جرائم الشرف المتكاثرة

انتهاكات جسيمة يدعمها القانون والعرف المجتمعي
لؤي العزعزي
March 30, 2024

جرائم الشرف المتكاثرة

انتهاكات جسيمة يدعمها القانون والعرف المجتمعي
لؤي العزعزي
March 30, 2024
.

عشرات الجرائم التي تُرتكب بحق النساء باسم الشرف، وغسل العار، تمرّ بصمت وهدوء وغموض كبير، لا يجرؤ أحد على التحدث عنها، مهما بلغت بشاعتها، وغالبًا ما يخرج مرتكِبوها دون عقاب، لما تحمله هذه القضايا وتناولها علنًا من حساسية مجتمعية، بل قد لا نجافي الحقيقة إن قلنا إنها قد تحظى بمباركة اجتماعية مرات كثيرة؛ الأمر الذي يضع عشرات من علامات الاستفهام عن كيفية حماية الفئات المستضعفة والهشّة كالنساء والأطفال، من تبعاتها.

فيض من غيض

يُفجَع الرأي العام اليمني بحوادث شتى لفتيات ونساء تعرضن لجرائم قتل بشعة ووحشية على يد أقارب لهن، لكن سرعان ما يتم تمييع هذه الجرائم، والتعامل معها بصفتها شأنًا أسريًّا لا علاقة للدولة ولا للمجتمع باستنكارها أو بمنع تكرارها. ومن أمثلة ذلك، ما حدث سنة 2014، عندما تناقل اليمنيون عبر وسائل التواصل الاجتماعي مقطعًا لأب يعذّب ابنته بالمكواة الكهربائية، ويضرب جسدها الصغير في أماكن متفرقة، حتى نزفت دماءً وتعالى صُراخها واستغاثاتها، وهي تتلوى ألمًا ووجعًا.

عُرف لاحقًا أن الطفلة تدعى مآب (12 سنة)، نكل بها والدها، ثم أطلق عليها رصاصتين، لتفارق روحها الحياة فورًا، في حادثة موثقة بالصوت والصورة وعن سابق إصرار وترصد، حينها تحولت الحادثة التي استفزت مشاعر المجتمع، بسبب ما احتواه الفيديو من مشاهد تعذيب وقتل يهتز لها ضمير الإنسانية، إلى قضية رأي عام. كان الأب الجاني برر فعلته الشنيعة تلك بأنه يدفع ابنته للاعتراف بارتكابها جريمة أخلاقية مع أطفال آخرين! بعد ذلك، تم القبض على الأب، الذي لم ينكر جريمته، لكنه اعترف بها وقال إن دافع القتل كان لحماية الشرف والعرض. 

القاضي والجلاد

وفي 9 مارس/ آذار 2020، انتشرت صور، ومحادثات، عبر تطبيق واتساب، تكشف جريمة مروعة لإخوة احتجزوا أختًا لهم من الأب، بعمر أربع عشرة سنة، عذبوها ومنعوها عن الأكل والشرب لأيام، ومِن ثَمّ أجبروها على تجرع سمّ خاص بزراعة القات، حتى فارقت الحياة، بأمر من والدهم المغترب في السعودية؛ بعد إخباره أن أختهم، تحب أحد أهالي القرية.

تم احتجاز الإخوة، بعد هذه الجريمة، لكن الوالد -باعتباره ولي دم البنت- تنازل فور عودته من أرض المهجر عن القضية، ليخرج الجناة من السجن مبرئين، كأنهم قتلوا قطة، وبهذا يكون دم إصباح مهدي، الضحية التي قُتلت أمام مرأى ومسمع المجتمع، قد ذهب هدرًا. 

وبالمثل، تحديدًا سنة 2021، انتشرت صور مؤلمة لجثة الطفلة إيمان عبدالله (10 سنوات)، التي ماتت، كما صوّر أهلها للناس، بلدغة ثعبان، لكن المسارعة إلى دفنها، وظروف موتها الغامضة، أثارت سيلًا من الشكوك لدى أحد أهالي القرية، الذي وثق بتلفونه صورًا لجثة الطفلة، ليتضح أنّ اللدغات ليست سبب وفاتها، فضلًا عن تأكيد أحد الأطباء الشرعيين الذين وصلت لهم الصور، أنها ليست لدغات أفعى، إلى جانب وجود آثار خنق ظاهرة على عنق الطفلة. وبالرغم من الأدلة، والقرائن الظاهرة، تم تقييد الجريمة ضد مجهول، وتم دفن الضحية دون تحقق أو تحقيق.

ضحايا مرتين

في سياق متصل، وجد الأهالي في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2021، جثة امرأة حامل أسفل جبل قرية بني حسن، بمناخة، محافظة صنعاء. لاحقًا بعد التحقيقات، اتضح أنّ الجثة الساقطة من سفح الجبل هي لسيدة تدعى حياة علي صالح، وأنّ سبب الموت هو الذبح لا الوقوع. وكان شهود من أهالي القرية أفادوا أنّ الضحية كانت على خلاف مع زوجها بسبب حملها. أدلة وشواهد كثيرة كانت تشير إلى أنّ الحادثة بحاجة إلى تحقيق يكشف الحقيقة، لكن الحاصل تم القفز على الحادثة كسابقاتها.

شروق محمد (27 سنة)، هي الأخرى خُنقت في 27 سبتمبر/ أيلول 2021، حتى الموت من قبل أشقائها وأحد أبناء عمومتها؛ بتهمة أن لها علاقة حب مع أحد الأشخاص، حدثت الجريمة في منطقة الملحاء في مديرية الحداء، محافظة ذمار.

شهور قليلة، ولحقت أميرة التهامي بشروق، وبالتحديد في يناير/ كانون الثاني سنة 2022، حيث حاولت التهامي (17 سنة)، الانتحارَ جراء تعرضها للاغتصاب من أحد نافذي المنطقة، إلا أنّ أهلها وجمعًا من أهالي بيت الفقيه منعوها من إنهاء حياتها، وتم الزج بها في معتقل يفتقر لأبسط مقومات الحياة لامرأة في شهر حملها الأخير، ماتت التهامي أثناء المخاض جراء النزيف، قبل أن يتم إنصافها أو القصاص لها. فيما آثرت سارة علوان إنهاء حياتها في العام 2022، للتخلص من وصمة العار التي قد تلحق بها، جراء ابتزازها من قبل أحد المجرمين إلكترونيًّا، لكن بثينة السمة انتحرت بالفعل في العام ذاته، بعد محاولة السائق التحرش بها. 

● لا يوجد في القانون اليمني بند خاص بجرائم الشرف التي عادة ما يتم التعتيم عليها وتمريرها بصمت وتحايل مبارك اجتماعيًّا، ومرجعية التعامل معها -في حال تم التعامل معها قانونيًّا- هو قانون الجرائم والعقوبات اليمني الذي ينص في المادة (59) منه، على أنه لا يُقتص من الأصل بفرعه، وإنما يُحكم بالدية أو الأرش على حسب الأحوال، وهذا ما يشجّع المجرمين من الأقرباء على استغلال سلطتهم والتمادي في غيهم دون خوف أو رادع.

القصور القانوني كغطاء 

جزء كبير من أسباب استمرار سيل هذه الجرائم، مرتبطٌ بوجود ثغرات قانونية، حد تقدير المحامي خالد الكمال، الذي تحدث لـ"خيوط"، قائلًا: "لا يوجد في القانون اليمني قانونٌ خاص بجرائم الشرف التي عادة ما يتم التعتيم عليها وتمريرها بصمت وتحايل مبارك اجتماعيًّا، ومرجعية التعامل معها -في حال تم التعامل معها قانونيًّا- هو قانون الجرائم والعقوبات اليمني الذي ينص في المادة (59) منه، على أنّه لا يُقتص من الأصل بفرعه، وإنما يُحكم بالدية أو الأرش على حسب الأحوال، وهذا ما يشجّع المجرمين من الأقرباء على استغلال سلطتهم والتمادي في غيهم دون خوف أو رادع.

 فيما تنص مادته رقم (232)، على أنه إذا قتل الزوج زوجته حال تلبسها بالزنا، أو اعتدى عليها وعلى من يزني بها اعتداء أفضى إلى موت أو عاهة، فلا قصاص في ذلك، وإنما يعزر الزوج بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بالغرامة، ويسري الحكم ذاته على من فاجأ إحدى أصوله أو فروعه أو أخواته متلبسة بجريمة الزنا.

ويضيف الكمال: "المادة ذاتها تنص على أنّ دية المرأة نصف دية الرجل، وهذا قد يقدم تفسيرًا لسبب تزايد جرائم الشرف، وأسباب احتفاء المجتمع بقتلة بناتهم وقريباتهم تحت دوافع الشرف، لكن الأخطر والأنكى هو أنّ القضايا المماثلة تخضع للتكييف القانوني نفسه الذي عادة ما يتحكم به رجل".

من جهتها، تؤكّد الناشطة الحقوقية، هدى الصراري، أنّ الانتهاكات والجرائم التي تتعرض لها النساء والفتيات في اليمن بحجة جرائم الشرف، ما هي إلا تكييف خاطئ لإفلات الجناة من العقاب والملاحقة القانونية.

وتتابع في حديث لـ"خيوط": "لنا أن نتخيل أنه لا يوجد تعريف محدد وواضح للفعل الفاضح، ومن ثم فعددٌ من مواد قانون الجرائم والعقوبات، وعلى رأسها المادة (232) متروكة للتكييف الخاطئ من أجهزة إنفاد القانون أو مأموري الضبط القضائي".

الجدير بالذكر أنّ آليات المساندة والدعم ضعيفة للغاية، إذ تغيب الخطوط الساخنة لاستقبال الشكاوى والبلاغات المتعلقة بالعنف الأسري مثلًا، إضافة إلى عدم وجود العنصر النسائي المؤهل في مراكز الشرطة وأقسام الطوارئ لمساعدة الناجيات من العنف، للحصول على تقارير الطب الشرعي لإثبات حقوقهن.

علاوة على ذلك، لم يتم مواءمة اتفاقية القضاء على كافة أشكال العنف ضد المرأة (سيداو)، التي وقّعت عليها الجمهورية اليمنية بالتشريعات الوطنية، أو العمل بها أثناء التقاضي.

ضحايا محتملات

على صعيد متصل، تقول الكاتبة والناشطة، منال الشيباني: "الخوف من العار المسيطر على الأهالي حتى على حساب أمن وسلامة بناتهم، يجعل هؤلاء الفتيات في قائمة الضحايا المحتملات في أي وقت وأي مكان".

المحامي المصري، هاني سلامة، يحمّل الحركة الثقافية العربية جزءًا من مسؤولية هذه النظرة المتخلفة لمفهوم الشرف والعار، التي تذهب ضحيةً لها المرأةُ العربية، حيث تحدث لـ"خيوط" عن الحالة المصرية كمثال، قائلًا: "للأسف تقاعست الحركة الثقافية والفنية المصرية طيلة القرن الماضي وحتى الآن، عن الانتصار للحقوق الرئيسية للنساء، وغضت الطرف عن جرائم يندى لها جبين الإنسانية حدثت باسم الشرف، بل إنّ من نعتبرهم مثقفين وقادة رأي عام، غضوا الطرف عن قوانين عفا عليها الزمن، وباتت غير مواكبة للتحديات الراهنة التي تواجه المرأة في مصر".

ويضيف سلامة: "هناك آيات قرآنية واضحة المعنى والدلالة، توضح كيفية التعامل مع حوادث الشرف، كالزنا والقذف وما شابه، حيث حدّدت هذه النصوص القرآنية، بوضوح، نوعَ العقوبة وشروط إيقاعها، ولم تترك المجال للتعامل معها بشكل عصبي اعتباطي غير منصف". 

جزء من إرث القبيلة 

من جانبها، تقول الإعلامية النسوية في منظمة حرية المرأة في العراق، نور محمد، لـ"خيوط": "يُنظَر للمرأة قبَليًّا وعشائريًّا باعتبارها شيئًا ماديًّا يتملكه ذكور العائلة والعشيرة، ولأجل ذلك سنّت واقعيًّا العديد من القوانين التي -برأيي- تهين النساء، مثل زواج المغتصِب بالضحية، وحق تأديب الزوجة، وشرعنة زواج القاصرات، وغيرها من القوانين التي تنال من المرأة بصفتها مواطنًا كاملًا".

هذا وقد كشفت نتائج استبيان قام به كاتب المادة، أنّ 94% من مجتمع الدراسة الذي بلغ قرابة 10 آلاف مستبان على منصات مواقع التواصل الاجتماعي، يدينون الجرائم المرتكبة باسم الشرف، فيما 3% فقط أيدوها، و1% امتنعوا عن التصويت مع أو ضد.

وهذا ما يؤكّد ضرورة وجود قوانين حاكمة وناظمة، لتحويل هذه النسبة الرافضة للجريمة إلى سلوك حي وحقيقي، وليس مجرد ظاهرة صوتية في مواقع التواصل وعلى منابر الناشطين والناشطات.

•••
لؤي العزعزي

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English