الحرب في اليمن تعيد صناعة الإبداع

كتاب وشعراء يقاومون الخراب بأعمال أدبية
بلال قائد
October 31, 2020

الحرب في اليمن تعيد صناعة الإبداع

كتاب وشعراء يقاومون الخراب بأعمال أدبية
بلال قائد
October 31, 2020

 في حين كانت إصدارات الأدباء والمثقفين قبل الحرب تعاني من قلة دُور النشر والمطابع ومن التوزيع، لم يكن وضع المثقف اليمني أفضل حالًا خلال سنوات الحرب التي عصفت بالبلاد، وجعلت الكاتب يعيش أصعب لحظات الألم. ومع ذلك، لم يستسلم ووقف ليواجه الحرب بالحرف، وتمسك بحلمه في الإنتاج والوصول إلى الآخر، فطرق أبواب دُور النشر العربية، في محاولة لتغيير محيطه، وخلق فسحة أمل ومساحة للتفاؤل.

    في هذا الاستطلاع، يتحدث عددٌ من الكتّاب اليمنيين لـ"خيوط"، عن هموم الكتابة والنشر، خاصة في ظروف الحرب الدائرة منذ ست سنوات.

خلل ثقافي

     البداية مع القاصّة أسماء المصري، التي عزت الخلل الثقافي في اليمن إلى تبعات عدم الاستقرار السياسي، وهو الأمر الذي ترى أنه - بلا شك - يؤثر على المشهد الثقافي لأي بلد يعيش حالات حروب ونزاعات مسلحة.

     وتشير المصري في حديثها لـ"خيوط"، إلى تأثير الحرب على "استمرارية وتطور النشاط الثقافي وغزارة النتاج الأدبي، وبالأخص في المدن والمناطق الأكثر تضررًا منها"، حيث انعكست "الأزمة الاقتصادية وارتفاع الأسعار على أداء مؤسسات ودُور النشر المحلية، بحيث أصبحت كلفة الطباعة داخل اليمن، تقارب كلفة طباعة الكتب خارج البلاد أو تزيد".

    وعن تجربتها في النشر الخارجي، تقول: "صدرت لي مجموعة في يناير/ كانون الثاني 2020، وحظيت بانتشار وحضور رائع خلال المعارض الدولية في عدد من الدول العربية، وكانت انطلاقتي الأولى إلى القارئ العربي بعد عدد من الإصدارات داخل اليمن، التي لم تلقَ الانتشار نفسه، وكان هذا الخيار الخارجي مدروس ومرتب له" .

فرص مشرعة 

     الروائي وليد دماج يرى أن المشهد الثقافي اليمني الراهن "في غاية البهوت، نظرًا لارتفاع صوت السلاح" في البلاد، ويتساءل: "من أين للصوت الثقافي أن يصدح" في ظل ظرف كهذا، لكنه يتحدث عن وجود "جيل مبدع" يقاوم بالضرورة هذا الركود، "ويحاول إنعاش الساحة الثقافية بإصدارات جديدة".

     ويستطرد دماج: "الوضع الهش وما تعيشه البلاد من حالة احتراب داخلي وخارجي، يفترض أن يكون حافزًا للأدباء والمبدعين كي يواصلوا الكتابة والعمل على النشر. ولعل الفرص صارت مشرعة أكثر للكتاب لكي ينشروا أعمالهم، خصوصًا في الخارج بعدما أغلق دار عبادي للنشر أبوابه، بعد أن كان الوحيد الذي يُعنى بنشر الإبداع الأدبي اليمني".

إنتصار السري: الاستمرار  في الكتابة والنشر ، رسالة لمن أراد لنا الموت؛ نقول له: سنظل نتنفس ونبدع ونصدر  رغم صعوبة إمكانية الإصدار

الكتابة مقاومة

     يقول القاص عبدالعظيم الصلوي إن "الحرب تخلق حالة دفاعية من المقاومة بالكتابة"، التي يعتبرها "أعلى درجات المقاومة". ويضيف: "رغم ما تمر به اليمن من أحداث، إلا أنها حالة مخاض لتغيير شامل في مناحي الحياة، وسوف يتصدر الشأن الثقافي في المستقبل؛ لأن الثقافة هي التي تغير الفكر السياسي والاجتماعي، وتعيد صياغة الأمور بصورة أفضل"، حسب تعبيره .

     وتذهب الكاتبة سيرين حسن إلى الحديث عن الطباعة في زمن الحرب، وتصف الفعل الثقافي في اليمن بأنه "مجرد محاولة لإدخال عنصر أمل في الحياة ليكسر ظلمة الحرب وقسوتها". وعن سبب اختيارها الطباعة خارج اليمن توضح أن الطباعة داخل اليمن "أصبحت مجرد تخزين للكتب في الرف، لا توزيع ولا قارئ". وهي ترى أن "الطباعة في بلد آخر غير اليمن، تفتح آفاقًا لقراء جدد، متنوعي الأعراق والجنسيات ليطلعوا ويتعرفوا على ما نكتبه".

     وعلى الرغم من قلة الأعمال الإبداعية اليمنية، إلا أن الشاعر صخر المنصري يؤكد على أن "وجود إصدارات لكتّاب وأدباء يمنيين في ظل هذه الظروف، ومشاركتها في أغلب المعارض الدوليّة، يعد مؤشرًا مهمًّا، ينبئ بأننا نمتلك الكثير من الثقافة، ولدينا المزيد منها". وهو يعتقد بأن المثقف والكاتب اليمني يفتقد للتحفيز بطبيعة الحال، واصفًا دافعه في إصدار مجموعة شعرية خلال سنوات الحرب، بكونه إحساس داخلي: "كان لا بد لي أن أصدر كتابي في مثل هذهِ الظروف، خصوصًا أن بداخلهِ نصوصًا كانت الحرب ملهمة في كتابتها".
    أما الشاعر محمد إبراهيم الغرباني، فيقول إنه أراد من خلال إصدار مجموعته الشعرية "أن يرتفع صوت الحرف في زمن ارتفع فيه صوت الحرب"، وأنه يستشعر ضرورة أن يناضل المثقفون "في سبيل أن نحافظ على هويتنا، في زمنٍ تخلى كثيرون عن كونهم مثقفين" .

     ويضيف الغرباني أن الوضع الثقافي في اليمن طالما كان هامشيًّا وترفيًّا، "ليس فقط مع الحرب، ولكن منذ سنوات كثيرة وحتى الآن، بدليل أنه لم يخلق أثرًا، بل متأثر بطبيعة الحكم السياسي، رغم وجود مثقفين كُثر".

    وبكثير من التذمر، يقول القاصّ رياض نسيم إن الذين يستولون على الحكم الآن في اليمن، لا يشجعون على النشر"، وأنهم لا يهتمون بتشجيع نشر الثقافة والمعرفة. ويضيف: "الوضع غير مشجِّع على النشر على الإطلاق، ولم تكن الدولة في أي وقت مسؤولة عن نشر أعمال الكتاب اليمنيين". وعن تجربته في النشر، يقول: "عندما وجدت نفسي جاهزًا للطباعة، دفعت مجموعتي القصصية للنشر".

مرزاح: هي محاولات واعية وحقيقية ابتغاء تثبيت الحياة وتأكيدها، ورغبة أصيلة في التحرر والانعتاق من قيود المؤسسات الثقافية التي تسعى إلى تدجين المثقف وفرض الوصاية على مواقفه في الحياة، وتفريغه من محتواه

رسالة في وجه الموت

     القاصّة إنتصار السري، تقول في سياق الاستمرار في الكتابة والنشر، إن ذلك "رسالة لمن أراد لنا الموت؛ نقول له: سنظل نتنفس ونبدع ونصدر رغم صعوبة إمكانية الإصدار". أما عن فكرة طباعة أعمالها خارج اليمن، فتقول إنها تجربة "ليست جديدة أو متأثرة بوجود الحرب؛ لأن الطباعة خارج اليمن - رغم تكلفتها الباهظة - تحظى بالانتشار" على مستوى الأقطار العربية.  وهي تعتبر أن إقدامها على النشر خارج اليمن "خطوة تأخرت"؛ ففي رأيها أن "الإصدار في الداخل يجعلك في نطاق المحلية التي تحصرك في مدينتك، ولا تستطيع معها النفاذ إلى مختلف مدن الوطن، فما بالك بأن تكون حاضرًا خارج الحدود". ووتضيف: "نحن نبحث عن انتشار للكتاب في معارض الكتاب الدولية، المشارك فيها دار النشر التي نطبع لديها".

لسنا في موقع الحكم

     الروائي والناقد محمد الغربي عمران، يطرح قراءاته للمشهد الثقافي الراهن في اليمن، من واقع الإصدارات الحديثة. يقول: "قرأت معظم تلك الإصدارات وكتبت عن بعضها، هو نتاج جيد ولسنا في موقع الحكم، فالإبداع أفقه واسع". 

 ويضيف: "لو قرأت لبعض القاصّات اليمنيات ستدهشك تلك التقنيات المستخدمة وكذلك المواضيع التي تناقشها تلك المجاميع". كما يرى أن الرواية أيضًا تحتل مكانة أفضل، "يومًا بعد يوم"، وأن "كتابها في تجدد مستمر"؛ "مع المزيد من الإنتاج، يتطور الكاتب اليمني، ويبوح بهمومه في زمن الحرب"، ويتابع محفزًّا الكتّاب: "أشد على أياديهم ليكون الإبداع في مواجهة الخراب، وماذا ننتظر من الأدباء إزاء نتاجهم وقد أصيبت وزارة الثقافة بالتبلد، إلا أن يعتمدوا على أنفسهم فيطبعوا نتاجهم على نفقتهم الخاصة". 

 بارقة أمل ورغبة في الانعتاق

     زياد القحم، وهو شاعر وناقد يصف إصرار الكتّاب والشعراء اليمنيين على النشر الذاتي في ظل ظروف الحرب بكونه "بارقة أمل"، لكنه لا يرى هذه الخطوات كافية، على الرغم من أنه يصفها بـ"النقلة الصعبة" للمشتغلين بالكتابة في اليمن. ذلك أن "الجانب الحكومي المعني بفلترة إمكاناتهم وتطوير قدراتهم ومن ثم رعايتها، لا يلتفت إليهم"، ولذلك فهو يرى أن "الحكم على هذا العمل أو ذاك بأنه سلبي أو جيد"، أمر يصعب حسمه. "لا يوجد تقييم ولا ملاحقات نقدية، لكن لعل هذه الأنشطة لا تخلو من أعمال جيدة تستحق أن يحتفل بها المشهد الثقافي"، يضيف القحم. ويستطرد: "الجميل في الموضوع أن مسألة إصدار الكتب وطباعتها ما زالت في مقدمة الهموم لدى هذا الجيل من الكتاب والأدباء، ويظل الأجمل أن يتمكن هؤلاء الأدباء الشباب في أعمالهم القادمة، من تفهُّم حاجات القراء، ومن رفع مستوى ذائقتهم في الوقت نفسه".

     أما الناقد والقاص عبدالرقيب مرزاح، فيعتبر تبني الكتّاب والشعراء إصدار أعمالهم في ظروف الحرب، "محاولات واعية وحقيقية ابتغاء تثبيت الحياة وتأكيدها، ورغبة أصيلة في التحرر والانعتاق من قيود المؤسسات الثقافية التي تسعى إلى تدجين المثقف وفرض الوصاية على مواقفه في الحياة، وتفريغه من محتواه". 

     ويختتم بالقول: "الأعمال الأدبية التي صدرت خلال هذه الفترة، إبداعات متنوعة تطمح بوعي ورؤية إلى تحريك الركود الثقافي، وتوجيه الأوساط الثقافية والمعرفية، إلى ميادين الإنجاز وتفعيل الطاقات الإبداعية في البناء والتشييد؛ حتى يغدو الوطن خلاف ما هو عليه، ويتسنى للأجيال القادمة مواصلة الحلم والحياة".


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English