عبدالله الذي يلخص مسيرة بلد

من الكفاح المسلح إلى سقوط اسمه من كشوفات المعونة
منصور أبو الفضل منصور
October 12, 2021

عبدالله الذي يلخص مسيرة بلد

من الكفاح المسلح إلى سقوط اسمه من كشوفات المعونة
منصور أبو الفضل منصور
October 12, 2021

أولى ساعات الصباح. أرتشف كأس البنّ وكأنني أرتشف الحياة. أوراق وأغصان الأشجار تتراقص على أنغام الأغنية الشهيرة للفنان القدير أحمد السنيدار "ما أجمل الصبح في ريف اليمن حين يطلع".

تُصافِحنا الشمس بحبّ وتمرّ على منازلنا منزلًا منزلًا، ابتداءً من أول منزل في قمة الجبل وحتى آخر منزل على ضفاف الوادي. المنزل الذي تتساقط دموعه على ساكنيه في كل مواسم الأمطار ورغم ذلك ما يزال واقفًا لم يَنهَر -حتى حين- رغم غزارة دموعه المتصاعدة في كل موسم.

الحاج عبدالله (72 سنة)، صاحب هذا المنزل، التحق بالحياة العسكرية وهو في سن الطفولة -كما يقول- وساهم في تثبيت مداميك الجمهورية، التي يكاد أن يموت تحت ظلالها جوعًا وهو من وهب في سبيلها دمه، حيث شارك في معارك الدفاع عنها أثناء حصار السبعين يومًا، وهو في الثامنة عشرة، وتعرض لإصابة في كتفه الأيمن تعيد آثارها ذاكرته لمشاهد النضال وقصص من البطولات التي خاضها فيرويها تارة بفخر وأخرى بغصة تكاد أن تخنقه.

استمر الجندي عبدالله في خدمة وطنه مؤدّيًا واجبه الوطني في سهول تهامة وجبال حجة ثم صنعاء، قبل أن يترك الجيش وهو برتبة ملازم في العام 1977، بعد أن اغتالت أيادي الظلام من كان يراه الحاج عبدالله والكثير من اليمنيين فجر هذا الوطن المثخن بالجراح. فمنذ أن غادر الرئيس الحمدي الحياة لينتقل إلى الأبدية في قلوب الأجيال، غادر الحاج عبدالله الجيش وصنعاء معًا، ولم يعد لأيٍّ منهما مرة أخرى.

في العام نفسه الذي جرف الحزن قلبه برحيل زوجته، جرفت سيول الأمطار ثلثي مساحة القطعة الزراعية الوحيدة التي كان يملكها قرب الوادي، لكنه كما يقول لم يكترث؛ فالمصيبة الأولى جعلته يرى أن ما دونها هيّنًا.

عاد إلى قريته النائية في مديرية كسمة، محافظة ريمة، يعتاش من الزراعة؛ فقد كانت تمنحه قطعة أرضه الزراعية الصغيرة بقدر ما كان يمنحها من عرق جبينه، فيجني قوت من يعول؛ بناته الخمس وزوجته التي تُوفِّيَت بين يديه، قبل عقد، بحمى شديدة لم يعرف سببها لظروفه المادية التي جعلته أسير العجز، حتى أمام محاولة واحدة لإنقاذها.

أدمت قيود العجز قلبه، وما زالت تلك الجراح تنزف حزنًا رغم مرور السنين، ويظهر ذلك من خلال دموعه التي تتساقط بكبرياء كلما ذكر أو تذكر شريكته التي قاسمته سنين المعاناة حتى فاض بها الألم ففاضت روحها وتركته يواجه الحزن والألم وحيدًا مع إحدى بناته التي رفضت الزواج لتعتني بوالدها، بعد أن تزوجن بقية أخواتها.

في العام نفسه، الذي جرف الحزن قلبه برحيل زوجته جرفت سيول الأمطار ثلثي مساحة القطعة الزراعية الوحيدة التي كان يملكها قرب الوادي، لكنه كما يقول لم يكترث؛ فالمصيبة الأولى جعلته يرى أن ما دونها هيّنًا، فهي الخسارة التي لا تعوض.

بدأ الحاج عبدالله مرحلة جديدة من حياته، فقد انتقل من الزراعة إلى الرعي فقد كان يرعى عددًا من المواشي لأحد أبناء القرية بالشراكة، وهكذا قضى أيامه حتى أوقفه الكِبَر فاستلمت راية الرعي ابنته ترعى المواشي لترعى نفسها ووالدها الذي يرعاها بعينيه الذابلتين من على سطح منزله كل صباح منذ خروجها حتى عودتها.

لاقى هذا المسِنّ تعسفَ أحد مشرفي جماعة أنصار الله (الحوثيين) في المنطقة، حيث قام بحذف اسمه من كشوفات المعونات الإغاثية التي تقدمها إحدى المنظمات العاملة في مجال الإغاثة، واستبدل اسمه باسم والد أحد المقاتلين في صفوف الجماعة، لكن الحاج عبدالله رفض -خوفًا- توثيق ما لاقاه من تعسف واكتفى بقوله: "الشكوى لغير الله مذلة".


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English