منجم الفلاحين المُهمَل في اليمن

ثروة طالها الانحسار، وتحاصرها الصعوبات
وفاء محمد
January 31, 2024

منجم الفلاحين المُهمَل في اليمن

ثروة طالها الانحسار، وتحاصرها الصعوبات
وفاء محمد
January 31, 2024
.

يخسر الكثير من الفلاحين والعاملين بتربية المواشي في اليمن، مئات الرؤوس من القطعان التي يقومون بتربيتها، ويتكرر هذا الأمر من وقت لآخر، دون أن يقوموا بوضع الحلول المناسبة، لتفادي تكرار الخسائر الكبيرة التي يتعرضون لها؛ وذلك لجهلهم بطرق الاهتمام والعناية بالمواشي وفق الطرق العلمية، فضلًا عن عدم وجود عدد كافٍ من مراكز الإرشاد والعيادات البيطرية، التي تتولى إرشادهم لطرق زيادة إنتاجهم، وتقليل الخسائر.

تعدُّ الضأن والماعز والأبقار والإبل، أبرز مصادر الثروة الحيوانية في اليمن، ويتم الاعتماد غالبًا في إطعامها، على المراعي المختلفة، وكذلك الأعلاف الخضراء، أو مخلفات الصناعة كعصارة السمسم، أو الأعلاف من مخلفات الزراعة الخشنة.

ومع أنه، ومنذ اندلاع الحرب والصراع في اليمن بالعام 2015، لا توجد متابعة مستمرة لمستوى زيادة الإنتاج من الثروة الحيوانية، فإنّ المؤشرات التي تحدثت عنها إدارة الإحصاء والمعلومات الزراعية في وزارة الزراعة اليمنية، أكّدت وجود تراجع لافت، بالتزامن مع تدهور الوضع الاقتصادي، وتوسع نسبة الفقر التي تجاوزت 80%.

تقدر بيانات زراعية رسمية حجمَ الثروة الحيوانية في اليمن، بنحو 20 مليون رأس؛ منها 9 ملايين و600 ألف رأس من الأغنام، وحوالي 9 ملايين و100 ألف رأس ماعز، إلى جانب مليون و250 ألف رأس من الأبقار، و390 رأس من الجِمال، إذ توضح البيانات تراجعًا ملحوظًا في حجم الثروة الحيوانية، مقارنة بحجمها قبل الحرب والصراع في البلاد، إذ كانت تقدر بأكثر من 35 مليون رأس، ما بين أغنام وماعز وأبقار وجِمال، إلى جانب الدواجن.

تسبّبت الحرب وتبعات الصراع في صعوبة الوصول إلى المراعي، إضافة إلى ما نتج عنها من استهداف مباشر وغير مباشر لهذه الثروة، فضلًا عن حقول الألغام في كثير من الأراضي التي كانت تشكّل مراعيَ خصبة تسهم في تربية وتكاثر المواشي، وكذلك تخلي كثيرٍ من الأسر عن هذه المهنة إما بسبب النزوح أو الخوف.

يأتي ذلك في ظلّ ما تشهده اليمن من أزمات إنسانية واقتصادية ومعيشية بفعل الصراع في البلاد، منذ العام 2015، الذي أدّى إلى تفاقم وتهاوي سبل العيش التقليدية التي كانت تتركز في المناطق الريفية، لأسباب متعددة كان لها تأثير على كافة مناحي الحياة وتغيير الأنماط الغذائية مع إهمال الأراضي الزراعية، وتراجع الاهتمام بتربية المواشي.

جهل وقلة دعم

يعتمد أغلب سكان المناطق الريفية، على وجه التحديد في اليمن، على الزراعة وتربية المواشي لمساعدتهم في التغلب على ظروف المعيشة الصعبة، التي تزداد يومًا بعد آخر، إلا أنهم في المقابل يتعرضون لخسائر كبيرة، حين تتعرض قطعانهم لأمراض مختلفة وتَنفُق بأعداد كبيرة.

يقول المزارع محمد عبدالله، الذي يعمل في تربية المواشي، لـ"خيوط"، إنه يجد صعوبة في الوصول إلى المراكز المتخصصة برعاية الحيوانات؛ كونه يعيش في منطقة نائية، ولا تتوفر لديه النقود بسهولة ليسافر إلى المختصين لاستشارتهم، أو طلب طبيب بيطري، وهذا حال كثير من العاملين في تربية المواشي.

يعاني سكان المناطق الريفية في اليمن، والعاملون في الزراعة وتربية المواشي، الكثيرَ من الصعوبات والتحديات؛ بسبب التغيرات المناخية والجفاف، وانعكاس ذلك على انحسار المراعي مع ارتفاع أسعار الأعلاف.

يعتقد عبدالله أنّ التخفيف من الخسائر التي يتعرضون لها، وعدم القدرة على الاهتمام بمواشيهم التي تعدّ أحد مصادر العيش الرئيسة للكثير من السكان في المناطق الريفية بمختلف محافظات اليمن، يحتاج إلى إقامة دورات تدريبية لهم، وعمل حملات ميدانية إلى مختلف المناطق، لتقديم اللقاحات اللازمة، والكشف عن بعض الأمراض وعلاجها، إلى جانب إنشاء مكاتب مختصة، في أماكن حيوية ليصلوا إليها بسهولة. 

تطوير الإنتاج والرعاية

يعتمد العاملون في تربية المواشي على حدسهم لتحديد سبب مرض وموت بعض المواشي التي يقومون بتربيتها؛ كونهم يجهلون غالبًا السبب والعلاج كذلك، فأقرب تفسير لهم هو تعرضها للدغة ثعبان أو تناولها نباتات سامة، ونحو ذلك، ولذلك إذا كان هناك عدوى فإنها تنتشر بين كل القطيع وتكون الخسائر كبيرة.

في السياق، يدعو الطبيب البيطري يزن الحمادي، في تصريح لـ"خيوط"، المزارعين والعاملين في تربية المواشي، إلى تطوير إنتاجهم من خلال اختيار السلالات الجيدة، وكذلك تنظيم عملية التكاثر باختيار الأب المناسب لعملية التلقيح، وكذلك عدم تلقيح الإناث ذات السن أو الحجم الصغير، بشكل عشوائي.

إضافة إلى ضرورة التغذية المناسبة للحصول على إنتاج جيد من الحليب واللحوم، والاهتمام بمسكن المواشي، وتنظيفها وتهويتها بشكل جيد، خاصة في فصل الصيف؛ كون ذلك يحمي المواشي من بعض الأمراض.

ويحث الحمادي كذلك على الانتظام بإعطاء الحيوانات جرعة مكافحة الطفيليات الداخلية والخارجية بشكل دوري، للحصول على فائدة من عملية تحويل الغذاء، ومِن ثَمّ زيادة الإنتاج.

وبخصوص تطعيم المواشي، يؤكّد الحمادي أنها تتم بطريقة بسيطة ومأمونة، وغالبًا ما تكون عن طريق الحقن، وهي فعّالة لحماية الحيوانات من الأمراض الضارة والمستوطنة في البلاد قبل التعرض لها، فهو من وسائل الدفاع الطبيعية لبناء القدرة على مقاومة بعض الأمراض، فضلًا عن دورها في تقوية المناعة.

كما أنّ هناك العديد من الأمراض الفيروسية المستوطنة في اليمن، التي يجب على المُربّي إعطاء مواشيه لقاحات مضادّة لها؛ لأنها تسبّب خسائر اقتصادية كبيرة، مثل طاعون المجترات الصغيرة، وجدري الأغنام والماعز، وكذا الحمى القلاعية في المواشي الصغيرة والأبقار، والتهاب الجلد العقدي في الأبقار.

وينوه في ختام حديثه بأنه غالبًا ما يتوفر في مكاتب الزراعة والري لقاحان فقط لطاعون المجترات الصغيرة وجدري الأغنام، أما بقية التطعيمات، كلقاح الحمى القلاعية، والكلستريدم، والتهاب الجلد العقدي، فكانت تباع تجاريًّا من قبل، لكنها معدومة في الوقت الراهن بسبب الظروف التي فرضتها الحرب.

منجم محاصر بالصعوبات

يزداد الوضع المعيشي في اليمن سوءًا يومًا بعد آخر، مع استمرار الصراع وتدهور مختلف الأوضاع، وتأثيرِ ذلك على سبل العيش في المناطق الريفية اليمنية التي تعتمد على الزراعة وتربية المواشي.

في الإطار، يؤكد المحلل الاقتصادي نبيل الشرعبي، أنّ الثروة الحيوانية -ليس في اليمن فحسب، بل في غالبية دول العالم- تمثل أحد روافد الاقتصاد، وكلما كان هذا النشاط منظمًا كانت إسهاماته أكبر. في اليمن، كانت الثروة الحيوانية تُشكّل مصدر دخل لحوالي 70% من الأُسَر الريفية، وتوفر فرص عمل لحوالي 30% من سكان الأرياف، وتمثّل ما نسبته 20% من مكون القطاع الزراعي والحيواني.

يواصل حديثه بالقول: "الاستثمار في هذا القطاع مهمّ وحيويّ، وعلى سبيل المثال استطاعت الدنمارك أن تغرق العالم وتحقّق مليارات الدولارات سنويًّا من عوائد الحليب ومشتقاته، مع أنها لا تملك سوى حوالي 555 ألف بقرة فقط، ولكن استمرارها والإدارة السليمة، جعلت هذا العدد يشبه مناجم الذهب".

وتسبّبت الحرب وتبعات الصراع في صعوبة الوصول إلى المراعي، إضافة إلى ما نتج عنها من استهداف مباشر وغير مباشر لهذه الثروة، فضلًا عن حقول الألغام في كثير من الأراضي التي كانت تشكّل مراعيَ خصبة تسهم في تربية وتكاثر المواشي، وكذلك تخلي كثير من الأُسَر عن هذه المهنة؛ إما بسبب النزوح أو الخوف، وظهور أوبئة فتاكة نالت من قطعان عديدة، في ظل غياب كليًّ لدور الجهات المعنية في التدخل للحدّ مما يجري، كما يضيف الشرعبي.

الجدير بالذكر أنّ بيانات زراعية، اطلعت عليها "خيوط"، تقدر حجم الإنتاج الحيواني في اليمن بحوالي 570 ألف طن سنويًّا، منها 209 أطنان من اللحوم الحمراء، و369 طنًّا من الألبان، إضافة إلى 187 ألف طن لحوم بيضاء.

•••
وفاء محمد

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English