العيد في الحديدة.. فرحة مسروقة

كيف يقضي سكان مدينة البسطاء عيد الفطر في ظل الحرب؟
ياسمين الصلوي
May 14, 2021

العيد في الحديدة.. فرحة مسروقة

كيف يقضي سكان مدينة البسطاء عيد الفطر في ظل الحرب؟
ياسمين الصلوي
May 14, 2021
Photo by: Ali Jameel - © Khuyut

يستقبل سكان مدينة الحديدة عيد الفطر المبارك، في ظل ويلات الحرب للسنة السابعة على التوالي. مأساة محافظة الحديدة بسبب الحرب تفاقمت منذ يونيو/ حزيران 2018، مع شنّ القوات الموالية للحكومة المعترف بها دوليًا هجمات مستمرة على قوات أنصار الله (الحوثيين) التي كانت حينها تسيطر على المحافظة الساحلية بالكامل. وبعد اندلاع المواجهات العسكرية بين الطرفين وصلت القوات الموالية للحكومة المعترف بها دولياً إلى الأحياء الشمالية للمدينة ومطارها، ما جعل منظمات محلية ودولية تضعها في قائمة أشد المناطق فقرًا في البلاد. 

 لم يعد عيدًا

تحرص أم سالم على الخروج يوميًا إلى أرصفة الشوارع وأزقة الحارات القريبة من الحي الذي تسكن فيه، من أجل تجميع كراتين ونفايات بلاستيكية لاستخدامها وقوداً لطهي الطعام خلال أيام العيد، كبديل للغاز المنزلي الذي تشهد البلاد أزمة في توفّره منذ ما قبل شهر رمضان، ما أدى لارتفاع سعره وانعدامه معظم الوقت.

 بحسرة تقول أم سالم في حديثها لـ"خيوط"، إنها تمتلك أسطوانة غاز واحدة فقط في المنزل، وحين تنتهي تنتظر حتى يأتِي دورها في تعبئتها بواسطة عاقل الحارة بسعر 4500 ريال، وهو المفوض من قبل سلطات جماعة أنصار الله (الحوثيين) بتوزيع أسطوانات الغاز في الحي. عادةً لا يتم التوزيع عبر عاقل الحارة إلا كل شهر ما يجعل أم سالم وأسرتها تبقى دون غاز لأيام كثيرة.

  تضيف أنها إذ ما جاء دورها واستطاعت أن تحصل على حصتها من الغاز، فإنها تنتظر أيامًا طويلة حتى يتم تسجيلها مرة أخرى للدور القادم، وهذا ما يجعلها تبقى بلا غاز بعد نفاد أسطوانتها الوحيدة. لذلك تلجأ ربة هذه الأسرة للبحث عن الكراتين (الورق المقوى) لاستخدمها وقوداً للطهي، لأنها لا تستطيع شراء الغاز من محطات السوق السوداء، والتي يصل سعرها إلى 10 آلاف ريال، ويرتفع السعر مع اقتراب عيد الفطر وأيامه الخمسة. وتباع أنابيب الغاز التي تصرف من قبل عقال الحارات بحوالي 4500 ريالًا. 

 ليست أم سالم من تستقبل العيد بهذه الطريقة الشاقة والمؤلمة؛ المواطن أحمد سعيد (اسم مستعار مراعاة لخصوصيته) يستقبل العيد هذا العام هو وأطفاله، ببطون خاوية وملابس مهترئة.  ويرى أحمد أنه لا يوجد فرق بين أيام العيد والأيام الأخرى سوى أن العيد تتضاعف فيه معاناتهم مع موجة الغلاء التي تزيد حدّتها مع اقتراب كل موسم عيد.

يعمل أحمد سائقاً لدراجة نارية استأجرها من أحد أقاربه مقابل ثلاثة آلاف ريال في اليوم. وعن التحديات التي تواجهه ورفاقه الذين يعملون بالدراجات النارية في مدينة الحديدة، يقول إن أقصى ما يستطيعون توفيره من عملهم بالكاد يكفي لسدّ رمق أطفالهم، أما احتياجات العيد، فلا يقدرون عليها- حسب قوله.

  عبدالسلام محمد (50 سنة) وهو أب لأربعة أبناء، فَقَد عمله بسبب الحرب، وعلى إثر ذلك تدهورت صحته فأصبح طريح الفراش. باتت الأسرة تستقبل العيد بالحسرة والعوَز منذ فقدان الأب عمله في أول سنوات الحرب. أغلق محله الكائن في خط المواجهات شمال المدينة، وهكذا لم يستطيع تسديد إيجار المنزل الذي يسكنه. نقل أسرته إلى منزل أحد أصدقائه، وهو منزل شعبي من قطع الأخشاب والأقمشة المهترئة. 

  ويضيف عبدالسلام في حديثه لـ"خيوط"، أن العيد يأتي على هيئة كابوس بعد أن فقدت الأسرة مصدر رزقها واضطرت لبيع بعض أثاث المنزل لتوفّر ما تحتاجه من الغذاء، "ولو خبزاً يابساً"- بحسب تعبيره. 

  حال عبدالسلام لا يختلف عن حال الكثيرين من الذين فقدوا أعمالهم بسبب الحرب التي طالت المدينة ومنشآتها. وفي معرض ردّه عن كيفية استقباله للعيد، يقول عبدالسلام بلهجته التهامية: "أيّ عيد وامحرب (الحرب) تطحن امّدينة، الغلاء لحاله والقتل والدمار لحاله، امحرب سرقت أعيادنا خلاص". ويزيد: "لا ملابس للأطفال ولا حق لحمة ولا مصاريف، هكذا حالنا من بداية امحرب".  

منذ ثلاث سنوات لا تستطيع أم علي شراء الملابس لأطفالها في العيد، لذلك تمنعهم من الخروج طيلة أيام العيد لكي تجنّبهم المزيد من الشعور بالحرمان وهم يشاهدون أطفالًا آخرين يرتدون ملابس جديدة

اللحوم والخضروات

  تتفق أم علي مع عبدالسلام في أن الحرب سرقت فرحة الأعياد وبهجتها. تقول في حديثها "لخيوط": "اللحمة اللي كانت أهم وجبة في العيد لم نعد نستطيع شراءها، فقد وصل سعر الكيلوجرام لثمانية آلاف ريال (قرابة 14$)، خصوصًا في العيد يزيد سعرها". وتشير إلى أن الخضروات أيضًا يرتفع سعرها في العيد، لا سيما البطاط والطماطم ضعف سعرها في الأيام الأخرى. كما تؤكد أمّ علي أن سعر الكيلو البطاط يصل يتراوح في العيد بين (800-1000 ريال)، بينما في الأيام العادية لا يتجاوز سعره 500 ريال للكيلو الواحد، وكذلك الطماطم.  

  وتشهد مدينة الحديدة ارتفاعًا غير مسبوق في أسعار اللحوم مع قدوم الأعياد، وهو ما يحرم الكثير من السكان من شرائها، فيضطرون لشراء الأسماك التي لا يزال سعرها معقولاً في مدينتهم الساحلية. هذا ما أكده أحد القصّابين في المدينة (رفض ذكر اسمه)، ويضيف أنه لم يعد يشتري العجول بنفس العدد الذي كان يشتريه قبل الحرب، مرجعًا السبب إلى عدم إقبال المواطنين على شراء اللحوم نظراً لارتفاع أسعارها وتدهور أوضاعهم المعيشية.

  سالم (اسم مستعار حفاظًا على خصوصيته وبحسب طلبه) هو أحد الباعة المتجولين للأسماك في مدينة الحديدة. يقول لـ"خيوط"، إنه كان أيام العيد يتوقف عن العمل، لعدم إقبال المواطنين على شراء الأسماك طيلة أيام العيد. ويضيف أنه كان يعود بسلة سمكه دون أن يبيع حتى النصف منها، نظرًا لاعتماد الكثير من السكان على شراء اللحوم، بينما في السنوات الأخيرة أصبح يمارس عمله حتى في أيام العيد، لأن المواطنين يقبلون على شرائه بدل لحوم الماشية.

 أطفال بلا ملابس جديدة 

  مع قدوم أيام عيد الفطر هذه السنة، شهدت أسواق الملابس في الحديدة ارتفاعًا غير مسبوق، الأمر الذي أجبر الكثير من العائلات متوسطة الدخل على شراء ملابس أطفالها قبل قدوم العيد بثلاثة أشهر وأكثر، استباقًا لموجة ارتفاع الأسعار مع اقتراب العيد.

  وتشكّل العائلات الفقيرة أغلب سكان المدينة، ومع موجة الغلاء الجنوني لأسعار الملابس هذه السنة، تعجز عن توفير ملابس العيد لأطفالها، لذلك تلجأ الكثير منها إلى أسواق الملابس المستخدمة. 

  قبل الحرب كانت الحديدة المدينة اليمنية الأفضل حالًا من حيث الأسعار نظراً لوجود ميناء الاستيراد فيها، إلا أن الحرب جعلتها من أسوأ المدن التي يعصف بسكانها الغلاء، وساهمت في اتساع رقعة الفقر فيها. 

  مهند نصر (35 سنة) يعمل في محل لبيع ملابس الأطفال. يقول إن الحديدة لم تشهد هذا الغلاء من قبل، وإن قدرة المواطنين الشرائية للملابس في أيام العيد تراجعت بشكل كبير، الأمر الذي شجّع باعة متجولين على بيع ملابس مستعملة في الحارات والأحياء الفقيرة التي تشكل أغلب مساحة المدينة.

  هناء الزبيدة، وهي أم لستة أطفال تقول لـ"خيوط"، إنها كُلفة شراء ملابس أطفالها الستة لم تكن تتجاوز 40 ألف ريال، أما في هذا العيد، فقد كلفّتها كسوتهم قرابة 150 ألف ريال، بزيادة تتجاوز الضعفين. تضيف: "لو لم يكن زوجي مغتربًا ما كنت قدرت أشتري كسوة العيد لعيالي"، وتتوقع أنه في حال ظلّ الغلاء "بهذا الشكل"، فإن أطفالهم سيلبسون خرقًا بالية وأكياسًا، "أغلب أطفال حارتي محرومين من كسوة العيد، قلة منهم يلبسوا ملابس رخيصة من باعة متجولين يأتون للحارات، الغلاء ذبحنا"، تضيف هناء.

 بينما تقول أم علي إنها لم تعد قادرة على شراء ملابس العيد لأطفالها منذ ثلاث سنوات، وهي نفس الفترة التي مرّت على فقدان زوجها لعمله. وتوضّح أنها تمنع أطفالها من الخروج طيلة أيام العيد لكي تجنّبهم المزيد من الشعور بالحرمان وهم يشاهدون أطفالًا آخرين يرتدون ملابس جديدة. "العيد قبل الحرب كان جنّة، أما لآن، لا لحمة ولا ملابس للأطفال ولا جِعالة ولا كهرباء والماء مقطوع وحرب واشتباكات." تضيف بحسرة.

أسواق بلا عيد 

 تكتظ أسواق المدن اليمنية قبل كل عيد، بالحلويات والكعك بأنواعها، وتكثر عربات الباعة المتجولين على أرصفة الشوارع في الأسواق الرئيسة، وتزيد حركة المواطنين في ارتياد تلك الأسواق. لكن الحال تغيّر في أسواق مدينة الحديدة منذ بدأت الحرب ومنذ وصلت إليها، ويظهر تأثير الحرب على حركة هذه الأسواق بشكل ملفت.

أمين أحمد، عامل متجول لبيع الحلوى، يقول لـ"خيوط" إن تدهور الأوضاع المعيشية لدى كثير من العائلات في الحديدة جعل الكثير من الفقراء يكتفون بتوفير لقمة العيش ولا يكترثون لشراء الحلويات والكعك والكماليات من المواد الغذائية. "كمية الحلويات التي أشتريها من أجل بيعها في السوق، أبيع منها ربع الكمية فقط. كانت الأسواق تكتظ بالناس، منهم من يشتري الملابس وآخرون يتزاحمون على شراء المواد الغذائية والحلويات والمكسرات، لكن مع الحرب تغير الحال."، يضيف.

أزمة المواصلات وارتفاع أجرتها جعلت من تزاوُر الناس لبعضهم في العيد، مستحيلًا وصعًبا بسبب الحرب والفقر، وتأمل المواطنة سالمة أن تنتهي الحرب وتعود أعيادهم وأفراحهم التي سلبتها الحرب من مدينتهم، كما كانت

عيد بلا متنزهات 

بعد أن كانت الحديدة قبلة الكثير من المواطنين القادمين من مختلف المحافظات اليمنية لقضاء إجازة العيد، لم يبقَ أمام سكانها سوى حديقة الشعب، وجزء صغير من ساحل المدينة الطويل. فقد تمّ إغلاق الكثير من المنتزهات القريبة من خطوط المواجهات، وبعضها تعرضت أماكن قريبة منها لقصف الطيران.

  في السنوات الأخيرة افتتح مواطنون مغتربون متنزهات ترفيهية وسط الأحياء السكنية بإمكانيات بسيطة، فوجدها المواطنون فرصة لإسعاد أطفالهم، رغم تجهيزاتها المتواضعة. وقوعها في أماكن آمنة جعل منها بديلًا للمنتزهات التي أغلقتها الحرب ودمرتها. 

أزمة الوقود ضمن المنغصات

  أزمة المشتقات النفطية التي يعانيها سكان المناطق الواقعة ضمن سيطرة أنصار الله (الحوثيين)، حاضرة أيضًا ضمن المنغصات التي تسرق فرحة العيد من سكان الحديدة وأطفالهم. وإلى ذلك، أدّى احتكار المتوفر منها وبيعها في السوق السوداء لارتفاع أجرة المواصلات داخل المدينة، ما جعل المواطنين يمتنعون عن زيارة أهاليهم واقاربهم.

  كما أن إغلاق الطرق الرئيسة واستحداث طرق بعيدة عن المواجهات، زاد من صعوبة التنقل والسفر أمام سكان الحديدة الذين يرغبون زيارة أقاربهم في مديريات المحافظة ومدن أخرى.

  تقول سالمة علي: "كنا نركب للبحر بـ300 ريال في أيام العيد، ونروح السوق بـ200 ريال، ولو سافرت زبيد أدفع 1500 ريال، ساعتين وأصل قريتي. الآن لو خرجنا نزور أهلنا، المواصلات غالية، ولو سافرنا لازم أدفع على الراكب إلى زبيد ستة آلاف ريال، والمسافة تستغرق سبع ساعات". 

 ترى سالمة أن أزمة المواصلات وارتفاع أجرتها جعلت من تزاوُر الناس لبعضهم في العيد، مستحيلًا وصعًبا بسبب الحرب والفقر. وتأمل سالمة، بتفاؤل، أن تنتهي الحرب وتعود أعيادهم وأفراحهم التي سلبتها الحرب من مدينتهم، كما كانت.

عن واقع الحديدة 

 محمود الحميدي، وهو صحفي مهتم بالشأن الاقتصادي، يرى أنه في الوقت الذي كانت فيه المدن اليمنية تشهد ارتفاعًا متزايدًا في الأسعار وتتفاوت فيها القدرة الشرائية للمواطن في توفير القوت اليومي أو الشهري، ظلّت الحديدة "مدينة البسطاء" والميناء الرئيسي للغذاء، -  تُقسم السلع الغذائية والتموينية إلى أجزاء صغيرة حتى يستطيع المواطن العامل بالأجر اليومي شراء احتياجه اليومي منها بحسب دخله الزهيد.

ويضيف الحميدي في حديث "لخيوط"، أن الحرب أثرت على اليمن ككل، وعلى الحديدة على وجه الخصوص، مشيرًا إلى أن الطبقة العاملة بالأجر اليومي، والتي تمثل "السواد الأعظم من سكان المدينة"، ازدادت فقرًا مع توقف نشاط الميناء وقطع الطرق الرئيسية مع دخول الحرب إلى المدينة. أدى هذا الوضع إلى ارتفاع جنوني في أسعار السلع والخدمات، خصوصًا في مواسم الأعياد، ومعه توسعت رقعة الفقر وسحقت الطبقة العاملة البسيطة.


•••
ياسمين الصلوي

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English