تبعات آخر قرارات الإدارة الأمريكية المنصرفة

مخاوف من آثار قاتمة ستطال 70% من سكان اليمن
محمد أحمد
January 12, 2021

تبعات آخر قرارات الإدارة الأمريكية المنصرفة

مخاوف من آثار قاتمة ستطال 70% من سكان اليمن
محمد أحمد
January 12, 2021
© Middle east institute

بعد عام يكاد يكون الأثقل على العالم نتيجة وباء كورونا (كوفيد 19)، يفتتح المشهد اليمني عامه الجديد باعتزام الإدارة الأمريكية في أيامها الأخيرة إدراج جماعة أنصار الله "الحوثيين" كجماعة إرهابية. قرارٌ (في حال دخوله حيز التنفيذ) سيُلقي بظلاله على معظم سكان اليمن الذين مزقتهم ويلات الحرب والوضع الاقتصادي المتردي وانسداد الأفق. 

منح قانون الهجرة والجنسية الأمريكي في قسمه (219) عام 1965 وزارة الخارجية صلاحية تصنيف كيان ما في قائمة الإرهاب، ما يستتبع عقوباتٍ وإجراءات مشددة موجهة ضده. وهذا ما أعلنه وزير الخارجية في العاشر من يناير/كانون الثاني من العام الجاري 2021 في بيان نشرته الوزارة على موقعها، كما أورد البيان عزم وزير الخارجية إدراج أسماء ثلاثة من قيادات جماعة أنصار الله "الحوثيين"، وهم: عبد الملك الحوثي، وعبد الخالق بدر الدين الحوثي، وعبد الله يحيى الحكيم. ويلزم القانون وزير الخارجية، بمعية وزيرَي العدل والخزانة، إخطار الكونغرس بنيته إدراج أي كيان في قائمة الإرهاب ومراجعته لمدة سبعة أيام. في حالة عدم رفض الكونغرس، على وزارة الخارجية نشر الإخطار في السجل الفدرالي، وحينها يغدو الإدراج نافذًا.  

يتضمن مثل هذا الإدراج تدابير موجهة ضد أي جماعة يتم اعتبارها كذلك، أبرزها حظر أي دعم مادي أو مالي للكيان المُدرَج، كما يحظر سفر الأفراد المنتمين للجماعة للولايات المتحدة، وتجميد أرصدتهم. كما يخول إدراج أي كيان في قائمة الإرهاب استخدام القوة على نحو أكثر ضراوة، حسب قانون مشروعية استخدام القوة العسكرية المصادق عليه في 2001. 

على الرغم من أن بيان وزارة الخارجية الأمريكية يعد باتخاذ تدابير للحد من آثار القرار، كمنح التراخيص وإعفاءات لبرامج المساعدات التي تقدمها المنظمات الدولية وبعض الأنشطة الإنسانية التي تقوم بها المنظمات غير الحكومية، والأعمال المرتبطة بواردات السلع الأساسية كالغذاء والدواء؛ إلا أن هناك مؤشرات تدل على أن هذه التدابير ستكون ذات أهمية هامشية

 كما يأتي مثل هذا التصنيف – حسب بيان وزارة الخارجية الأمريكية - في حالة جماعة أنصار الله (الحوثيين)، نتيجة قيام الجماعة بأعمال عدائية على منشآت عسكرية، كما خص وزير الخارجية بالذكر استهداف مطار عدن، قائلًا: "لا نحتاج للنظر إلى أبعد من الهجوم الوحشي الذي استهدف المطار المدني في عدن في 30 كانون الأول/ديسمبر، عندما استهدف الحوثيون قاعة الوصول وقتلوا 27 شخصا، بمن فيهم ثلاثة من موظفي اللجنة الدولية للصليب الأحمر، لنرى الدمار الذي يواصل الحوثيون إلحاقه بالمدنيين والبنية التحتية المدنية. وقد حددت الحكومتان اليمنية والسعودية والعديد من الخبراء مسؤولية أنصار الله (الحوثيين) عن هذا الهجوم مباشرة".

تبعات إنسانية

تصنيف كيان ما كجماعة إرهابية لا يخص الكيان المعني في ذاته، خاصة إن كان كيانا يحكم ويمثل سلطة أمر واقع يسيطر على مناطق يبلغ سكانها 70% من مجمل سكان البلاد. فما هي تبعات هذه الخطوة بالنسبة للسكان في المناطق الخاضعة لسيطرة أنصار الله "الحوثيين".

  سينتج عن إدراج جماعة أنصار الله "الحوثيين" في قائمة الإرهاب، آثار جسيمة فيما يتعلق بالمساعدات الإنسانية التي يضيق نطاقها مسبقا سواء بسبب الاشتباكات المستمرة أو بسبب المضايقات والتدخلات من قبل أطراف النزاع. كما إن مثل هذا الإدراج كفيل بأن يُشلّ الاستجابة الإنسانية في اليمن، ويوقف أي عملية تنسيق من قبل الوكالات الإنسانية الفاعلة مع الجهات ذات العلاقة بالقطاع الإنساني التابعة لسلطة الأمر الواقع في صنعاء، كوزارتي الصحة والتربية والتعليم وغيرها. كما يجدر بالذكر أن العديد من الوكالات الإنسانية الدولية قدموا رسالة مشتركة للإدارة الأمريكية تطالبها بالعدول عن إدراج "الحوثيين" في قائمة الإرهاب، وهي: Oxfam America، وSave the Children، وMercy Corps، وCARE USA، وInternational Rescue Committee.

فعلى الرغم من أن بيان وزارة الخارجية الأمريكية يعد باتخاذ تدابير للحد من آثار القرار، كمنح التراخيص وإعفاءات لبرامج المساعدات التي تقدمها المنظمات الدولية كالأمم المتحدة، وبعض الأنشطة الإنسانية التي تقوم بها المنظمات غير الحكومية، والأنشطة المرتبطة بواردات السلع الأساسية كالغذاء والدواء؛ إلا أن هناك مؤشرات تدل على أن هذه التدابير ستكون ذات أهمية هامشية. فأولًا: ثمة تجارب سابقة باءت بالفشل، حسب معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى؛ كانت التدابير "غير الواضحة" سببًا (من بين أسباب أخرى) في المجاعة الشديدة التي مرت بها الصومال بعد ثلاث سنوات من تصنيف "حركة الشباب المسلم" كمنظمة إرهابية في عام 2008، وغيرها من التجارب الأخرى. ثانيًا: بالإمكان معاملة الكثير المساعدات الإنسانية الملحة بوصفها مساعدات تنموية، وبالتالي منع دخولها للمناطق التي تسيطر عليها جماعة أنصار الله (الحوثيون)، كالمساعدات الإنسانية الموجهة لتحسين البنية التحتية الصحية أو تلك المخصصة للقطاع المائي. أما إذا رفعنا سقف التفاؤل عاليا، فإن هذه التدابير ستخضع دخول المساعدات الإنسانية لسلسلة طويلة ومعقدة من الإجراءات التي قد تمتد لعدة أشهر. ثالثًا: تفضل بعض المنظمات الدولية العمل بمبدأ الحذر وسحب مكاتبها من مناطق سيطرة الحوثيين، على أن تخاطر وتقع -عن غير قصد- فيما قد تراه الإدارة الأمريكية محظورا. 

أضرار اقتصادية

بالإضافة إلى ذلك، سيتلقى القطاع الخاص المتضرر بشدة بسبب النزاع، ضربة قاسية نتيجة إدراج "الحوثيين" في قائمة الإرهاب. فمن ناحية، سيضيق الخناق على واردات السلع الأساسية والحيوية، حيث إن 90% من السلع الغذائية و80% من المواد الطبية يتم استيرادها من الخارج. ومن جهة أخرى، ستضطر الشركات التجارية والمؤسسات المصرفية ومكاتب الشحن إلى تقليص نشاطها وإغلاق مكاتبها في المناطق التي تقع تحت سيطرة "الحوثيين" تجنبا للوقوع تحت طائلة العقوبة. وإذا أخذنا في الاعتبار ضعف القدرة الشرائية إلى أدنى مستوياتها نتيجة انقطاع المرتبات وهشاشة الاقتصاد البالغ حد الشلل، لنا أن نتخيل وضعا لا يكون بإمكان هذه القدرة الشرائية أن تجد ما يمكنها شراؤه.

كما أن مسار التفاوض السياسي ليس بمنأى عن موجة التبعات لقرار إدراج جماعة "الحوثيين" في قائمة الإرهاب، حيث من المرجح أن تتوقف كل مباحثات السلام وفرص التفاوض من أجل إنهاء النزاع المحتدم في اليمن والكثير من الملفات العالقة كاتفاق ستوكهولم وملف ناقلة النفط "صافر"، خاصة تلك التي تدعمها أطراف إقليمية أو دولية. بل إن مجرد تقديم المشورة يمكن اعتباره "دعماً مادياً".

وفي الأخير لنا أن نطرح عدة تساؤلات تخص مستقبل هذه الخطوة وفاعليتها:

إذا كان إدراج "الحوثيين" في قائمة الإرهاب خطوة من قبل إدارة ترامب لوضع العراقيل أمام الإدارة الجديدة، كما يرى ذلك مختصون في الشأن الأمريكي؛ فهل سيقوم الكونغرس ذو الأغلبية الديمقراطية برفض هذا الإدراج؟ وفي حال نفاذ قرار الإدراج، فما فاعلية حظر الدعم المالي والمادي وتجميد الأموال بالنسبة لجماعة لا تتلقى دعمًا بشكل رسمي أو تمتلك أرصدة في بنوك خارجية؟ وهل سيوقف إدراج "الحوثيين" في قائمة الإرهاب مسار التفاوض مرة وإلى الأبد؟ أم أن مكاسب "الحوثيين" على الأرض ستفرضهم أمرًا واقعًا حتى على طاولة المفاوضات؟!.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English