11 فبراير 2011

الربيع العربي لم يمت
عبدالباري طاهر
February 10, 2021

11 فبراير 2011

الربيع العربي لم يمت
عبدالباري طاهر
February 10, 2021

مرت الاحتجاجات المدنية السلمية في اليمن بمراحل، واختلفت أسبابها من منطقة لأخرى؛ ففي حضرموت كانت البداية عام 2009، حين أراد نظام صالح المنتصر في حرب 1994، تقسيم حضرموت إلى محافظتين بهدف إضعافها. تصدى الحضارم بالمظاهرات السلمية الرافضة لتقسيم حضرموت وسميت الهبة الأولى في عدن، وفي العام 1997، وبعد حرب 1994، أحال صالح العشرات والمئات بل والآلاف من جيش الجنوب إلى التقاعد وبدون تسوية أوضاعهم، فنزلوا الشوارع مطالبين بحقوقهم، كانت تعز هي المحطة الثالثة، ففي حين عقدت منظمة الحزب هنا مؤتمرها جاء عضو المنظمة أيوب الصالحي يدعو المجتمعين للخروج إلى الشارع تأييدًا للثورة المصرية، فلم يستجب له واستمر الاجتماع.

تحرك الصالحي بسيارته ومعه مايكرفون يدعو الشارع للتظاهر، فكان بدء الاحتجاج الذي تواصل في صنعاء وتحديدًا في العاشر من فبراير 2011. ضم مقيل منتدى الجاوي العديد من الناشطين والشباب ودار الحوار حول الأوضاع العامة والأزمة الشاملة التي وصل إلهيا الحكم والمعارضة معًا، والانتفاضة في تونس ومصر، وفي نهاية المقيل تحرك الناشط أحمد سيف حاشد ومعه عدد قليل من الشباب، منهم عزب العرب وميزر الجنيد وهاني الجنيد وعبدالرحمن الضباب إلى منزل توكل كرمان، وتناقشوا واتفقوا على التظاهر تحت شعار "الشعب يريد إسقاط النظام".

في صنعاء ولعدة أشهر كانت هناك وقفات احتجاج أسبوعية أمام مجلس الوزراء، وكانت هذه الوقفات الاحتجاجية من أهم روافد ثورة الربيع العربي

صبيحة الحادي عشر من فبراير، تجمع الشباب في مقر نقابة الصحفيين في القاع، وبدأت المسيرة باتجاه السفارة المصرية للتبريك بنجاح ثورة الـ25 من يناير 2011، تصدى "البلاطجة" وبعض من قوات الأمن للمتظاهرين وجرى محاصرتهم والاعتداء عليهم بالضرب، وفي مقدمتهم توكل كرمان وأحمد سيف حاشد، في اليوم التالي تواصلت المسيرة باتجاه السفارة التونسية مهنئة بنجاح الثورة.

في صنعاء ولعدة أشهر كانت هناك وقفات احتجاج أسبوعية أمام مجلس الوزراء، وكانت هذه الوقفات الاحتجاجية من أهم روافد ثورة الربيع العربي. 

وفي صنعاء كان اكتمال فجر الاحتجاجات، لتمركز الظلم والفساد والاستبداد فيها، فبعد حرب 94 وانتصار صالح وجيشه ذي الطبيعة القبلية وميليشيات الإسلام السياسي وقبائل الأحمر ضد الجنوب، أصبحت اليمن، شمالًا وجنوبًا، تخضع لطغيان علي عبدالله صالح وفساد نظامه واستبداده، وكانت معارضة الحكم أحزاب اللقاء المشترك هي الوجه الآخر للحكم وجلها أحزاب حاكمة خرجت أو أخرجت من الحكم، وكل ما تريده هو العودة إليه وهي -أي المعارضة الخارجة من رحم السلطة- لا تقترب من المطالب الشعبية إلا بمقدار الرغبة في توظيفها للابتزاز والحصول على حصة من الكعكة، وكان صالح يتعامل معها باستهانة واستخفاف، عندما وجهت الدعوة لقادة الاحتجاجات السلمية للاحتفاء بالذكرى العاشرة والتوثيق للثورة؛ كانت الردود قاسية حد الإساءة، إما للشخص أو لقادة الاحتجاجات أو ضد الربيع أو حالة استياء مما وصلت إليه البلد المحروب، وتحميل ثورة الربيع المسؤولية. 

مهما يكن فإن الربيع العربي في المنطقة العربية كلها لم يمت، أحرز الانتصار في تونس وما زال يواجه تحديات وصعوبات اقتصادية اجتماعية وسياسية كبيرة. وفي الجزائر رغم الخلاص من العهدة الخامسة بوتفليقة إلا أن تركته في الجيش والإدارة ما زالت حاضرة بمستوى، والمقاومة السلمية قوية. أما في مصر فقد جرى تغييب الاحتجاجات وعسكرتها، ولكن للشعب المصري العظيم طرائقه البديعة في الاستيقاظ، وتشهد لبنان والسودان والعراق تصاعد الاحتجاجات واتساع نطاقها؛ ففي السودان، بلد الانتفاضة، منذ منتصف القرن الماضي تمكن شباب التجمع المهني وجماعة إعلان الحرية والتغيير من التطويح بتحالف الإسلام السياسي والعسكر، ولكن عسكر البشير ابتعدوا عنه وانقلبوا عليه، وكان الجنجويد ميليشيات مسلحة برئاسة حميدتي أقرب رجالات البشير وذراعيه القوية، هو وقائد الجيش عبدالفتاح البرهان، هما من قاد الانقلاب وقدما بعض التنازلات للحياة السياسية وللقوى المدنية، وحققا مصالحة مع الحركات المسلحة بالتعاون مع الحكومة الانقلابية لكن الثورة الانتفاضة ما تزال البديل المنتظر لتحالف المعسكر والانتقالي. وفي العراق ورغم الحصار المفروض وتغول الميليشيات الشيعية الكاثرة وتزايد المنظمات الإرهابية الدولة الإسلامية ومفرداتها، والتواطؤ الأمريكي الإيراني التركي إلا أن الاحتجاجات السلمية قد أطاحت برئيس الوزراء الموالي للمنظمات الشيعية عبدالمهدي، ولا تزال قوة احتجاج شعبي في غير مدينة، رغم ضراوة القمع والتقتيل، ويبقى استعادة العراق عافيته واستقلاله بالخلاص من القواعد الأمريكية والنفوذ الإيراني والتدخل التركي وأعمال الإرهاب التي تقوم بها المنظمات الإرهابية الدولة الإسلامية ومفرداتها الكريهة، هي هدف وغاية الانتفاضة في العراق. في لبنان تسيد النظام الطائفي الحزبي منذ الاستقلال 19، وتمكّنت أسر بعينها من الموارنة والدروز والسنة والشيعة اقتسام الحكم، وصاغت فرنسا، دولة الحماية، الدستور، والنظام القائم على التوازن الطائفي داخليًّا ينسج علاقات مرنة ومتوازنة مع محيطه العربي. اختل التوازن بعد هزيمة 67 ونزوح مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى لبنان، وبعد أحداث أيلول الأسود عام 1970، في الأردن انتقلت قيادات وقواعد المنظمات الفلسطينية من الأردن إلى لبنان، زعماء الطوائف اللبنانية المتمسكون بالصيغة التي ورثوها من فرنسا ظلوا محافظين على الصيغة الطائفية رغم الخلافات الشديدة ووجود تبدلات في الزعامات ومواقع الأحزاب. 

في العام 1975، حصل صدام بين ميليشيات حزب الكتائب وبين مناضلين فلسطينيين، ودارات مواجهات عسكرية لغير صالح الكتائب؛ مما دفع بسوريا إلى التدخل لحماية الكتائب، بتوافق أمريكي وسماح إسرائيلي، التدخل حمى الصيغة اللبنانية المتوافق عليها عربيًّا ودوليًّا، مع ميل محدود لنشاط المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية. 

الاجتياح الإسرائيلي للبنان مدعومًا من قوات الانتشار السريع الأمريكي وقوات المارنز، خلق وضعًا جديدًا في لبنان، لم يكن اللبنانيون مرتاحين للسيطرة السورية وبعض الممارسات الخاطئة للقيادات الفلسطينية؛ برز نفوذ حزب الله كانشقاق من أمل المنظمة الشيعية القريبة من سوريا، حل حزب الله في زمن قياسي محل الحركة الوطنية الفلسطينية والوجود الفلسطيني، مدعومًا من سوريا ومواليًا لإيران، هناك ترابط عميق بين ثورة الربيع العربي وعسكرة الانتفاضة والتدخل العسكري التركي والأمريكي والأردني والإسرائيلي، إما مباشرة أو بواسطة المنظمات الإرهابية المتعددة الأسماء والممولة من السعودية وبعض دول الخليج، وانضمت إيران وحزب الله وروسيا إلى النظام، وكان الضحية ثورة الربيع في سوريا التي استمرت أكثر من ستة أشهر تسيطر على الأرياف وتجتاح المدن، مطالبة بإسقاط النظام وكان الربيع في لبنان المتأخر هو الأقوى والأوسع داعيًا للخلاص من كل الرموز الطوائفية، ولا تزال الثورة مشتعلة. ليبيا مثال آخر للتدخل العربي والأوروبي لقمع القذافي وعسكرة الثورة حتى اليوم، أدى التدخل التركي والمصري والإماراتي والمرتزقة الإسلاميين والروس إلى فرض الحرب على الليبيين وعسكرة الحياة برمتها، وتجزئة ليبيا. فلسطين احتلت المرتبة الثانية بعد السودان من ناحية قدم انتفاضتها عام 64، انتفاضة أكتوبر الشهيرة، التي أطاحت بالدكتاتور إبراهيم عبود وضد النميري عام 1985، ثم أخيرًا ضد البشير عام 2019، فإن أشهر انتفاضتين في كفاح الشعب الفلسطيني هي الانتفاضة الأولى ثورة الحجارة 1987، التي عجز الجيش الإسرائيلي عن قمعها بعد مواجهات استمرت سبعة أعوام، وقد حققت عودة القيادة الفلسطينية للداخل الفلسطيني والاعتراف المتبادل والقبول بالتفاوض مع ممثلي الشعب الفلسطيني، أما الانتفاضة الثانية 2000 فقد استمرت قرابة خمسة أعوام وانتهت بالعسكرة التي انجر إليها أبو عمار وحماس ولا تزال الانتفاضة أفقًا مفتوحًا، أمام الشعب الفلسطيني وهو الاحتمال الأكبر وهناك مسيرات فلسطينية عديدة آخرها مسيرة العودة الكبرى لمدة تقترب من عامين، ولكن المواجهات العسكرية في غزة والصراع الفلسطيني غطى عليها.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English