حروب اليمنيين اليومية

مواجهة غير متكافئة مع مخلفات الأزمة الاقتصادية
هناء عبدربه
September 30, 2021

حروب اليمنيين اليومية

مواجهة غير متكافئة مع مخلفات الأزمة الاقتصادية
هناء عبدربه
September 30, 2021
Photo by: Ali Al-Sunaidar - © Khuyut

حروب كثيرة تواجه اليمنيين يوميًّا، ليست تلك وحدها المعروفة بحرب السلاح والدمار والدماء، بل إن حروبًا أشرس وأكثر فتكًا تشكّل الخطر الأكبر على اليمنيين وتنغص صفو حياتهم اليومية.
تعتبر الحرب الاقتصادية الأكثر ضراوة وثقلًا على كاهل المواطن اليمني، الذي يتجرع الويلات أصنافًا عديدة وبكؤوس مختلفة.
فبعد أن شوّهت الحرب معالم الحياة السابقة، التي تميل إلى حدٍّ ما إلى الاستقرار وتوفر الخدمات والمرتبات، أصبح الوضع في ظل الأزمة الاقتصادية لا يحتمل، خصوصًا بعد انقطاع رواتب الموظفين المدنيين، في حين زاد الوضع سوءًا تحديدًا بعد انهيار العملة المحلية وارتفاع الأسعار وإيجارات المساكن.
محمد منصور (اسم مستعار) معلم في صنعاء، يقول لـ"خيوط": "كنت أتقاضى راتبًا جيدًا أستطيع أن أعيش به مع أسرتي إلى آخر الشهر، ولأني لا أتناول القات كانت الأوضاع مستقرة، فجميع مصاريف المنزل يتم تغطيتها من الراتب".
يضيف أنه بعد توقف صرف الرواتب أواخر 2016، انقلب الحال رأسًا على عقب، وأصيب بحالة من الصدمة أمام الوضع الصعب الذي يجب مواجهته بداية من مصاريف المنزل وتلبية الاحتياجات المعيشية اليومية، والإيجارات، إلى متطلبات الصحة والتعليم والغذاء والدواء، في الوقت الذي لا يمتلك أي مهارة أخرى تغطي احتياجاته المعيشية، إضافة إلى عدم توفر أي أعمال أو وظائف في سوق العمل، ناهيك عن سوط الجوع الذي يسوم الجميع سوء العذاب.
اضطر محمد وغيره من الموظفين لتعلم مهارات جديدة في محاولة للبقاء وتحسين الوضع الاقتصادي، إذ عمل في ورشة لتصليح السيارات وأعمال أخرى مثل السباكة والنجارة، إضافة إلى مهنته الأساسية وهي التدريس.


نتيجة للتدهور الاقتصادي وجد المواطن اليمني نفسه أمام مطبات كثيرة لتفادي ما يمكن تفاديه لتجنب ويلات الجوع والمرض، ناهيك عن التشرد المستمر والنزوح من منطقة إلى أخرى بسبب استمرار المعارك أو التضييق على المواطنين بسبب توجهاتهم السياسية أو الدينية أو خلفياتهم المجتمعية.


في سبتمبر/ أيلول من العام 2016، تم نقل البنك المركزي اليمني من صنعاء إلى عدن، بعد اتهام الحكومة المعترف بها دوليًّا للحوثيين بنهب الأموال والاحتياطي النقدي الذي كان في البنك المركزي اليمني قبل قرار نقله ودفعها لمقاتليها واستخدامها في المجهود الحربي.
على إثر ذلك انقطعت رواتب الموظفين في المحافظات الشمالية من اليمن الواقعة تحت سيطرة أنصار الله (الحوثيين)، رغم تعهد الحكومة آنذاك بدفع الرواتب، لكن الأمر زاد سوءًا بعد قيام جماعة أنصار الله (الحوثيين) -بحسب الحكومة المعترف بها دوليًّا- بعرقلة صرف رواتب الموظفين المدنيين في مناطق سيطرة الجماعة.
يشدّد مسؤولون في الأمم المتحدة على ضرورة دفع مرتبات العاملين في مختلف قطاعات الدولة ومساعدة الناس على تعزيز مدخولاتهم وحماية التحويلات المالية التي تمثّل مصدرًا مهمًّا للدخل في اليمن. إذ إن الناس لا يجوعون فقط بسبب نقص الغذاء، وإنما بسبب غلاء الأسعار نتيجة انهيار سعر صرف العملة الوطنية.
وفق منسق الإغاثة الإنسانية التابع للأمم المتحدة، فإن الأزمة في اليمن، الذي دخلت الحرب فيه عامها السابع، تتواصل بلا هوادة، مع نزوح آلاف الأشخاص، فيما يقف الملايين على حافة الجوع.
أزمة إنسانية
أودت الحرب المستمرة منذ أكثر من ست سنوات إلى أزمة إنسانية حادة، خسرت فيها اليمن عشرات الآلاف بين قتيل وجريح منذ مارس/ آذار 2015، نسبة كبيرة من النساء والأطفال.
حسب تقارير أممية، فإن اليمن تعيش أسوأ أزمة إنسانية، حيث يعيش أكثر من 80% على المساعدات الإنسانية، ما ينذر بالأسوأ خلال الفترة القادمة في ظل تفاقم كبير في الأوضاع المعيشية للسكان في اليمن.
وذلك، نتيجة لالتحاق الكثير من الرجال لجبهات القتال، وهم ما يشكّلون النسبة الأكبر في إعالة عوائلهم، ساءت الأوضاع الاقتصادية لعوائلهم؛ ممّا أدى إلى التحاق الأطفال بسوق العمل أو التسول، وكذلك هو حال النساء.
ونتيجة للتدهور الاقتصادي، وجد المواطن اليمني نفسه أمام مطبات كثيرة لتفادي ما يمكن تفاديه لتجنب ويلات الجوع والمرض، ناهيك عن التشرد المستمر والنزوح من منطقة إلى أخرى بسبب استمرار المعارك أو التضييق على المواطنين بسبب توجهاتهم السياسية أو الدينية أو خلفياتهم المجتمعية.
ويرى الباحث الاقتصادي شعيب إبراهيم لـ"خيوط"، أن اليمنيين فقدوا معظم مصادر الدخل المتاحة ودمرت الحرب والصراع الدائر سبل العيش في مختلف قطاعات الأعمال، مثل الزراعة والأسماك، وهما أكبر قطاعين للتشغيل في اليمن، إذ فقد -خصوصًا- قطاع الأسماك والاصطياد البحري نحو 80% من قدراته، وبات نتيجة لذلك كثيرٌ من العاملين في هذه المجالات من الأعمال، بحكم البطالة، بعد أن فقدوا مصدر دخلهم الوحيد المتاح.
ويتطرق إلى نقطة مهمة في هذا الصدد، وهي انهيار منظومة التشغيل الرئيسية في البلاد، بحسب حديثه، والمتمثلة بالحكومة التي كانت طوال السنوات الماضية التي سبقت الحرب هي مصدر التشغيل والتوظيف في البلاد، ويعتمد عليها أكثر من مليون موظف مدنيّ يعيلون أسر يقدّر عدد أفرادها بالملايين؛ لذا مع توقف رواتب الموظفين واهتزاز عملية التشغيل وتوقفها، ساهم ذلك مع عوامل أخرى ناتجة عن الأزمات الاقتصادية وتدهور العملة الوطنية، في تفجير هذه الأزمة الإنسانية، التي تصنفها الأمم المتحدة بالأكبر على مستوى العالم.
جحيم متشابه
لا يختلف الوضع الاقتصادي كثيرًا في مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دوليًّا عن المناطق الأخرى، فعلى الرغم من أن غالبية الموظفين في محافظات جنوب اليمن يتقاضون رواتبهم شهريًّا، إلا أن الأزمة الاقتصادية عمومًا قد أثرت كثيرًا على المستوى المعيشي للمواطنين، تاركة إياهم تحت رحى الجوع تطحنهم، فمع تهاوي سعر العملة المحلية مقابل الدولار وارتفاع أسعار المواد الغذائية والإيجارات التي أصبحت تدفع بالعملة الصعبة، صارت الحياة أكثر صعوبة وتعقيدًا.
ياسمين مهدي (39سنة)، موظفة في إحدى الدوائر الحكومية في عدن تحكي لـ"خيوط"، أن راتبها لم يتوقف سوى مرة واحدة منذ بداية الحرب، ومع أنها تتقاضى راتبها شهريًّا، إلا أن الحال لا يسرّ ألبتة، كما تقول:  "الرواتب قليلة جدًّا مقارنة مع أسعار المواد الغذائية والدواء الشهرية التي تشكل الضغط الأكبر على كاهل عائلتي".
تتابع حديثها: "عملت لفترة كبائعة في محل تجاري بدوام 8 ساعات يوميًّا بمقابل 30 ألفًا بالشهر؛ أي ما يساوي 30 دولارًا. أنهِكت جسديًّا دون عائد يذكر".
خصصت ياسمين بضع ساعات بعدما تعود إلى منزلها في صناعة البخور وبيعه عبر الإنترنت، وهذا ما ساعدها في إعالة عائلتها، التي تكفلت بها منذ رحيل والدها وامتنعت عن مجاراة الحياة مثل شقيقاتها اللواتي اخترن الزواج وهو حق طبيعي، لكن من أجل أسرتها تؤكد ياسمين أنها تخلت عن حلم الأمومة والاستقرار.
الغليان المستمر في الأسعار والمساكن وتردي العملة، يمهد الطريق لانهيار واسع في الأمن الغذائي وأزمات ستفتك بأكبر قدر من اليمنيين دون أن تشعر أطراف الحرب بأي مسؤولية تجاه المواطن اليمني، الذي يصارع حروبًا عدة.
ولم تترك الأزمات المعيشية المتواصلة والفقر مجالًا للتأقلم في اليمن، مقارنة بالكارثة التي يعيشها كثير من اليمنيين، قليلون جدًّا استطاعوا فعلًا التأقلم وصنع فرص جديدة، لكن الغالبية العظمى ما زالوا يتصارعون مع التدهور الاقتصادي، وهناك من هُزم ولم يقوَ على تحمل تبعات مواجهة غير متكافئة.

•••
هناء عبدربه

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English