أدب كورونا، والبحث عن موطئ قدم...!

الفيروس في طريقه لإحداث تغييرات في الأنظمة التقليدية
محمد الشميري
April 9, 2021

أدب كورونا، والبحث عن موطئ قدم...!

الفيروس في طريقه لإحداث تغييرات في الأنظمة التقليدية
محمد الشميري
April 9, 2021

غيَّر فيروس كورونا، حسابات الحياة، وفرض حساباته الخاصة على كل البشر بلا استثناء، حصد آلاف الأرواح في العالم ولا يزال، وانتزع لنفسه لقب الجائحة، وصار حدث العالم وحديثه، مغلقًا الأبواب في وجه الفعاليات الثقافية والفنية، والمهرجانات ومعارض الكتب.

"خيوط" تستطلع آراء ومواقف عدد من أدباء اليمن شعراء وقصاصين وروائيين ونقادًا عن تأثر الحرف بالفيروس الذي اجتاح العالم وأطلق العنان لهاجس الذعر في كل مكان؛ لنرى هل وصل إلى الأدب؟! 

كان السؤال المطروح هل صار لدى كوفيد-19 رصيد يدرجه ضمن ما يسمى بأدب الأوبئة، هل ناوش مخيلة الأدباء والكتاب، الكاتب والمترجم، رياض حمادي، يقول في هذا الخصوص لـ"خيوط" إن الأهمية تقتضي اتخاذ فيروس كورونا ناقوس خطر من أجل إحداث تغييرات في الأنظمة التقليدية وهذا ما نرى بوادره في البلدان المتقدمة"، مؤكدًا بأن "التاريخ يخبرنا أن الحروب والأوبئة مناسبة للتغيير في أوروبا وأمريكا، وغيرها من البلدان، أما بلداننا فتحتاج إلى كارثة أكبر، وغالبًا ما ستؤول هذه الكارثة دينيًّا لصالح الرجعية، وليس التقدم والتغيير".

ويبرر حمادي رؤيته تلك إلى أن "ثمة تحوُّل كبير في نظم التقنية والاتصالات، منذ ثلاثة عقود، وتستعمل في بلداننا لترويج الخرافة أكثر من التوعية العلمية"، إلا أنه يتفاءل بأن "الأجيال القادمة ستحدث قطعية مع الماضي الرجعي وتلحق بركب الحضارة".

ويقدر حمادي، بأن الفيروس ربما وفر فرصة للقراءة والكتابة، إلا أنه يستبعد حدوث تغيير في نوع الأدب والفن، "فظهور نوع جديد من الأدب يرتبط بحجم الفاجعة وبتحولات كبرى، كالتحول من النظام الاقطاعي إلى الصناعي، وصعود الطبقة الوسطى وظهور الرومنسية"/ مؤكدًا على أن "اسم كورونا سيكون مناسبة للظهور في أعمال قادمة واقعية أو استشرافية".

خصوصية وهموم 

ترى الشاعرة، بدرية الناصر، أن "كورونا لم ينتج أدبًا خاصًّا به؛ كونه لم يمثل وعيًا جديدًا ومغايرًا للمألوف، وما حدث مجرد تمويهات، وفيروس أنتجته مخابرات عالمية ليس أكثر".

هناك من يرى بأن جائحة كورونا لم تغير في الخارطة الأدبية كثيرًا بقدر ما أثرت في المشهد الأدبي، وجعلت الأدباء يكتبون شعرهم ونثرهم، وفق نمطين؛ الأول تحت ظروف كورونا في العزلة، والثاني جعل من كورونا موضوعًا لهم، يفتش عن مصدره، ويتعقب رحلته، ويتلصص في معرفة مخاطره

لقناعتها هذه لم تلتزم الشاعرة الناصر بالعزلة المنزلية، تقول "كنت دائمًا أقوم بوظيفتي بهدوء، ولم أكتب نصوصًا خاصة بهذا الفيروس، وذكرته في نص لم يكن المحور الذي بنيت عليه، فالشعر حين يأخذ طابع المناسبات لا يبني وعيًا جماليًّا"، تنهي الناصر حديثها لـ"خيوط"، ولا تختلف عنها القاصّة والروائية أحلام يحيى جحاف، فهي تؤكد لـ"خيوط" أنها ليست مقتنعة بخطورة ما أسموه جائحة، "هناك شيء ما وراء كل هذا"، مشيرةً إلى أنها لم تغير في روتينها، "فعادة أقضي وقتي مع الكتب والكتابة" حد تعبيرها. 

ولا يعتبر الشاعر القاصّ أوراس الأرياني أثناء حديثه لـ"خيوط"، أن ما أحدثته الجائحة يصل إلى حد إنتاجها أدبًا خاصًّا بها؛ لأن "هناك قلة من الأعمال الأدبية التي تتحدث عن كورونا بشكل أو بآخر، وقليل منها تكون الجائحة محورها الرئيسي"، إلا أنه يتوقع بأن "الجائحة ستؤثر في الإصدارات الأدبية المتنوعة في المستقبل القريب، والبعيد إذا استمر"، مشيرًا إلى أن "تأثيره في الساحة الثقافية اليمنية لن يكون بنفس القدر".

واعتبر الإرياني أن التأثير سيكون في القصة والرواية أكثر منه في الشعر، كون "صبغة السوداوية، وشبح الموت، والمشاعر السلبية التي يمكن أن تصبغها الجائحة على النتاج الشعري، موجودة أساسًا بسبب الحرب، والحصار، والأزمات الاقتصادية، والخدمية".

ويقسم الإرياني تأثير الجائحة إلى تأثيرات مباشرة، تتمثل في "رمي الجائحة بظلالها على الإنتاج السردي والشعري، ومناقشة المرض وأسبابه ونتائجه...إلخ، أو في إسقاط الحالة النفسية السيئة للكاتب نتيجة ظروف الحظر، والتباعد الاجتماعي، على إنتاجه الأدبي".

فيما يذهب بالتأثيرات غير المباشرة إلى أن "الكثير استفاد من ظروف العزل الإجباري بقضاء وقت أطول في الكتابة والقراءة"، كما اعتبر أن "توقف الفعاليات للشهور الأولى، دفع هيئات ومؤسسات ثقافية في اليمن للبحث عن بدائل إلكترونية، تأخرت في استخدامها، والتعامل معها من قبل".

أدب الظرف وذعر الجائحة 

هناك أحداث تهز التاريخ، كما يقال، وتحوّل مجراه، وتغيِّر نظرة الإنسان لكثير من الأشياء، وأحداث مثل ذلك من شأنها أن تنتج أدبًا، بحسب الناقد الدكتور عبدالحميد الحسامي أثناء حديثه لـ"خيوط"، معتبرًا أن "كوفيد-19" تمكن من ذلك، وأنتج أدبًا في التأمل، وفي قراءة الإنسان، ويمكن أن نسميه بأدب الجائحة".

ويرى الحسامي بأن "جائحة كورونا لم تغير في الخارطة الأدبية كثيرًا بقدر ما أثرت في المشهد الأدبي، وجعلت الأدباء يكتبون شعرهم ونثرهم، وفق نمطين؛ الأول تحت ظروف كورونا في العزلة، والثاني جعل من كورونا موضوعًا لهم، يفتش عن مصدره، ويتعقب رحلته، ويتلصص في معرفة مخاطره، أدب الرعب والموت والرحيل،... إلخ".

الشاعر قيس عبدالمغني نفى أن يكون لكورونا أي إنتاج أدبي ملحوظ؛ نتيجة لعدم اطلاعه على الكثير من الكتابات الأدبية، التي يمكن أن ينسبها لكوفيد-19، وهذا عائد بالطبع لقلة قراءته وليس لشيء آخر حد تعبيره، إلا أنه يرى في معرض حديثه لـ"خيوط" بأن "فيروس كورونا استطاع أن يصنع لنفسه فصلًا صغيرًا في كتاب التاريخ لهذه الأرض، وسيحوي هذا الفصل ما يمكن وصفه بأدب الجائحة".

معتبرًا أن الشعر الحقيقي "لا يكتب بنية مسبقة، وإنما يحدث من تلقاء نفسه"، مشيرًا إلى أنه "كتب نصين ولّدهما ذعر الجائحة وصدمتها التي مست الجميع تقريبًا".

وتمنى عبدالمغني لو أن العزلة التي فرضتها الجائحة كانت فرصة للقراءة أكثر، "فدولابي متخم بالكتب التي أتوق لقراءتها، إلا أني لم ألتزم بالحجر"، وكأي يمني "لم أكن أملك رفاهية العزلة ونعمة الاعتزال؛ لأن التوقف بالنسبة لي يعني أسرة جائعة وديون متزايدة وإيجارات متراكمة، لذلك كنت أذهب إلى العمل كل يوم ملتزمًا بأدوات الوقاية وبالحد المستطاع من التباعد الاجتماعي".

الشاعرة سكينة شجاع الدين توقن بأن "أي حدث مستجد في أي مجتمع يحدث حراكًا فكريًّا حسب قوته وخطورته، وجائحة كورونا حدث عالمي، وبلا شك أحدث وسيحدث أثرًا على الاتجاهات كافة"، مؤكدة بأنه "أحدث حراكًا واسعًا في شتى الاتجاهات الأدبية من خلال الآثار التي تركها على النفوس؛ مما ولّد أدبًا وأبحاثًا ودراسات"، وتتوقع شجاع الدين أثناء حديثها لـ"خيوط"، بأن "الرواية في قابل الأيام ستصب في قالب الأثر الذي أحدثه هذا المرض على المجتمع، وسنجد من الشعر ما أصبح قصائد مغناة لمزيد من التوعية والحذر من هذا الفيروس". 

ووجدت شجاع الدين فترة العزل "فرصة للكتابة والقراءة أكثر من أي وقت مضى، في المقابل خرجت كمثقفة من خلال هذه التجربة برؤية مختلفة في كتابة النص الأدبي الذي تغيرت فيه على الأقل زاوية الرؤية للحياة وشكّل الموت الذي نطارده أو يطاردنا".

سؤال الوجود وإجابات مؤجلة 

هناك من لا يعتقد بأن كورونا أنتج أدبًا؛ لأنه (الوباء) مضمون شعري وسياق اجتماعي وتاريخي لم ترافقه ظهور أشكال أو أجناس جديدة في الأدب، وإنما حصل تغير في طرق الإنتاج والتلقي، ولا شك حضور لموضوعات وثيمات وتبدل في منظور الأنا وأدوارها وحضور النظرة الكونية للفنائية الذاتية.

الشاعر الناقد، عبدالعزيز الزراعي يقول لـ"خيوط"، إن الأدب في عهد كورونا اكتسب همًّا كونيًّا وعالميًّا، حتى وهو يعبر عن ذات منكفئة على ذاتها ومحاصرة، ولكنه ذلك الانكفاء والحصار من عدو مشترك يهدد البشرية، وفي لحظة تتمرس فيه الذات مع غيرها، وتتواصل يوميًّا مع الآخر فلا تشعر بالوحدة بل بوعي كوني عالمي".

من جهته يرى الشاعر، أحمد عفيف النجار، أن "الجائحة أنتجت أدبًا خاصًّا بها، بل فعلت ذلك وأكثر، إلى اللانهائية وما بعدها، وتحديدًا الشعر، كونها وضعت الشاعر وجهًا لوجه أمام تساؤلات جدية ومربكة، ومدى أبعد من أن يبحث عن إجابة".

وغير فيروس كورونا كما يرى كثيرون مدى الشعر من عالم اليوتوبيا إلى جدية اللحظة، لم يعد الشعر ولن يعود يوتوبيا من بعد كورونا".

الأكاديمي الناقد الدكتور، صادق السلمي، قال لـ"خيوط": "إنه من المبكر جدًّا الحصول على إجابة قاطعة لإنتاج كورونا أدبًا خاصًا به أم لا"، فهو يعتبر أن الظاهرة الأدبية محكومة بقوانينها الخاصة، وتحتاج مساحة زمنية تأملية بين الحدث المؤثر ونشأة الظاهرة الناتجة عنه، "فإذا كنا ما زلنا حتى الآن نعيش الحدث، وما زال القول بزوال الحدث رجمًا بالغيب، فإن الحديث عن النتيجة، لا يمثل حتى الآن ما يمكن أن نطلق عليه ظاهرة أدبية أو مسارًا إبداعيًّا متأثرًا بالجائحة"، حد تعبير السلمي.

في اتجاه مغاير، هناك من يعتقد أن الجائحة أنتجت أدبًا خاصًّا بها، على الرغم من صعوبة الأمر والهلع الذي عاشه الناس إلا أن كل المسارات استثمرت الجائحة لإنتاج أو تطوير ما هو حاصل

ويشدد السلمي "على ضرورة انتهاء الحظر لتعود الحياة إلى طبيعتها، وتتاح فرصة للمبدعين لتأمل حدث الجائحة وفلسفته إبداعيًّا في نصوصهم الأدبية، ثم طباعة ونشر إبداعهم، لتغدو بين أيدينا مدونة إبداعية يعتد بها، حينها نستطيع الجزم بوجود أدب خاص بجائحة كورونا".

نصوص مندفعة 

أنتجت كورونا نصوصًا أدبية لا بأس بمستواها، لكن لا ترتقي إلى إمكانية اعتبارها أدب خاص؛ لأن الأدب الحقيقي يتشكل عبر مراحل طويلة من تغير الذات البشرية وملامح الوقت.

ويعتقد الشاعر زندان التهامي، كما يقول لـ"خيوط": "إن كورونا بأن "جائحة كورونا لم تغيِّر خارطة العالم ذلك التغيير الشامل، فالقوى العالمية ما زالت هي، وما زال الإنسان هو ذات الإنسان، لم يرتفع منسوب التعاطف الإنساني بين الأمم ولم يقِلّ، انخفضت البورصات وعادت إلى مستواها، خلت الشوارع ثم عادت إلى ازدحامها، حدثت المشادات الكلامية وتبادل التهم بين القوى الكبرى، ولم يحدث خلاف جوهري في سياساتها".

وهو ذات التغيير الذي يراه التهامي في الخارطة الشعرية، إلا أنه مؤقن بأن "النص الأدبي الذي أنتجته كورونا سيترك أثرًا لمن يقرأه بعد عقد من الزمان"، ويستطرد بالقول: "لا أستطيع أن أحدد مدى الأثر في روح المتلقي الذي سيأتي بعد، لأني قرأت نصوصًا شعرية فقط، وهذه النصوص لم تحمل الدهشة وتفلسف اللحظة وتخترق حاجزها لترى الوجه الحقيقي لهذه الجائحة".

في اتجاه مغاير، هناك من يعتقد أن الجائحة أنتجت أدبًا خاصًّا بها، على الرغم من صعوبة الأمر والهلع الذي عاشه الناس إلا أن كل المسارات استثمرت الجائحة لإنتاج أو تطوير ما هو حاصل.

واتجه العالم كما يرى الشاعر والقاص محمد الغرباني إلى استثمار الذكاء الصناعي لإنجاز المهام ومعالجة البيانات وغيرها من الأمور التي ستعمل على تغيير مسار العالم في كل المجالات"، مع أن الغرباني يعتبر نفسه من الذين يتأخرون في تقييم شيء ما حتى يأخذ حقه من البحث، فإنه يرى أن "لهذا التغيير تأثيرات كبيرة على العالم بالدرجة الأولى من الصراع حول البيانات والديمقراطية وحوكمة الإنترنت وغيرها، والتغيير على المسار الأدبي بشكل عام يخضع ويتأثر بهذه الأشياء.

اكتمال مشهد الأسى

لا يعتقد الشاعر سامي الأكوع، بأن تغيرًا حدث للخارطة الأدبية بسبب كوفيد-19؛ ففي نظره "معظم ما كتب عنه -إن لم يكن كله- مجرد انطباعات مستعجلة تفرضها الأخبار السريعة على مواقع التواصل الاجتماعي، ليظل الكاتب لاهثًا في ملاحقة للسرعة الكاذبة أو الصادقة بدون عمل حقيقي واعٍ لما يريد"، منوهًا إلى أن كورونا لم يُدخل في نصوصه أي شيء، ويستطرد في حديثه لـ"خيوط": "أنه وبصفته يمني يرى كورونا مجرد مرض من الأمراض الكثيرة الخطيرة التي تجثم على اليمني ويظل متعايشًا معها دائمًا".

الشاعر زياد القحم، يرى في حديثة لـ"خيوط"، بأن هناك كتابًا أوصلوا موادهم الأدبية المتعلقة بجائحة كورونا عبر منصات التواصل الاجتماعي، ويقول بأن نوعية هذا المواد "منها للتعبير عن حالة الفزع، وهي صاحبة الحظ الأقل في دخول المدونة الأدبية، أو تلك التي تناولت تأثير الجائحة على العالم أو علاقتها بفهم الحياة، وهذه ستكون محل تداول وتحليل بشكل أكبر".

ويوضح أن "الرواية ستكون حاملًا مميزًا لهموم الجائحة إلى القراء في الأزمنة القادمة، في عالم الكتاب المطبوع، وستستفيد من الأعمال المستعجلة المنشورة عبر منصات التواصل الاجتماعي حاليًّا".

فيما يتوقع الكاتب والروائي، الغربي عمران، بأن أثر جائحة كورونا في الأدب بعيد المدى، وستقدم من وحي أوضاعه آلاف الأعمال مستقبلًا، ويؤكد لـ"خيوط": "حاليًّا لا يمكن أن نحكم بوجود أدب له صلة بكورونا، لكننا نتخيل أثره الكبير على الوعي والمخيلة مستقبلًا".


•••
محمد الشميري

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English