خطر عمالة الأطفال يتفاقم في اليمن

كيف تقضي مريم ذات التسع سنوات يومها في ظل الحرب؟
أسماء حيدر
April 26, 2021

خطر عمالة الأطفال يتفاقم في اليمن

كيف تقضي مريم ذات التسع سنوات يومها في ظل الحرب؟
أسماء حيدر
April 26, 2021
Photo by: Hamza Mustafa - © Khuyut

وحيدة تقف على رصيف شارع هائل بصنعاء، تمسك بيديها الشاحبتين مجموعة من عبوات المناديل الورقية التي تبيعها من جولة إلى أخرى، وسط ازدحام المارة والسيارات والبائعين المتجولين. تقف مريم ذات التسعة أعوام على مدار 12 ساعة في اليوم لكي تكسب رزقها بمهنة بيع المناديل الورقية؛ لكي تساعد والدتها في توفير لقمة العيش. تقف متبسمة في واقع صارت فيه حماية الطفولة وحقوقها، أمرًا بالغ الصعوبة.

تقول مريم لـ"خيوط": "أجبرتني أمي على ترك دراستي ومساعدتها في مسح السيارات، ثم بيع المناديل الورقية". كانت البداية مؤلمة بالنسبة لها كما تقول، لكنها اعتادت العمل الشاق، وكان عليها أن تعتاد أيضًا على الضرب وتلقي الإهانات والكلام الجارح من بعض المارة والباعة المتجولين. تتحمل كل ذلك لأن ظروف المعيشة لعائلتها تجبرها على تحمله.

تضيف مريم: "أخبرت أمي أكثر من مرة برغبتي في العودة للمدرسة وترك هذه المهنة التي أراها فوق طاقتي وتحملي، ولكنها رفضت، وأمرتني بالاستمرار في العمل لأنه قدرنا الذي لا مفر منه، كما قالت".

وعن المضايقات والتعنيف التي واجهتهما، تحكي مريم في سياق حديثها البريء: "ذات يوم وفي الساعة الثامنة مساء، وقت عودتي للمنزل، اعترض طريقي شابان قاما بضربي بقسوة شديدة، وأخذا كل الفلوس التي جنيتها ذلك اليوم. كنت أصرخ لعل أحدًا يسمعني وينقذني منهم، والحمد لله مرّ صاحب "مُتُر" معه راكب، فصرخت وجريت إليهما شاكية ما فعله الشابان معي". توقف سائق الدارجة النارية وترجل مع الراكب، وصرخا في وجه الشابين: "ما عندكم خوات أو بنات؟" شاتمَين إياهما، ثم أرغماهما على إرجاع نقود مريم، فأعاداها على الفور ولاذا بالفرار. ولأن القيَم الاجتماعية في هذا البلد لا تنعدم حتى في أحلك وأبشع الظروف، أوصل سائق الدراجة النارية مريم إلى منزلها قبل إيصال الراكب الذي كان معه، وهناك أخبرا الأم بما حدث لطفلتها، وطلبا منها عدم تركها في الشارع وحيدة بعد حلول المساء. لكن هل ستفعل الأم ذلك؟

أرقام وإحصائيات: 

 ليست مريم الطفلة الوحيدة التي تمّ دفعها إلى سوق العمل، حيث تُنتهك حقوق الأطفال بطرق متعددة، بل هناك مئات الآلاف من أطفال اليمن محرومون من أبسط حقوقهم، الأمر الذي يثير حالة من الطوارئ تستوجب تحركًا دوليًّا للمساعدة على الحد من هذه الظاهرة. مع ضرورة الإشارة إلى أن الأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين خمس سنوات و17 سنة، يشكلون نحو 34.3% من سكان اليمن، بحسب تقديرات منظمة العمل الدولية لعام 2010. وبالتأكيد، فهذا العدد من الأطفال في اليمن في ارتفاع متواصل.

حقوق الطفل

من جانبه أوضح الحقوقي والقانوني مطهر شرف الدين، أن ظاهرة عمالة الأطفال انتشرت في صورة من صور الظلم والتعسف"، وأنهم "يتعرضون لذلك أمام مجتمعٍ إسلامي ينبغي أن يقوم بدوره الأساسي إزاء الأطفال العاملين والمشردين".

وقال شرف الدين في حديث لـ"خيوط"، إنه يجب أن تعمل الدولة والمجتمع والأسرة معًا، على توجيه وترشيد حياة الأطفال، وأن تساعدهم في اختيار أنسب الطرق والأساليب لحياتهم، وتقويم ومتابعة سلوكهم وأنماط معيشتهم، وإعادة النظر في كيفية التعامل معهم. ويسلسل شرف الدين هذه المنظومة الاجتماعية التي يتوجب عليها رعاية الأطفال، بداية من الأسرة، التي قال إن عليها "أن تستشعر وتدرك مسؤولياتها والتزاماتها تجاه أطفالها، الذين يُعتبرون أمانة في أعناقنا جميعًا".

 وأضاف: "إذا كانت جميع الشرائع والأديان قد ذكرت في مضامينها حقوقًا مشروعة للإنسان، وأكدت على تكريم ذاته واحترام حياته، فإن القوانين الوطنية والدولية قد أشارت في موادها أيضًا إلى حقوق أساسية قانونية واجتماعية واقتصادية وصحية وثقافية، يجب أن تُمنح للأطفال وأن يتمتعوا بها منذ ولادتهم".

ويستدل شرف الدين على ذلك بما نصّت عليه المواد من (4 – 6) من القانون اليمني رقم (45) لسنة 2002، بشأن حقوق الطفل، مشيرًا إلى احتواء هذا القانون على "تحديد لواجبات الدولة والمجتمع والأسرة، إزاء توفير متطلبات الطفل وتوعيته وضمان توفر هذه المتطلبات، ومنها توفير الحماية القانونية اللازمة التي تضمن عدم المساس بحقوق الطفل، وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية والقوانين النافذة". ويؤكد القانون (45) في المادة الرابعة على "حماية الأطفال من جميع أنواع الاستغلال واعتبارها أفعالًا يجرمها القانون وبيان العقوبات الخاصة بمرتكبيها". كما نصت المادة الخامسة على ضرورة "تحديد الجهات المنوط بها الرقابة على مدى الالتزام بحقوق الطفل المنصوص عليها في هذا القانون والقوانين النافذة"، وفي المادة السادسة: "تحديد الخدمات التي يجب أن تقدمها الدولة للأطفال والتدابير الخاصة بحماية الطفولة وإنمائها".

ولفت شرف الدين إلى أن "القانون كان حريصًا على ضمان أن ينشأ الطفل على الاعتزاز بعقيدته الإسلامية وهويته الوطنية والــولاء لوطنه وأرضه وتاريخه، وعلى الشعور بالانتماء الحضاري اليمني العربي والإسلامي"، وأن القانون أشار "إلى وجوب أن ينشأ الطفل على الأخلاق الفاضلة والعمل المثمر، وتنمية الوعي لديه بضرورة احترام أبويه ومحيطه العائلي والاجتماعي، واحترام التكسب الكريم وروح الاعتماد على النفس".

القانون الدولي

أما في القوانين والاتفاقيات الدولية، فأوضح شرف الدين، أنها أكدت على وجوب أن يتم تجنيب الطفل "كل مظاهر الإهمال والاستغلال وسوء المعاملة، وأي عنف بدني ونفسي"، وأن للطفل وفق الاهتمام الدولي، "الحق في أن يُسمع رأيه وأن تحترم ذاته وإرادته لدى اتخاذ قرارات تخصه". 

وفي القانون اليمني، تنص المادة السابعة على أن "لكل طفل حق التعبير عن آرائه بحرية، وتؤخذ هذه الآراء بما تستحق من الاعتبار، وفقًا لسن الطفل ودرجة نضجه". ومن الحقوق المنصوص عليها في القانون اليمني والمواثيق الدولية: الحق في الحياة، والتعلّم، والرعاية الصحية، والحق في الترفيه، والحق في التعبير عن آرائه...

وأقرّت الأمم المتحدة "إعلان حقوق الطفل"، الذي اعتُمد ونشر على الملأ بموجب قرار الجمعية العامة المؤرخ في 20 نوفمبر/ تشرين الثاني 1959، وينص المبدأ الثاني من الإعلان على أنه "يجب أن يتمتع الطفل بحماية خاصة وأن يمنح، بالتشريع وغيره من الوسائل، الفرص والتسهيلات اللازمة لإتاحة نموه الجسمي والعقلي والخلقي والروحي والاجتماعي نموًّا طبيعيًّا سليمًا، في جو من الحرية والكرامة. وتكون مصلحته العليا محل الاعتبار الأول في سن القوانين لهذه الغاية".

أبعاد مجتمعية

الناشطة المجتمعية وفاء الكبسي، تقول في حديثها لـ"خيوط"، عن التداعيات الاجتماعية لظاهرة عمالة الأطفال: "أطفالنا الصغار يذهبون في المساء إلى منازلهم منهكي القوى وعليهم أثر التعب والإعياء، وكل ذنبهم أنهم خلقوا فقراء، فاستغنوا عن أدواتهم المدرسية، ويذهبون كل يوم للعمل في الشوارع وعلى مفترقات الطرق، في مهن مختلفة، ما بين باعة متجولين للأكياس البلاستيكية أو المناديل الورقية في مواقف السيارات، أو يمسحون السيارات، وغير ذلك من الأعمال غير المناسبة لأعمارهم".

وتشير الكبسي إلى أن ظاهرة عمالة الأطفال هي "من الظواهر الموجودة في كل بلدان العالم، وخاصة في الدول التي تنشب فيها الحروب والانتهاكات الاجتماعية والاقتصادية، كما هو حاصل في اليمن"، معتبرة أن استمرارَ الحرب عاملٌ رئيسي في استفحال ظاهرة عمالة الأطفال في كافة محافظات اليمن.

 وتُرجع الناشطة المجتمعية وفاء الكبسي، أسباب هذه الظاهرة إلى عدة عوامل، منها "عوامل اجتماعية" ومن بينها تفشي الأمية وسط الأسرة، و"ارتفاع نسبة البطالة بين البالغين"، كما لا يفوتها ذكر ما وصفتها بـ"ممارسات الحرب الوحشية من قتل وتدمير وحصار ونزوح، ضمن عوامل تفشي ظاهرة عمالة الأطفال. وهي في مجملها -حسب الكبسي- "انتهاكات صارخة في وجه الإنسان اليمني"، أدّت إلى وفاة أو غياب الأب الراعي والمعيل الوحيد للأسرة، أو إلى إعاقته وعدم قدرته على العمل.

وتضيف الكبسي أن "من أبرز العوامل أيضًا العامل الاقتصادي، حيث يُلاحظ ازدياد الفقر بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية في اليمن، وذلك ما دفع معظم أفراد الأسرة للعمل من أجل تأمين احتياجاتهم الضرورية من مأكل ومشرب ومسكن...". 

وتفصيلًا في سياق تظافر العوامل الأخرى مع العامل الاقتصادي لدفع الأطفال إلى سوق العمل، تقول وفاء الكبسي إن "كل تلك العوامل ساعدت في ارتفاع عمالة الأطفال، ففي بعض الأحيان يكون أجر الطفل العامل هو بمثابة المصدر الوحيد أو الأساسي للدخل الذي يكفل إعالة الوالدين ويوفر الاحتياجات الأساسية التي يعجز الكبار عن توفيرها، خاصة عائلات الأطفال الذين فقدوا آباءهم ويعيشون في كنف أمهاتهم".

مقترحات وحلول 

بالنسبة للناشطة الكبسي، فإن القضاء على ظاهرة عمالة الأطفال "تستلزم القضاء على فقر أهاليهم"، مع أن الأمر كما ترى "سيكون صعبًا" بالنظر إلى الأوضاع التي تعيشها اليمن بسبب الحرب. لذلك ترى الكبسي أنه "يمكن أن يعمل الطفل بجانب دراسته، وأن يكون صاحب العمل حريصًا عليه مثل والده، بالإضافة إلى ضرورة توعية الأهل لمساعدة أطفالهم على استكمال التعليم، مع تقديم بعض الدعم المادي للأسر الفقيرة، وإلحاق الأطفال بالتعليم المهني". وتضيف: "بمعنى أن يتعلم الطفل الفقير مهنة بجانب القراءة والكتابة وتعاليم الدين الإسلامي، منعًا لتشرده وضياعه وانحرافه المبكر". وهي تشترط لنجاح هذه المعالجات، تكامل الدور بين المؤسسات الحكومية والخاصة والأسرة والمجتمع، ومؤسسات المجتمع المدني. 

 وختامًا، فإن محاربة ظاهرة عمالة الأطفال، تتطلب تكثيف برامج التوعية والتثقيف، مع ضرورة وجود ضمان اجتماعي للأسر الفقيرة لمساعدتها في الحد من دفع أطفالها إلى سوق العمل مبكرًا، ورفع مستوى الوعي المجتمعي بمخاطر هذه الظاهرة، وضرورة تفعيل دور المؤسسات الرسمية في جانب حماية الطفل، وأهمية التكامل ما بين الجهات التشريعية والتنفيذية والقضائية للحد من هذه الظاهرة الخطيرة على مستقبل الأطفال ومستقبل البلاد عمومًا.

* تحرير خيوط

•••
أسماء حيدر

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English