وجه خفي لمآسي الحرب

تفاقم المشكلات الأسرية وانتشارها
رنا طاهر
December 21, 2022

وجه خفي لمآسي الحرب

تفاقم المشكلات الأسرية وانتشارها
رنا طاهر
December 21, 2022
الصورة ل : © حمزة مصطفى - خيوط

عمّقت الحرب الدائرة في اليمن منذ ثماني سنوات، من معاناة اليمنيين لتصل إلى عمق المجتمع وتتسبّب، مع استمرارها، بتمزيق أواصر العلاقات الأسرية وتفكّكها، جرّاء ما خلّفته من بطالة في أوساط الكثير من أرباب الأسر، ليجدوا أنفسهم بدون عمل في ظلّ أوضاع اقتصادية متدهورة، ممّا فاقم من الضغوطات النفسية والمشاكل الأسرية.

العشرينية داليا (اسم مستعار)، التي واجهت الكثير من المشكلات الأسرية، بسبب حالة البطالة التي يعيشها والدها منذ خمس سنوات، تشير في حديثها لـ"خيوط"، إلى أنّ والدها يعاني منذ أن توقّف عن عمله وانقطاع راتبه، من نوبات نفسية انعكست على توتير الأجواء في المنزل مع تفاقم الأزمات المعيشية التي عصفت بهذه الأسرة.

تلفت داليا إلى تزايد انفعالات والدها مع تأزم الوضع كثيرًا وتراكم الديون والإيجارات، خصوصًا عندما لا يقوم أحدٌ من أبنائه بتوفير احتياجاته الشخصية من القات والسجائر.

أزمات عاصفة

تسترجع داليا ممّا مضى، حياةً من الودّ والسعادة التي كانت تعيشها أسرتها، وتتذكر فرحة الجميع، غير أنّ كابوسًا حلّ بهم كما تؤكّد وابتدأ من طلاق والدتها وتركها للأسرة، ثمّ بمشكلة أختها الكبرى التي تزوّجت بشخص لا تريده هروبًا من المشاكل التي عصفت بالأسرة، في حين لم يتبقَّ غيرُها في المنزل مع أخيها الذي يكبرها بعامين بعد عودته من منطقة "البقع" مقعدًا لا يستطيع الحركة، بعد إصابته في الجبهة التي انضمّ إليها بسبب الاستقطابات والإغراءات للشباب، من قبل أطراف الحرب والصراع الدائر في اليمن، للقتال في صفوفهم. هكذا أصبح حال هذه الأسرة، بحسب وصف هذه الفتاة، بتحوّل المنزل إلى ما يُشبه الخرابة؛ بدون أمٍّ، وأخٍ مقعد، وأب لا يكف عن الصراخ.

يقول أستاذ علم الاجتماع بجامعة صنعاء، محمود البكاري؛ إنّ الحرب أثّرت تأثيرًا سلبيًّا على الأوضاع الاجتماعية والأسرية في اليمن، حيث أدّت إلى بروز العديد من المشاكل والظواهر الاجتماعية السلبية، ومنها تزايد حالات الطلاق والعنف، وما يترتب على ذلك من تسرّب الأطفال من التعليم وتفكك أسري خطير.

يؤكّد أستاذ علم النفس بجامعة صنعاء، محمد حاتم، في حديثه لـ"خيوط"، أنّ آثار الحرب كانت بالغة وقاسية على الأسر اليمنية، إذ تسبّبت في تفاقم المعاناة المعيشية والاضطرابات النفسية، نتيجة انعدام الأشغال وانخفاض الدخل.

ويشير إلى تزايد المشاكل الأسرية، خصوصًا بين الزوجين، على مستوى الأسرة الواحدة، وارتفاع حدة الخلافات، ووصولها في كثير من الأحيان إلى الطلاق، بسبب عدم قدرة العائل على تلبية وتوفير الاحتياجات المعيشية اليومية.

عودة الأب المهاجر

ليست داليا وحدها من تعاني من الخلافات والمشكلات الأسرية، ولا تستطيع أن تعيش مع جميع أفراد عائلتها، بل إنّ هناك غيرها الكثير.

الشاب زياد عبدالله (اسم مستعار)، والذي يَعُول أسرته وهو في سن مبكرة، تاركًا خلفه شبابه ورفاهيته، حيث يبلغ من العمر 19عامًا، يقول: "منذُ اندلاع الحرب ومنزلنا لا يهدأ، بعد عودة والدي من عمله "مغتربًا" من المملكة العربية السعودية، لزيارتنا كالمعتاد، فقد كان يقوم بزيارتنا ما بين فترة (4-5) سنين، لكن هذه المرة كانت مختلفة عن كل المرات، كانت عودته في فترة ما يسمّى بفيروس "كورونا"، بسببه مكثَ بيننا، ولم يستطع العودة لعمله هناك، وبعد مكوثه بيننا لمدة عام، دون عمل، كانت والدتي تبيع كلّ ما لديها من المجوهرات لكي نكمل يومنا، وعندما نفدت كلُّ مجوهراتها، وبعد محاولاتها مع والدي وهي تخبره بأنه يجب عليه البحث عن عمل، يرد قائلًا: "لا يوجد أشغال، وإذا وجدت فإنه لا يناسبنا"، ومع هذا والدتي لم تيْئَس، استمرّت بالمحاولة معه، لكن لا جدوى؛ فأذن من طين وأذن من عجين".

وصل الأمر، بحسب زياد، إلى قيام الأب بتعنيف الأم والاعتداء عليها، وتفكّكت هذه الأسرة التي أقدم أربابها على بيع ما بحوزتهم من ممتلكات، للإنفاق على ما أمكن من احتياجاتهم المعيشية الضرورية، بعد تشتتها عقب انتقال الأم للعيش في منزل والدها وأسرتها ومعها جزء من أولادها.

وفقد الآلاف في اليمن وظائفهم وسبل عيشهم، في حين ضاعف الغلاء والتضخم من تردي الأوضاع المعيشية لغالبية السكان في اليمن، وبات تلبية ضروريات الحياة أمرًا بعيد المنال؛ حيث لم يعد بإمكان الكثيرين توفير احتياجاتهم من الغذاء والدواء.

ظواهر سلبية في المجتمع

في السياق، يقول أستاذ علم الاجتماع بجامعة صنعاء، محمود البكاري، لـ"خيوط"، إنّ الحرب أثّرت تأثيرًا سلبيًّا على الأوضاع الاجتماعية والأسرية في اليمن، حيث أدّت إلى بروز العديد من المشاكل والظواهر الاجتماعية السلبية، ومنها تزايد حالات الطلاق والعنف، وما يترتب على ذلك من تسرّب الأطفال من التعليم، وتفكك أسري خطير.

ويعتبر البكاري أنّ الأطفال هم الضحايا والأكثر عرضة للتشرّد والضياع والإهمال والانحرافات، في ظل فقدان القدرة على الوفاء بالالتزامات الأسرية؛ من إنفاق ورعاية، فيضطر الآباء أو أولياء الأمور للهروب من هذا الواقع المزري بالتخلي عن واجباتهم الأسرية، والبحث عن بدائل أخرى من قبيل المطالبة من الزوجة أو الأبناء بمساعدته بتحمل مسؤولية الإنفاق على الأسرة، في الوقت الذي لا تتوفر فيه إمكانية لديهم لذلك، فتندلع المشاكل بين الأب والأم والأبناء، وهناك حالات مأساوية حصلت في بعض الأسر، من قبيل الإصابة بأمراض نفسية والتي قد تؤدي إلى الانتحار. 

ويُشدّد في ختام حديثه، على تزايد الفقر والجوع في أوساط المجتمع، نتيجة البطالة وانعدام فرص العمل، وزيادة الأسعار، وعدم القدرة على توفير الحدّ الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

* تحرير خيوط

•••
رنا طاهر

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English