مسار الأحداث في اليمن: البيض في سلة التحالف

اتفاق الرياض.. جمود عند درجة الغليان
د. أحمد سنان
November 15, 2021

مسار الأحداث في اليمن: البيض في سلة التحالف

اتفاق الرياض.. جمود عند درجة الغليان
د. أحمد سنان
November 15, 2021
Photo by: Hamza Mustafa © Khuyut

لقد تحول اتفاق الرياض إلى ماراثون سياسي لا تظهر له نهاية في الأفق؛ فمنذ التوافق على آلية تسريع تنفيذ بنوده لم نرَ جدية من الرعاة في توفير شروط نجاحه كي يتحول إلى نموذج يمكن البناء عليه في الوصول إلى صيغة للحل الشامل في البلاد.

لقد أرادت السعودية من سفيرها آل جابر تحويل هذا الاتفاق إلى مسمار جديد من مسامير (طيب الذكر جحا)، ولكنه مسمار تجريبي لمدى قدرتها على ممارسة الهيمنة الفتاكة تجاه المناطق التي تحيطها قواتها أو يلعب فيها وكلاؤها الذين رعتهم لعقود طويلة ماضية. مسمار يجب أن يعمق ويعزز مذهبها القديم في علاقتها القائمة على الحيلولة دون استقرار جيرانها. آل جابر ليس إلا استمرارًا للملحق صالح الهديان مهندس "الاغتيال السياسي"، وربما يجمع بين الهديان وبول بريمر الذي أشعل العراق قتلًا وفسادًا.

لذلك نرى آل جابر يتصرف كحاكم عسكري كاريكاتوري أكثر منه سفيرًا. الغريب في الأمر أنه هو من يحدد من الذي يجب أن يبقى في البلاد ومن الذي يجب عليه مغادرتها ومن يعود ممن يُنفى من الأرض، والأغرب من ذلك أن من اليمنيين من يعوم على عومه ويعتبر أوامر سعادة السفير قولًا منزلًا واجب النفاذ. إذن، لِمَ علينا أن نتوقع أن تغير السعودية نهجها العدائي حيال بلادنا؟! لا يوجد مؤشر واحد يعزز هذا التوقع الذي يروج له بعض الساسة المتكلسين في مواقعهم. لِمَ علينا استغفال عقولنا ونعتقد أن السعودية تبحث وتعمل لمصلحتنا؟! من متى كان ذلك؟

حتى عندما كانت تدعم الملكيين عقب ثورة 26 سبتمبر كانت تدعم كذلك مشايخ القبائل -بينما دولة آل سعود نفسها قضت على نفوذ مشايخ القبائل في نجد والحجاز- هؤلاء المشايخ الذين كانوا يعملون في خدمة الإمام ثم تمردوا عليه على حين غفلة، لكنها لم تكن داعمة للثورة التغييرية التي هي جوهر سبتمبر، بل كانت ترغب في صياغة نظام آخر موازٍ مفرغ من المضمون الوطني والتحرري، كما كان يعتقد البردّوني، يكون على تضاد مع مفهوم الدولة. نظام يديره وكلاء موثوقون.

يعكس هذا الوضع حالة الانسداد في أفق الحل السياسي للتحالف في إرساء دعائم الحل الشامل للمعضلة اليمنية، وحتى محاولات الحل عبر التجزئة لم تفد نفعًا. لقد بدت تلك المحاولات غير منسجمة مع الواقع ولم تتوفر على ضمانات نجاح حقيقية لبلوغ الهدف المعلن، إنها في كثير من جوانبها زادت المشهد السياسي اليمني تعقيدًا

لقد تصدت السعودية ذاتيًّا لتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2216 لعام 2016، على الرغم أن القرار لم ينص صراحة على شن الحرب، كما لم يعقد مجلس الأمن الدولي أي اتفاقات مع أي طرف دولي للقيام بذلك. ومع ذلك وضعت السعودية نفسها موضع الوصي الفعلي على مسار الأزمة اليمنية وصادرت قرار (الشرعية) التي تدعي أنها تناصرها.

ولكنها أخفقت في القيام بدورها المعلن ذاك، وأهملت واجباتها الأخلاقية والشرعية المترتبة عن تلك الوصاية المتمثلة في حماية وتنمية موارد البلاد ومقدراتها الاقتصادية والبشرية. ومارست خلال الحرب سياسة تدميرًا للبنية التحتية بدافع التدمير لإنهاك البلاد، وليس بدافع ردع الحوثيين وإجبارهم على إيقاف القتال، وتبين بمرور الحرب وانسياب الوقت أن لها أهدافًا غير معلنة في الحرب ومن الحرب في اليمن.

في مارس 2021، خرجت تظاهرات منددة بعجز حكومة "المناصفة" التي أخرجتها السعودية عن القيام بواجباتها في توفير الخدمات العامة والأساسية. وقد وصل المتظاهرون إلى قصر معاشيق. حينها صرح السفير مايكل آرون سفير بريطانيا المنصرف في "صفحته على تويتر"، عقب التظاهرة الجماهيرية المناهضة لضعف الأداء الحكومي وتردي الأوضاع المعيشية على مختلف المستويات، أن "تنفيذ اتفاق الرياض هو مفتاح الحل"، واستدرك أن "الحكومة تحتاج للموارد لتحقيق الإصلاح وتحسين الظروف المعيشية". ولكن فات سعادة السفير أن أيٍّ من الحكومات التي شكلت بنظر آل جابر لم تقل إنها ستنفذ إصلاحات، ولم يتحدث أحد عن برنامج للإصلاح من أي نوع كان.

على أن كلام آرون يؤكد من جهة ثانية أن الحكومة مهما بلغت من التفاهم والانسجام لن تكون قادرة على القيام بواجباتها بدون توفر الموارد التي يحجم التحالف عن تقديمها لكل الحكومات التي تلت خروج الحوثيين. وبدلًا من أن تواجه حكومة المناصفة تداعيات الوضع فرت إلى الرياض، كما عملت الحكومات التي سبقتها. لماذا يحدث كل هذا؟ لأن السعودية ليست معنية بتوفير أجواء الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني؛ لأن توفر هذه العناصر سينفي الحاجة لبقائها، ستكون مضطرة للخروج بطريقة أو أخرى. تمامًا كما فعلت الولايات المتحدة عندما خرجت من اليابان بعد احتلال دام سبع سنوات عقب الحرب العالمية الثانية ونجاح مشرع مارشال. لكن ليس للسعودية مشروع مارشال في اليمن... 

على صعيد الموارد المالية الضرورية لتغطية نفقات تنفيذ بنود اتفاق الرياض لم يقدم رعاته التمويلات اللازمة لعملية التنفيذ والبدء بتطبيع الحياة من خلال تنفيذ برامج استثمارية ضمن خطط إعادة الإعمار، كما ظل التحالف يراقب الوتائر الفلكية لتدهور العملة الوطنية دون أن يحرك ساكنًا.

بين الفشل والرغبة في صنعه، البون ليس شاسعًا. منذ البداية أراد التحالف "بقيادة السعودية والإمارات" أن يسير الوضع من فشل إلى آخر، من شأن ذلك أن تتغذى التناقضات الاجتماعية البينية، أن تنمو الصراعات بين مختلف المكونات بسبب عدم تكافؤ المنافع التي أوجدها أرباب الحرب. يعني لا استقرار، لا دولة، لا تنمية، صراع ومزيد من الصراع في منطقة كان الاستقرار فيها استثناء. 

لقد خلقت الحرب في جنوب اليمن على الخصوص اقتصادها الخاص، وأوجدت أوعية مالية موازية خارج القطاع المصرفي (للدولة)؛ الأمر الذي قطع انسياب الدورة النقدية من وإلى البنك المركزي، وبدلًا من قيام التحالف ومعه الحكومة المعترف بها دوليًّا بمعالجة هذه المعضلة الخطيرة تم اللجوء إلى الطبع النقدي على "المكشوف". أدى ذلك إلى انهيار متسارع للعملة الوطنية حتى بلغ الدولار 1500 ريال، ولا نعتقد أن تعميم الطبعات الجديدة على كامل البلاد يمكن أن يحسن من قيمتها. لقد كان على التحالف، باعتباره يمارس الوصاية على البلاد بموجب البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، أن يمارس الإدارة الرشيدة للموارد المالية بحيث يحمي العملة من الانهيار لكنه لم يفعل. 

وقد استدعت السعودية طرفي "اتفاق الرياض" مجددًا للاجتماع لاستكمال تنفيذ بنوده. ومع ذلك لم يحدث أي تقدم يذكر، برغم صدور بيان للانتقالي يفيد بالتوافق على كثير من الأمور، وعودة "الحكومة" إلى عدن، دون أن يجري التطرق إلى ضرورة توفير شروط نجاح هذا الاتفاق.

وبمرافقة ذلك زادت حدة التصعيد بين الانتقالي والحكومة المعترف بها دوليًا منذ تم التوقيع على آلية التسريع. ففي الجبهة الإعلامية شنت المواقع التابعة للطرفين حملات واسعة ضد بعضها وضد التحالف ذاته.

وضعت الأطراف المنضوية في إطار (الشرعية) وكذلك المجلس الانتقالي الجنوبي كل بيضهم في سلة التحالف؛ الأمر الذي يجعله عرضة للكسر في أي لحظة تتغير فيها أولويات ورغبات التحالف، ولم يضعوا جميعًا ديناميكية المتغيرات في السياسة الدولية في الحسبان

وهذا بالطبع قبل التطورات الدراماتيكية الأخيرة على الأرض في معارك مأرب وسقوط بعض مناطق شبوة ثم ما تبع ذلك من انسحابات في الحديدة، باسم إعادة الانتشار، وكلها في المجمل تذهب للبوح بانعطافات غير متوقعة لبعض أطراف الحرب نحو إعادة صياغة خارطة التحالفات إما تكتيكًا أو مخاتلة أو بتوجه استراتيجي. 

ولم يقتصر التصعيد المتبادل على الإعلام فقط، بل ترافق مع تصعيد عسكري وسياسي، بدءًا من قيام الرئيس المعترف به دوليًا في 15 يناير/ كانون الثاني 2021، بإصدار سلسلة من القرارات والتعيينات أثارت جدلًا واسعًا. وأهم ملاحظة تبرز في هذا الإطار أن أيًّا من الأشخاص الذين تم تعيينهم بالمخالفة لنصوص تشريعية صريحة، لم ينافح عن هذه التشريعات على اعتبار أنهم سيكونون معنيين بصورة أو أخرى بتنفيذ القانون، ولم يعتذر أحد منهم عن قبول المنصب.

السعودية سكتت عمدًا عن كل أشكال التصعيد التي حدثت منذ أول يوم لمفاوضات الرياض وكأنها هي من يدفع نحو خلق مزيد من التناقضات والصراعات بين حلفائها. ولم تقف وقفة جادة أمام ذلك، الأمر الذي دفع الأطراف للإمعان في التصعيد.

ولكن على غير عادتها، أصدرت السعودية في 2 يوليو/ تموز 2021، بيانًا دعت فيه طرفي الصراع في عدن إلى الاستجابة العاجلة لما تم التوافق عليه، في إشارة لآلية تسريع تنفيذ الاتفاق ، وقال البيان: "إن التعيينات التي أجراها الانتقالي لا تنسجم مع ما تم الاتفاق عليه بين الطرفين". لكن الانتقالي يرى أن التعيينات العسكرية والأمنية التي أجراها تدخل في سياق إعادة ترتيب القوات التابعة له وتهيئتها لتنفيذ الاتفاق، كما أن التعيينات التي أجراها محافظ عدن تدخل في إطار صلاحياته، أسوة ببقية المحافظين الآخرين.

منذ البداية لم تظهر الحكومة المعترف بها دوليًّا، في اتفاق الرياض كطرف واحد متناغم ومحدد الهدف. فقد نشرت بعض وسائل الإعلام المحسوبة على طرف في الحكومة المعترف بها دوليًّا تحليلات مطولة عن الاتفاق، واصفة إياه بالاتفاق السري بين "أبو ظبي والرياض" وليس للأطراف اليمنية أي يد فيه، أن هذه الأطراف لم تلتقِ وجهًا لوجه، وهذا الرأي يعكس الرغبة في إفشال الاتفاق. 

يعكس هذا الوضع حالة الانسداد في أفق الحل السياسي للتحالف في إرساء دعائم الحل الشامل للمعضلة اليمنية، وحتى محاولات الحل عبر التجزئة لم تفد نفعًا. لقد بدت تلك المحاولات غير منسجمة مع الواقع، ولم تتوفر على ضمانات نجاح حقيقية (شجاعة أدبية وسياسية، وموارد مالية- سياسية- عسكرية) لبلوغ الهدف المعلن، إنها في كثير من جوانبها زادت المشهد السياسي اليمني تعقيدًا.

تسونامي من المتغيرات الدولية:

وضعت الأطراف المنضوية في إطار الحكومة المعترف بها دوليًّا وكذلك المجلس الانتقالي الجنوبي، كل بيضهم في سلة التحالف؛ الأمر الذي يجعله عرضة للكسر في أي لحظة تتغير فيها أولويات ورغبات التحالف، ولم يضعوا جميعًا ديناميكية المتغيرات في السياسة الدولية في الحسبان. لقد كان منطقيًّا جدًّا أن تنفتح هذه الأطراف على جميع اللاعبين الدوليين المؤثرين في قضايا المنطقة عمومًا، واليمن خاصة. فبينما تنفتح كلٌّ من السعودية والإمارات على الحركة الحوثية (أنصار الله) وعلى الجمهورية الإسلامية في إيران وبقية الأطراف الدولية في ماراثونات من التحاور عبر الأبواب الخلفية في كلٍّ من مسقط وبغداد، وربما في دول أخرى تظل أطراف الحكومة المعترف بها دوليًا حبيسة شرنقتها، ولم تنفتح حتى على بعضها البعض، ولو من باب رفع العتب.

لقد تغيرت معطيات كثيرة على المسرح العالمي والإقليمي، حققت منها إيران مكاسب استراتيجية وجيوسياسية مؤثرة عززت من موقفها كقوة إقليمية، وكذلك تحققت للحوثيين (أنصار الله) إنجازات سياسية ملموسة. حركت هذه المتغيرات مياهًا كثيرة في السياسة الدولية، في الوقت الذي تحول فيه اتفاق الرياض إلى مجرد جولات مكوكية بين عدن والرياض دون أن يفضي ذلك إلى انفراج في علاقة طرفيه المبنية على قواعد التنافس المناطقي ونتائج حرب 1994. ويمكن التنويه هنا لبعض هذه المتغيرات على النحو التالي:

أولًا: في 27 مارس/ آذار 2021، وقعت الصين وإيران ما عرف بالاتفاق الاستراتيجي الذي يمتد 25 عامًا. وأهم مضمون لهذا الاتفاق أنه يحقق مصالح معتبرة لطرفيه، فمن ناحية الصين فإنها بهذا الاتفاق قد حصلت على ميزات مهمة، منها:

- الممر الآمن عبر الأراضي الإيرانية إلى منطقة الخليج والشرق والأوسط وأفريقيا. 

- تأمين وارداتها من موارد الطاقة الإيرانية، برغم أن هناك من يذهب للقول إن الصين ربما تخسر النفط السعودي نتيجة هذا الاتفاق، مع أن النفط السعودي لا يشكل رقمًا عاليًا في الواردات الصينية إذا ما حسبنا الهدف المزدوج للاتفاق. 

- استخدام الصين للموانئ الإيرانية يجعلها تعزز من تأثير شبكتها الطويلة من المنشآت والعلاقات العسكرية والتجارية على طول خطوط الاتصال البحرية الممتدة من بر الصين الرئيسي إلى بورتسودان في شبه الجزيرة الصومالية (القرن الأفريقي). وتدخل فيها باكستان وسيرلانكا والمالديف والصومال. 

- الاختراق الاستراتيجي والجيوسياسي الذي ستحققه الصين بهذا الاتفاق سيحدث منازعة أو موازنة صينية للنفوذ الأمريكي في المنطقة.

- البدء الفعلي بتنفيذ ما يعرف بطريق الحرير.

وبالمقابل فإن إيران ستحقق مكاسب طموحة:

  • توفير غطاء سياسي واستراتيجي يشكل حماية لها بوجه كل من الولايات المتحدة وإسرائيل.
  • الحصول على تقنيات عسكرية صينية حديثة أو محدثة، وخاصة في مجالات التقنيات الدقيقة وتقنيات الجيل الخامس.
  • جذب الاستثمارات الصينية نحو البنية التحتية في إيران. 
  • تحديث الموانئ وخطوط النقل الإيرانية. 
  • والأهم من كل ذلك، الدخول في مواجهة نفوذ الولايات المتحدة بغطاء سياسي صيني قوي، وهي ما يعني فعليًّا إعادة صياغة التحالفات والأحلاف في المنطقة بما يخلق قواعد جديدة للتوازنات.

ثانيًا: أحدثت الانتخابات الأمريكية انقلابًا معينًا في إعادة ترتيب أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، كان من نتائجها:

  • عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاقيات الدولية التي قرر الرئيس السابق ترامب الانسحاب منها، مثل اتفاقية المناخ.
  • تراجع الولايات المتحدة عن تصنيف الحوثيين كـ(جماعة إرهابية)، وتعيين الرئيس الأمريكي في 04 فبراير/ شباط 2021، لمبعوث خاص لليمن هو تيم ليندر كينج، وقد أعلن ليندر كينج في 24 يونيو/ حزيران 2021، أن واشنطن "تعترف بحركة الحوثي طرفًا شرعيًّا في اليمن". وحينها سارعت الحكومة المعترف بها دوليًا على لسان وزير إعلامها إلى التحذير مما أسمته بالتراخي الدولي مع الحوثيين.

 وعلى إثر ذلك ردت الخارجية الأمريكية أن "الولايات المتحدة، مثل بقية المجتمع الدولي، تعترف بحكومة اليمن، وهي الحكومة الشرعية الوحيدة المعترف بها دوليًّا في اليمن".

ولكن الرسالة الأمريكية التي بعثها ليندر كينج يبدو أنها قد وصلت إلى الجهة المعنية، وليس تبرير وزارة الخارجية الأمريكية إلا مجرد جبر للخواطر التي لم تستوعب ما يدور على الساحة الدولية. 

انعقاد القمة الأمريكية الروسية في جنيف في 16 يونيو/ حزيران 2021، وقبول الطرفين تمديد معاهدة نيوستارت بين الولايات المتحدة وروسيا للحد من التسلح لخمس سنوات قادمة، بما يشير إلى محاولة لتحسين العلاقات بين الطرفين.

  • انعقاد محادثات فيينا حول عودة الولايات المتحدة وإيران للالتزام بالاتفاق النووي المبرم في 2015، على قاعدة (5+1)، إلى جانب الخطوات التخفيفية التي بدأت بتقديمها الولايات المتحدة لإيران.
  •  انسحاب القوات الأمريكية وحلف الناتو من أفغانستان.

كل هذه المتغيرات كان يجب أن تتم قراءتها بصورة دقيقة وبناء مواقف وتوجهات تساعد على بلوغ تسوية مرضية لجميع الأطراف اليمنية وتحفظ ما بقي من الدماء؛ لأن هذه المتغيرات سوف تؤثر بشكل أو بآخر على مواقف اللاعبين الدوليين مما يجري في اليمن، وربما يقود ذلك نحو تعزيز موقف الأمم المتحدة ويدفعها لوضع صيغة حل مقبولة لهؤلاء اللاعبين، ولكنها مؤلمة للتحالف والأطراف المحلية المتصارعة.

هرولة نحو التطبيع: 

بعد أن دفعت دول الخليج بالفلسطينيين نحو أوسلو في بداية التسعينيات، انتابها شعور بالراحة من الحمل الثقيل للقضية الفلسطينية كما لو كانت فعلًا تعاني بسببها من كلفة بشرية أو مالية. وبعد أن تركت الفلسطينيين وحيدين وجهًا لوجه مع الدولة الصهيونية المحتلة والولايات المتحدة، تفرغت هي للغزل مع دولة الاحتلال.

لقد تمكنت إسرائيل حينها من إحداث اختراق مقلق في منطقة الخليج على حساب الهيمنة الجيوستراتيجية لدول المنطقة. لقد بلغت الدبلوماسية الإسرائيلية العمق الخليجي واستبعدت نهائيًّا أي وجود سياسي لفلسطين، ودفعت بالعلاقات الاقتصادية والأمنية مع دول الخليج نحو مساقات بعيدة تحت ستار من السرية سميك. لكن التطورات المتلاحقة على الساحة العربية وانشغال الدول العربية الجمهورية خاصة، بحروبها الداخلية التي غذتها الأموال البترولية بسخاء إلى جانب تصدع العلاقات العربية-العربية، وذهابها نحو القطيعة الحقيقية، قد سمح للولايات المتحدة بالهجوم المعاكس لتمكين إسرائيل في هذه المنطقة كبديل محتمل لها مستقبلًا. لقد انتقل الغزل (العذري الخفي) بين دول الخليج وإسرائيل، إلى زواج شرعي مكتمل بعقد ممهور بختم القاضي الأمريكي، ولم يتوقف الأمر هنا، بل إن هذه الدول جرجرت السودان نحو الخطيئة نفسها، ولم تتخلف المملكة المغربية عن ركب الفتح الصهيوني ببواعث من الوهم أن الولايات المتحدة ستعيد للمغرب الصحراء الغربية من خلال الاعتراف بسيادة الخيرة عليها. عمليًّا لم يتبقَ غير السعودية متحفظة على طبيعة العلاقة الخاصة مع إسرائيل، ولكن "التطبيع بين السعودية وإسرائيل يلوح في الأفق"، حسب كوشنر عراب صفقة القرن. 

مؤخرًا زار وفد من الزعماء اليهود الأمريكيين السعودية والتقوا بشخصيات مهمة من العائلة المالكة وعدد من الوزراء الذين أبلغوهم أن السعودية من القوى الضامنة "لاتفاقيات التطبيع"، ويقول رجل الأعمال اليهودي–الأميركي فيل روزِن إنّ "السّعوديين يُعدّون شعبهم للتّطبيع مع إسرائيل. إنَّهم يرون في إسرائيل قوّة عظمى، وينفعلون من قدرتها على الدفاع عن نفسها في المنطقة. ويضيف قائلًا: "لا أعتقد أن السعوديين سيشترطون السلام مع إسرائيل بتقدّمٍ مع الفلسطينيين؛ إنهم ينتظرون الوقت المناسب بالنسبة إليهم". إذن، هناك متغيرات متسارعة لا يمكن الوقوف بوجهها بأيد عارية، بدون مشروع مقابل. بالتأكيد فإن تسارع حدة هجوم التطبيع قد أثر وسيؤثر مستقبلًا على مزاج المواطن العربي واليمني، ولا بد أن يلقي ذلك بظلاله على مجريات الحرب والتحالفات وملفات التسوية. 

المتغير الأكثر دراماتيكية هو عودة طالبان لحكم أفغانستان على مرأى ومسمع من العالم أجمع. 

هل فعلا انتصرت طالبان على الولايات المتحدة؟

إذن، لماذا لم ينتصر العراق وهو يمتلك أفضل وأقوى جيوش المنطقة، وأكثر تطورًا علميًّا وتقنيًّا واقتصاديًّا، والشعب العراقي هو الأعلى من حيث مستوى المعيشة؟

لا يمكن الحديث على أي نصر من أي نوع هنا؛ فالولايات المتحدة لم تذهب لأفغانستان لبناء دولة أو اقتصاد، كما قال جو بايدن. لقد ذهبت إلى هناك للقضاء على طالبان بعد تدمير التمثالين، هكذا كان مبرر الحرب.

لكن طالبان صنيعة أمريكية، كما قال الرئيس الباكستاني السابق برويز مشرف: "طلبت منا أمريكا تشكيل قوات لمواجهة أمراء الحرب الذين ظهروا عقب انسحاب القوات السوفيتية من أفغانستان"، وقد تشكلت من مرتادي المدارس الدينية الأفغانية والباكستانية وأسندت قيادتها للملا محمد عمر. أغلب أمراء الحرب هناك كانوا عملاء للمخابرات الغربية، أي إن الغرب برغم توحده لإزاحة السوفييت من أفغانستان وإلحاق الهزيمة العسكرية والنفسية بقواته، إلا أنهم من جهة ثانية خاضوا منافسة ضارية على النفوذ في هذه الدولة المدمرة.

ولذلك ليس غريبًا أن يتنافس الغرب مرة أخرى في الأمر ذاته، فها هي عمدة باريس تطلب من دولتها دعم المقاومة ضد طالبان بقيادة نجل أحمد شاه مسعود، العميل السابق للمخابرات الفرنسية. وربما تحدو بقية الدول حدوها في دعم عملائها أو ورثائهم. وربما تقوم السعودية بدعم جماعة عميلها قلب الدين حكمتيار.

 لقد كانت "المساعدة العسكرية والمالية للمعارضة الأفغانية (1979-1989) من المملكة العربية السعودية تعادل 3 مليارات دولار، بشكل عام، المبلغ نفسه الذي أنفقته وكالة المخابرات المركزية. وتزعم بعض المصادر أن المساهمة المالية للسعودية كانت أكبر من ذلك بمرتين. وقد تم تحويل معظم الموارد المالية للمعارضة الأفغانية بشكل علني من ميزانية المملكة. والجزء الآخر (من الأفراد والجمعيات الخيرية) جاء من تبرعات الأمراء السعوديين ومجتمع الأعمال في المملكة وتبرعات المساجد"، كان الهوس السعودي بإسقاط النظام الشيوعي في أفغانستان يعادل هوسها بإسقاط النظام في اليمن الديمقراطية إن لم يكن أكثر، مع أن تأثير النظام الأفغاني عليها لم يكن ملموسًا. كان الهدف الأساسي للسعودية دعم الولايات المتحدة في تقويض السوفييت عبر آسيا الوسطى، وليس دعم الشعب الأفغاني. وهكذا ضاع 40 عامًا من عمر الأفغان ودمرت بلادهم عدة مرات في حروب لا تنتهي ولن تنتهي على الأمد القريب. وببساطة تعود طالبان.

ما الذي حدث؟

إنها التغيرات الجيوسياسية التي تلعب بكل الموازين. صعود الصين على الجبهات الاقتصادية والتقنية والعسكرية، خاصة منها البحرية في بحر الصين الجنوبي.

إذا كان التحالف جادًّا بشعاراته أنه يدافع عن الشعب اليمني، كان بمقدوره أن يدلل على حسن نواياه في المناطق الواقعة تحت سيطرته ويضع الحوثيين في حرج ما بعده حرج. باستطاعة التحالف لو كان صادقًا أن يصنع ظروفًا معيشية نموذجية في تلك المناطق

قبل فكرة الانسحاب الأمريكي كان الصراع حول بحر الصين بعد اكتشاف أنه ليس مجرد مياه خالية وجزر معزولة جدباء، بل واحد من أهم المواقع الواعد بمصادر الثروات. بعدها الحرب التجارية الأمريكية ضد الشركات الصينية.

ثم بعد ذلك جاءت خطوة الصين (كش ملك) من خلال توقيع الاتفاق الاستراتيجي مع إيران، وكان الرد الأمريكي باستغلال الاحتكاك الحدودي بين الصين والهند لتنشئ الحلف الرباعي مع (أستراليا، واليابان، والهند). وكان الرد الصيني بالتقارب أكثر مع روسيا، ومع أن التحالف الروسي الصيني هو تحالف الضرورة –لأن البلدين لا يمكن لهما بناء تحالف استراتيجي دائم بسبب سلة كبيرة من الخلافات والمطالبات المختلفة، ليس بينها الأيديولوجية على كل حال- إلا أن الولايات المتحدة تشعر بالخطر دائمًا، شأنها شأن كل الإمبراطوريات في التاريخ خوفًا على نفوذها وسيادتها العالمية.

معضلة اتفاق الرياض

إن اتفاق الرياض بما فيه من ثقوب، يمكن أن يطبق على أرض الواقع وربما ستتم إهالة التراب عليه قريبًا بالنتيجة لمسار الأحداث الدرامية. إنه من الكياسة استيعاب درس أفغانستان من قبل الجميع. والسعودية أكثر من يجب عليه ذلك. واليمنيون كذلك معنيون بقراءة هذه المتغيرات، أن أهم متغير في كل معادلات السياسة والعلاقات الدولية هي المصلحة وليس الحب والكراهية، وليس الدين أو المذهب. كانت السعودية متحالفة مع إيران الشيعية حتى العام 1979، ما الذي تغير هناك؟ تغير النظام السياسي وظلت إيران شيعية كما كانت، وظلت السعودية وهابية كما كانت، تغير مؤشر المصالح فقط.

وربما يكون من المفيد إعادة قراءة ما يجري بصورة أكثر اتزانًا وعقلانية لجعل اتفاق الرياض أكثر قابلية للتطبيق. وأهم ما يتطلبه ذلك هو جعل عدن العاصمة (المؤقتة) منطقة محايدة ومفتوحة أمام الجميع كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات. 

طبعًا ذلك لن يتم بتقسيم النفوذ بين المتصارعين على الهيمنة فيها، ولكن بإدخال تعديلات جوهرية في بنية الاتفاق بعد النص على تحريك القوات العسكرية من المدينة وإعادة هيكلتها بصورة علمية، بحيث يتم استحداث نص بعودة قوات أمن عدن التي تم إقصاؤها بعد حرب ،94 وتتحمل هي وحدها قيادة كل فروع العملية الأمنية وتأمين عدن ومواطنيها من كل التهديدات والتجاوزات التي تطالبهم. ويتم رفدها بما تحتاجه من الأفراد من أبناء المدينة الذين اكتسبوا خبرات ومهارات عسكرية خلال الحرب الأخيرة، وذلك دون إغفال الشروط القانونية والدستورية التي يجب توفرها لدى رجال الأمن.

لقد سكتت السعودية طويلًا عن التصعيد السياسي والإعلامي الموجّه ضد الانتقالي من بعض أطراف "الشرعية"، ولم ترَ في ذلك عدمَ انسجام مع الاتفاق أو إضرارً به، وربما كانت هي الراعي الحقيقي لهذا التصعيد لتحقيق هدف تكتيكي ما.

ومن جهة ثانية، تتعرض السعودية والتحالف لهجوم حادّ من قبل بعض أطراف الشرعية التي ترى أن التحالف "بات يعمل على تقويض وإنهاء حضور الشرعية في اليمن على المسارين السياسي والعسكرية، عبر فرض اتفاق الرياض، ثم القيام بتعديلات تفرغه من هدفه ومحتواه، ودعم ميليشيات مسلحة لقتال القوات الحكومية".

مع كل هذه المعطيات وعمليات التعطيل الدائمة لأي توافق عادل يضمن تنفيذ اتفاق الرياض مع عدم إهدار حق أبناء عدن في مدينتهم، فإننا لا نرى أن الاتفاق بما فيه من ثقوب يمكن أن يطبق على أرض الواقع.

إن طرفي الصراع في قراءتهما لاتفاق الرياض ومعهما التحالف، يركزون حصرًا على مدينة عدن؛ بينما الجوهر الحقيقي شامل لكل المناطق الجنوبية الخاضعة للتحالف "السعودي"، الأمر الذي يؤكد سعي هذه الأطراف لشرعنة إقصاء أبناء عدن أبديًّا عن إدارة مدينتهم كبقية المحافظات.

إن عقلانية التحالف في مسعاه لحل هذه المعضلة، ستبرز من خلال إدخال تعديلات جوهرية في بنية الاتفاق. 

كما نرى أنه من الضروري بمكان، أن يلتزم التحالف باعتباره يمارس الوصاية على البلاد بتوفير كل الموارد المالية الكافية التي توقف تدهور العملة الوطنية، وتهيئ الوضع للبدء بعملية إعادة الإعمار. 

إذا كان التحالف جادًّا بشعاراته أنه يدافع عن الشعب اليمني، كان بمقدوره أن يدلل على حسن نواياه في المناطق الواقعة تحت سيطرته، ويضع الحوثيين في حرج ما بعده حرج. باستطاعة التحالف لو كان صادقًا أن يصنع ظروفًا معيشية نموذجية في تلك المناطق، كان قادرًا خلال أزيد من ستة أعوام على أن يعيد إعمار البنية التحتية التي دمرها بالقصف الجوي بأفضل مما كانت عليه. وكان بمقدوره تدوير عجلة الاقتصاد بوتائر عالية، تخلق فرص عمل ووظائف، وتولد استقرارًا مثاليًّا يعود عليه وعلى سمعته قبل أن تعود علينا نحن بالنفع.

يجب على الجميع إدراك أن العالم ليس متخوفًا من سقوط مأرب أو الحديدة أو غيرهما من المناطق، بيد هذا الطرف أو ذاك. العالم لا يهتم إن سقطت هذه المنطقة أو تلك بمعركة خاطفة غير طويلة زمنيًّا أو مكانيًّا، فكل التصريحات تحذر فقط من الكلفة البشرية وانعدام الاحتياجات الإنسانية ومن تفشي المجاعة والأمراض. العالم الذي يصرخ قادر على أن يدافع عن مصالحه أمام أي طرف في اليمن، فلا تتباكوا على مصالحه.

 نعتقد جازمين أنه لا طائل لجميع الأطراف أن تهدر مزيدًا من الوقت والضحايا في سبيل سراب لن يتحقق. وهنا سيكون على كل الأطراف المتصارعة الخروج من إسار التواكل على الآخرين في حل مشاكلهم وتمكينهم من السلطة على جثث المواطنين. سيكون عليهم البحث عن حل شامل لهذه الأزمة داخليًّا، لكن هذا يتطلب منهم شجاعة أدبية وأخلاقية غير متوفرة لديهم حاليًّا.

ملحقات:

 انظر: د. أحمد سنان الجابري، الأزمة الخليجية وتأثيرها على الوضع الجيوسياسي للمنطقة، مجلة أبحاث البيئة والتنمية المستدامة. جامعة الناصر العدد الثاني - المجلد الخامس – 2018، ص 149-198.

2 محمد يوسف ومارك ادكين، مصيدة الدب، هافرتاون، بنسلفانيا، 2001. نشر قبل ذلك في حلقات في الواشنطن بوست عام 1987.


•••
د. أحمد سنان

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English