لبنان: نظام التعليم المدمج وتهديد مستقبل الطلاب

الجائحة تضع جيلاً من اللبنانيين خارج المنظومة التعليمية
December 30, 2020

لبنان: نظام التعليم المدمج وتهديد مستقبل الطلاب

الجائحة تضع جيلاً من اللبنانيين خارج المنظومة التعليمية
December 30, 2020

صهيب جوهر - صحافي لبناني

"الإنترنت بطيء جدّاً والكهرباء تنقطع باستمرار. ولدينا جهاز لابتوب واحد أتشاركه مع أخوتي وبالتالي أضطرّ أحياناً إلى التغيّب عن بعض الصفوف، فيقوم الأساتذة بتوبيخي"، هكذا يصف عبد الله عيتاني (16 سنة، طالب في الصف العاشر في ثانوية ببنين الرسمية في محافظة عكار) يومياته مع التعليم من بعد مختصراً الأزمة لدى غالبية الأسر اللبنانية. فمشكلة عبد الله هي نفسها مشكلة آلاف الطلاب في عكار، شمال لبنان، حيث الغياب التام للدولة وخدماتها، لكنها أيضاً مشكلة طلاب لبنان كله، حيث تعتبر تكلفة الانترنت من الأعلى عالمياً والأقل جودة، ناهيك بعدم توفر أجهزة تكفي أفراد الأسرة ممن هم في سن التعليم، إضافة إلى ضعف جهوزية القطاع التعليمي لقفزة من هذا النوع.

ويشكو عبد الله أيضاً من أن جزءاً غير يسير من المقرر الدراسي لا يستطيع حضوره أو الحصول عليه لاحقاً بسبب التغيب اللاإرادي عن الصفوف.

هذا إضافة إلى أنّ إمكان حضور الحصص المسجلة يبدو صعباً بسبب الحجم الكبير للمادة المسجّلة وحاجتها إلى خدمة الانترنت توفر سرعة التحميل، وهو أمر غير متوفّر.

حال نادر الصايغ، وهو طالب في الصف الثانوي الثالث في إحدى المدارس الخاصة في "المتن"، لا يختلف كثيراً عن حال عبدلله. فقد شعر نادر بأنّ الظروف التي رافقت الموجة الأولى من "كورونا" أدت إلى ضياع العام الدراسي وبأن المستقبل بات مهدداً، يقول نادر، "الأساتذة والإدارة عجزوا عن استيعاب الصدمة لذا كانوا يعودون إلينا بكلام التطمينات فقط، فيما مباشرة استكمال العام ضاعت ومواد كثيرة مرتبطة بهذا العام الحالي لم ندرسها بسبب انتهاء العام الدراسي الماضي باكراً". ويجد نادر صعوبة في متابعة الدروس على التطبيقات التي تحددها المدرسة، ويخشى أن تضيع سنة أخرى من عمره، وهو طالب شهادة رسمية يحتاج لمتابعة مكثّفة من المدرسة، في هذه السنة المفصلية قبل دخوله الجامعة.

الفشل الحكومي في مقاربة انعكاسات جائحة "كورونا" لم يقتصر على الجانب الصحي والاقتصادي بل انسحب أيضاً على التعليم وخصوصاً الرسمي الذي يعاني أصلاً من إهمال ممنهج ومتراكم، لتأتي الجائحة وتعمق الفجوة بين القطاعين العام والخاص وتضع جيلاً كاملاً من اللبنانيين خارج المنظومة التعليمية

أنس طالب في الصف الثانوي الثالث يستعدّ للشهادة الرسمية، يقول إن باقة الإنترنت في المنزل لا تكفيه وأخوته، أخته الطالبة الجامعية وشقيقه المهندس الذي بات يعمل من البيت. فبعد نصف ساعة تبدأ الشبكة بالانقطاع ما يضطره إلى استخدام الإنترنت من هاتفه عبر باقة شهرية بقيمة 30 GB بمعدل استخدام GB واحد في اليوم، ويكلفه ذلك نحو 75 ألف ليرة لبنانية ناهيك بتكلفة الشبكة المنزلية التي تبلغ 65 ألف ليرة شهرياً.

ذلك جزء من الضياع والإرباك الذي يواجهه معظم طلاّب لبنان بسبب البنى التحتية التعليمية الهشّة والفوضى وغياب الخطط اللازمة، ما حوّل حياة التلاميذ الى جحيم، فالمدرسة التي كانوا يذهبون إليها رغماً عنهم، أصبحت مطلباً ملحّاً بعد تجربتهم التعليم من بعد.

فالفشل الحكومي في مقاربة انعكاسات جائحة "كورونا" لم يقتصر على الجانب الصحي والاقتصادي بل انسحب أيضاً على التعليم وخصوصاً الرسمي الذي يعاني أصلاً من إهمال ممنهج ومتراكم، لتأتي الجائحة وتعمق الفجوة بين القطاعين العام والخاص وتضع جيلاً كاملاً من اللبنانيين خارج المنظومة التعليمية.

الأهل: معاناة مضاعفة

لعل الأهل هم الأكثر تأزماً على المستويات كافة. تروي منال (41 سنة) وهي أم لثلاثة تلامذة في مدرسة رسمية في بيروت أنها تعاني كثيراً مع أبنائها لمواكبة التعليم من بعد. فوضعها المالي لا يسمح لها بشراء هواتف أو أجهزة كمبيوتر للجميع في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة وتراجع عمل زوجها. وتتحدث منال عن أن الإنترنت لا يسعف أبناءها على متابعة الحصص مباشرة وأن الكثير من شركات خدمات الإنترنت رفعت تعرفتها إضافة إلى أزمة انقطاع الكهرباء المستمرة وصعوبة تأمين اشتراك في مولد كهربائي، بعد ارتفاع الفاتورة بشكل جنوني. لذا فهي ترى أنه من الأفضل إعادة التعليم إلى المدارس لأن نظام "الأونلاين" أثبت فشله مع الطاقم التعليمي الرسمي في لبنان.

تتفق ناديا خليل (48 سنة) مع منال، فهي أم لخمسة أبناء 3 منهم في مدرسة رسمية واثنان في مدرسة شبه مجانية في زحلة. تشكو ناديا - التي فقدت زوجها وتعمل في مطبخ خيري لـ3 أيام في الأسبوع لتعيل أسرتها- من ظروف التعليم السيئة. فهي تقوم باستعارة حاسوب جارتها أثناء حصص أبنائها لأنهم لا يملكون سوى جهاز واحد ثابت في المنزل وهاتف الأم. وفي حال انقطعت الإنترنت أو الكهرباء يتغيّب الأبناء عن الصفوف بشكل كامل. وتخشى ناديا على مصير أبنائها، واصفة أداء المدرسة الرسمية بـ"السيئ والمخجل ولا يراعي الظروف الاجتماعية للطلاب".

الأساتذة: معاناة الإهمال الرسمي

في ضفة أخرى، يرى أستاذ الفلسفة في ثانوية مشغرة الرسمية في البقاع الأوسط طنوس الحايك أنّ "كورونا فضحت النظام التعليمي الهش وغير الجاهز لأي ظروف استثنائية"، معتبراً أنّ الدولة "فشلت خلال العقدين الماضيين في تطوير أستاذ المدرسة الرسمية لحسابات سياسية وتجاذبات بين القوى السياسية والطائفية في وزارة التربية والتعليم".

وكانت الوزارة نظمت أخيراً دورة من ساعتين للأساتذة مجتمعين من دون تأمين إنترنت جيد في المدارس لمواكبتها. وبقي على عاتق الأستاذ تأمين انترنت عالي الجودة وكهرباء واستخدام جهازه الشخصي من راتب متآكل. وعلى رغم ذلك تجاوب معظم الأساتذة وخصوصاً الشباب منهم كونهم أقرب إلى عالم التكنولوجيا من زملائهم كبار السن، كما سمح للمعلّمين في بعض المناطق بالمجيء إلى المدارس واستخدام الأجهزة لإعطاء الدروس.

وليست المدارس الخاصة بمنأى عن تخبط تلك الرسمية على رغم الإمكانات المتاحة لها. وتقول مديرة مدرسة "وست هيل كوليدج" الخاصة في بعقلين وفاء أبو حمدان إنها عمدت إلى تدريب الأساتذة على استخدام تطبيقات التعليم عن بعد خلال عطلة الصيف مستفيدة من دروس الموجة الاولى من الجائحة لكن ذلك اختلف بحسب المدارس. ولفتت أبو حمدان إلى أنها وبعض إدارات المدارس الاخرى قدموا حسومات للأهالي على الأقساط المدرسية نتيجة التعليم عن بعد والأوضاع الاقتصادية الصعبة، مستغربة وعود الحكومة بدعم المدارس الخاصة ومؤكدة على أن وزارة التعليم تكتفي بإرسال إرشادات صحية للمدارس بالتعاون مع وزارة الصحة.

ويشير المهندس رامي الصايغ وهو عضو اتحاد لجان الأهل وأولياء الأمور في المدارس الخاصة في لبنان إلى أن المدارس التي رفعت أقساطها لا تتجاوز نسبتها 5% وفق أرقام إتحاد اللجان الأهلية. لكن الصايغ يخشى أن يتحول التعليم المدمج حجّة للبعض لرفع الأقساط تحت عناوين المستلزمات الصحية والتعليم الآمن، وهذا ما ستعمل لجان الأهل على التصدّي له بحسب الصايغ لا سيما أن بعض المدارس منع الطلاب الذين لم يسددوا الأقساط من حضور الدروس عبر منصات التعليم لكن الأمر تمت معالجته عبر وزارة التربية.

وكانت اللجان خاضت العام الماضي معركة منع رفع الأقساط واستطاعت تسجيل فوزها في ظلّ محاولات بعض الإدارات الالتفاف على الظروف الاقتصادية وجائحة "كورونا" لزيادة الأقساط. لكن وبحسب الصايغ فإن أي زيادة تحتاج لتوقيع الإدارات الخاصة مع لجان الأهل على موازنة العام وهذا حكماً قانون لا يمكن تجاوزه إلا في حال تواطؤ اللجان مع الإدارات.

ويؤكد أن جائحة "كورونا" وبعيداً من جوانبها المدمرة وفرت على المدارس الخاصة مصاريف تشغيلية كالصيانة والوقود والكهرباء ومصاريف لوجيستية كانت المؤسسات الخاصة تقوم بصرف ميزانيات كبرى عليها.

وتحذر جوانا خوري وهي عضو لجنة أهل في ثانوية رسمية من "كارثة تعليمية كبيرة إذا لم تستطع الوزارة الوفاء بوعودها بعد عطلة الأعياد واتخاذ قرارات صارمة. فالفجوة بين القطاعين العام والخاص تنعكس تلقائياً على الناحية العلمية والنفسية لطالب المدرسة الرسمية، ما يعني أننا دخلنا نفقاً مظلماً مع طلاب هذه السنة، إذ لا مستقبل تعليمياً في ظلّ واقع سياسي واقتصادي وأمني كارثي".

الجائحة المستجدة زادت حالة التشتت الحكومي في اتخاذ قرارات مناسبة، وعليه فإن قرار التعليم المدمج، الذي يجمع بين التعليم الحضوري والتعليم من بعد ، لا يستند بحسب مصادر تربوية مطلعة إلى أي دراسة تحاكي الواقع والتجهيزات في المدارس الرسمية تحديداً

وتلفت خوري إلى أنه "في المدارس الخاصة تم تحضير الأساتذة وتدريبهم على المنصات الإلكترونية للتعليم وتم إرسال برامج تعليمية للأهل كي يتمكنوا من مساعدة أبنائهم وبخاصة في الأعمار الصغيرة، بعكس ما حصل في المدارس الرسمية حيث التخبّط سيد الموقف بداية من تأجيل انطلاق العام وعدم اتخاذ قرار واضح بالتعليم المدمج وصولاً إلى عدم جهوزية المدارس الرسمية بالمستلزمات الصحية والتباعد الاجتماعي وغيرها من البنية التحتية".

التعليم المدمج... حل ولكن؟

كانت خلية الأزمة الحكومية تناقش منذ بداية الصيف حلولاً تعليمية تنهي الضياع التربوي الذي عاشه لبنان منذ ما قبل الجائحة، أي منذ انطلاق انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، وما شهدته من قطع طرق وإقفال مؤسسات رسمية وخاصة، على رأسها المدارس. لذا فإن الجائحة المستجدة زادت حالة التشتت الحكومي في اتخاذ قرارات مناسبة، وعليه فإن قرار التعليم المدمج، الذي يجمع بين التعليم الحضوري والتعليم من بعد، والذي يلاقي رفضاً لدى شريحة وقبولاً لدى أخرى، لا يستند بحسب مصادر تربوية مطلعة إلى أي دراسة تحاكي الواقع والتجهيزات في المدارس الرسمية تحديداً، لأن وزارة الصحة لا تستطيع تأمين المستلزمات الصحية المعلن عنها في خطة وزارة التربية.

وتلفت الأخصائية التربوية تالا بدر إلى عقبة إضافية تتعلق بمن يعانون صعوبات تعليمية. وتقول: "التعليم المدمج مهم ولكن نتائجه ليست أكبر وأهم على مستوى الفهم والشرح والتواصل المباشر مع الطلاب"، لكن ذلك لا يعني أن بدر تحبذ العودة إلى المدارس لأن نتائجها قد تكون كارثية على المستوى الصحي. وتسرد قصة حدثت في مدرسة خاصة عن انتقال عدوى "كورونا" من أحد الطلاب إلى زميله الذي بدوره نقلها إلى والده وأسرته. توفي الوالد فيما أحد أفراد العائلة لا يزال في العناية المركزة في أحد مستشفيات بيروت لذا فإن الخوف أيضاً أن يكون الواقع في المدارس الرسمية أكثر صعوبة حيث الإهمال وغياب التباعد الجسماني.

المركز التربوي للبحوث... أزمة البنى التحتية

يقول الدكتور هشام الخوري مستشار المركز التربوي للبحوث والإنماء التابع لوزارة التربية اللبنانية لـ"درج" إن "الأساتذة في التعليم الرسمي تُركوا لوحدهم لإيجاد حلول لاستكمال العام الماضي رافضاً الحديث عن أن المركز تقاعس بعد الموجة الأولى". ويضيف: "قمنا بجهد جبار في العملية التطويرية للمعلمين، لكن ذلك لم ينعكس إيجاباً حتى اللحظة بسبب الأزمات الاقتصادية والسياسية التي تمر على لبنان". ويتابع: "أطلق المركز منذ فترة حملة تدريب كبيرة لكل الأساتذة بالتعاون مع كل أجهزة الوزارة لكن الكثير من الأساتذة يتقاعسون عن المشاركة بحجج كثيرة غير مقنعة"، لكن نتائج البرامج بحسب الخوري "جيدة جداً".

وحول الأضرار التي عصفت بقطاع التعليم اللبناني يشدد خوري على أن نزوحاً كبيراً شهدته المدارس الخاصة باتجاه المدرسة الرسمية بسبب عدم القدرة على سداد الأقساط الكبيرة، فيما المركز التربوي عمل على خلق منصة للتعليم من بعد، على رغم المعوقات المادية واللوجستية والبنيوية كالإنترنت والكهرباء. واعتمدت هذه المنصة على دراسات معمّقة عن واقع التعليم والظروف التي يمرّ بها الطالب وقدرات الأهل، وهي ثمرة استبيان شارك فيه 7 آلاف معلّم. ويختم الخوري بالقول إن الحلّ الأمثل هو بالتعليم المدمج الذي سيعزّز حبّ التعلم عند الطلاب وسيعالج التسرّب المدرسي لأنه بات واجباً السعي لحثّ الطالب أن يكون شريك في البحث عن المعلومة في هذا القرن.

أُنجز هذا التحقيق بدعم من "منظمة دعم الإعلام الدولي" (IMS) وبالتعاون مع مؤسّسة "روزنة" للإعلام ومنصّة خيوط اليمنيّة وموقع "درج".


•••

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English