (32 سنة)، تعكّر علاقته بزوجته، التي تعرضت للختان في طفولتها، إذ يؤكد أن برودها الجنسي ونفورها من العلاقة الجنسية، يدفعه للتفكير بالزواج بأخرى ممن ولدن بعد توقف الأهالي عن ممارسة عادة ختان الإناث، في معظم مناطق الحجرية بمحافظة تعز.

    ويشير تشويه الأعضاء التناسلية للإناث بحسب صندوق الأمم المتحدة للسكان، لكل الإجراءات التي تشمل البتر الجزئي أو الكلي للأعضاء التناسلية الخارجية للإناث، أو غيرها من الإصابات الأخرى للأعضاء التناسلية للإناث لدواعٍ غير طبية. وتختلف أنواعه من دولة إلى أخرى، حيث يعتبر النوع الأول: الإزالة الجزئية أو الكلية للبظر، والنوع الثاني: الإزالة الجزئية أو الكلية للبظر والشفرين الصغيرين، هما النوعان الأكثر انتشارًا في اليمن.

    في حين توضح الحقوقية إنتصار شاكر، أن هناك نوعًا آخر يسمى الختان بـ"التكميد"، وينتشر في بعض المناطق الجبلية، إذ تقوم "الداية" أو إحدى أقارب المولودة، بتبليل قطعة قماشية بماء دافئ، ومن ثم وضعها على المناطق الحساسة للعضو التناسلي الأنثوي للطفلة، وتكرار العملية لأكثر من أربعين يومًا، ما يؤدي إلى تضرر أو موت الخلايا، خصوصًا الخلايا العصبية الحساسة على البظر.


•••
مطهر الخضمي

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English